الفارسي: أزمة جهاز المخابرات في طرابلس تعكس تخبطاً أمنياً وتآكلاً مؤسسياً

قال أستاذ العلوم السياسية، الدكتور يوسف الفارسي، إن ما جرى داخل جهاز المخابرات الليبية في طرابلس وما ارتبط به من تطورات أمنية، وما يتعلق باستهداف من يُعرف بـ“بيزمرينة”، يتطلب قراءة دقيقة للسياق العام الذي يمر به الوضع الأمني في العاصمة طرابلس.
وأضاف الفارسي، في مداخلة على قناة “ليبيا الحدث”، رصدتها “الساعة24″، أن ما يجري حالياً يعكس حالة من التخبط الكبير في جملة من الإشكاليات التي تواجه الوضع الأمني داخل طرابلس، خصوصاً داخل جهاز حساس كجهاز المخابرات الليبية.
وأوضح أن الجهاز تعرض خلال الفترة الماضية لتقليل من أهميته ومحاولات لإضعافه عبر تكليف شخصيات سابقة ـ على حد وصفه ـ لها ارتباطات ببعض التشكيلات المسلحة، مشيراً إلى أن هذه الشخصيات تستفرد بالجهاز وتعبث به.
وأكد الفارسي، أن جهاز المخابرات يعيش، بحسب وصفه، أسوأ حالاته، لافتاً إلى استهدافات سابقة طالت أرشيفه والتعدي على مقراته، معتبراً أن المساس به يمثل استهدافاً لـ“العمود الفقري للدولة الليبية”.
وتابع أن الوضع داخل الجهاز مزرٍ للغاية نتيجة تدخلات الميليشيات وعبثها بأفراده وقراراته، إضافة إلى ضعف التقدير الوظيفي للعاملين داخله. مشيرا إلى أن جهاز المخابرات هو الجهاز الوحيد في البلاد الذي لم تتم تسوية أوضاع مرتباته بالشكل المطلوب، رغم حجم المهام الملقاة على عاتقه.
واعتبر الفارسي، أن المشكلة الأساسية تكمن فيما وصفه بالعبث والاستخفاف بالجهاز ومحاولات إفشاله من قبل أطراف وصفها بالمشبوهة وجماعات مرتبطة بالإخوان المسلمين، إضافة إلى أطراف إرهابية تعمل على تقويضه منذ سنوات.
وأضاف أن هذه المحاولات ممتدة منذ سنوات وتهدف إلى تقويض دور الجهاز، مؤكداً أن ما يحدث داخله اليوم يمثل أمراً كارثياً.
ورأى الفارسي، أن ما يجري داخل جهاز المخابرات يعكس حجم الصراع داخل العاصمة، محذراً من استمرار التدخلات في المؤسسات الأمنية السيادية.
وأوضح أن التداخل بين التشكيلات المسلحة والمؤسسات الرسمية يمثل إشكالاً خطيراً، مشيراً إلى أن الجهاز أصبح عرضة لاختراقات أثرت على بنيته الداخلية.
وأضاف أن هناك شكاوى متكررة من منتسبي الجهاز بشأن تراجع الحقوق الوظيفية، ما ينعكس سلباً على أدائه كإحدى ركائز الاستقرار الأمني.
وأكد أن هذا الوضع يحدّ من قدرة الجهاز على أداء مهامه، في ظل ما وصفه بمحاولات تشويه وإضعاف ممنهجة خلال السنوات الماضية.
وفيما يتعلق بقدرة رئاسة الجهاز على فرض تغييرات، قال الفارسي، إن ذلك مرهون بواقع القوى على الأرض، موضحاً أن أي إصلاحات ستصطدم بالولاءات الجهوية ومصالح التشكيلات المسلحة.
وأشار إلى أن طرابلس تعيش حالة فوضى وتعدد مراكز قوة، ما يجعل تنفيذ القرارات الإصلاحية بالغ التعقيد.
وتابع أن الجهاز يعيش أسوأ مراحله في ظل اتهامات بسوء الإدارة وتداخل النفوذ، إضافة إلى مزاعم فساد إداري ومالي.
وفيما يخص دور المجلس الرئاسي، أوضح الفارسي، أن المجلس هو الجهة المخولة قانوناً بالإشراف على السلطة التنفيذية وتعيين وإقالة رئيس الجهاز، لكنه اعتبره ضعيف الأداء. مشيرا إلى أن بعض القراءات السياسية تربط ما يجري بمحاولات لإرباك المشهد في طرابلس وإعادة تشكيل التوازنات السياسية.
وأضاف أن المرحلة المقبلة قد تشهد تغييرات واسعة تطال المجلس الرئاسي والحكومة، ما يزيد من تعقيد المشهد.
وأكد الفارسي، أن الجهاز يعاني من إضعاف متراكم نتيجة استهداف بنيته وتغلغل المجموعات المسلحة، رغم وجود كوادر مهنية تعمل داخله. محذّرا من أن الوضع الأمني في طرابلس “قابل للانفجار في أي لحظة” بسبب التنافس على النفوذ.
وأوضح أن تجارب دمج القادة العسكريين داخل المؤسسات الأمنية لم تحقق النتائج المرجوة في إنهاء الانقسام. مشيرا إلى أن الفوضى في طرابلس تعكس غياب مؤسسات الدولة لصالح نفوذ التشكيلات المسلحة.
وأكد الفارسي، أن الخلافات داخل الأجهزة الأمنية جزء من الأزمة السياسية العامة المرتبطة بالصراع بين التيارات المختلفة في البلاد.
وأضاف أن الانقسام المؤسسي أثّر بشكل مباشر على محاولات توحيد الأجهزة الأمنية، مع وجود تغلغل داخلها وضعف في تنفيذ القرارات.
وأشار الفارسي، إلى أن قرارات التعيين والإقالة لا تُنفذ أحياناً، ما يعكس ضعف سيادة القرار المؤسسي. موضحا أن البيئة الأمنية في طرابلس تعرقل حتى تنفيذ القرارات الإدارية داخل المؤسسات.
وأكد أن استمرار الاشتباكات بين التشكيلات المسلحة يعكس حالة الفوضى العامة. معتبرا أن دخول تشكيلات غير منضبطة إلى الأجهزة الأمنية كان أحد أبرز أسباب إضعافها.
واختتم الفارسي، بالتأكيد على أن ما يجري يعكس أزمة بنيوية عميقة في القطاع الأمني، حيث تختلط السياسة بالأمن وتغيب القدرة على فرض القرار داخل مؤسسات سيادية يفترض أن تكون منظمة.









