الشيباني: إعادة مناقشة الدستور الآن مضيعة للوقت والأولوية لتوحيد المؤسسات

اعتبر أستاذ القانون العام، الدكتور خيري الشيباني، أن التوصيات الصادرة عن الحوار المهيكل بشأن تشكيل فريق من الخبراء لدراسة الإرث الدستوري الليبي بعد الانتخابات لا تمثل التزامًا قانونيًا، مشيرًا إلى أن ليبيا سبق أن قطعت شوطًا كبيرًا في هذا الملف عبر الهيئة التأسيسية لصياغة مشروع الدستور.
وأوضح الشيباني في مداخلة على قناة “الوسط”، رصدتها “الساعة 24” أنه كان يتوقع صدور توصية واضحة تدعو إلى الاستفادة من مشروع الدستور المنجز سابقًا بدل العودة إلى نقطة البداية والحديث عن صياغة دستور جديد، معتبرًا أن إعادة فتح الملف من الصفر تمثل إهدارًا للوقت والجهد.
وأشار إلى أن الهيئة التأسيسية المنتخبة أمضت سنوات في دراسة الإرث الدستوري الليبي وصياغة مشروع دستور متكامل، استنزف إمكانات مالية وبشرية كبيرة، وكان من المفترض أن يقود إلى استكمال الاستحقاق الدستوري.
وأضاف أن العقبة الرئيسية أمام إقرار الدستور لم تكن في النصوص أو الجوانب الفنية، بل في وجود قوى ونخب سياسية رأت أن مصالحها تتعارض مع قيام دولة مستقرة تستند إلى دستور دائم، وهو ما أدى – بحسب رأيه – إلى عرقلة المشروع رغم الجهود المبذولة.
وأكد الشيباني أن المرحلة الراهنة لا تبدو مناسبة للخوض في نقاشات دستورية مطولة، في ظل التحديات السياسية والمؤسسية القائمة، موضحًا أن الأولوية يجب أن تنصب على توحيد مؤسسات الدولة وترسيخ الاستقرار السياسي والإداري.
وأشار إلى أن ليبيا لا تزال تواجه إشكاليات تتعلق بتعدد مراكز النفوذ والصراع على السلطة والموارد، ما يستدعي التركيز على بناء مؤسسات قادرة على إدارة المرحلة الحالية.
ورأى الشيباني أن الحديث عن مشروع دستور جديد في الظروف الراهنة قد يؤدي إلى مزيد من التأخير، في وقت تحتاج فيه البلاد إلى خطوات عملية لتوحيد المؤسسات وإنهاء الانقسام السياسي، باعتبار ذلك المدخل الأساسي لأي عملية بناء دستوري أو مؤسسي مستقبلي.
ورأى أن توحيد الدولة ومؤسساتها يجب أن يكون الهدف الأول خلال المرحلة المقبلة، باعتباره أولوية تتقدم على أي نقاشات تتعلق بالمسارات الدستورية أو الترتيبات السياسية طويلة الأمد.
ونفى الشيباني وجود ارتياح لدى النخب السياسية تجاه المسارات الحالية، مشيرًا إلى أن العديد من القوى تعيش حالة قلق متزايد نتيجة الحراك الدولي والأممي الهادف إلى الدفع نحو حلول جديدة للأزمة الليبية.
وأوضح أن بعض الأطراف ما زالت تراهن على البقاء في السلطة لأطول فترة ممكنة رغم حالة الجمود السياسي، لافتًا إلى أن تمسكها بمواقع النفوذ بات أكثر وضوحًا في المرحلة الأخيرة.
وأضاف أن التحركات السياسية التي سبقت الإحاطة الأخيرة للمبعوثة الأممية أمام مجلس الأمن، بما في ذلك التفاهمات حول خارطة طريق محلية، يمكن قراءتها كمحاولة استباقية للتأثير على المسارات الأممية أو الحد من فاعليتها.
ورأى الشيباني أن هذه الخطوات تعكس سعيًا للحفاظ على الوضع القائم وإبقاء زمام المبادرة بيد الأجسام السياسية الحالية، التي تنظر بقلق إلى أي مبادرات دولية قد تعيد تشكيل المشهد أو تقلص نفوذها.
وأكد أن هذه الأجسام ليست مرتاحة للتحركات التي تقودها بعثة الأمم المتحدة، خشية أن تفضي إلى بدائل سياسية جديدة تنهي حالة الهيمنة القائمة منذ سنوات.
وفيما يتعلق بإنتاج شرعية انتخابية في ظل غياب أساس دستوري متفق عليه، اعتبر الشيباني أن هذه الإشكالية تمثل أحد أبرز التحديات أمام أي مسار سياسي مستقبلي، في ظل استمرار الخلاف حول القواعد الدستورية.
وأوضح أن بعض الأصوات داخل مجلس الدولة تؤكد ضرورة مرور أي مبادرة سياسية عبر مجلسي النواب والدولة باعتبارهما الجهتين المختصتين، إلا أن التجارب السابقة أظهرت أن أي مبادرة تنطلق من أحدهما غالبًا ما تواجه رفض الطرف الآخر، ما أدى إلى تعطيل مسارات عدة.
وأضاف أن بعثة الأمم المتحدة حاولت من خلال الحوار المهيكل واللجنة الاستشارية تجاوز حالة الجمود السياسي، وهو ما أثار اعتراض بعض الأطراف التي رأت في ذلك تقليصًا لدورها. مشيرا إلى أنه يدعم المسار الذي تقوده البعثة الأممية باعتباره الأقرب إلى الواقعية والأكثر قابلية للنجاح مقارنة بمسارات سابقة لم تحقق نتائج ملموسة.
وفي ملف الاستفتاء على الدستور، قال الشيباني إن انتظار هذا الاستحقاق في ظل الانقسام الحالي قد يفاقم حالة التأخير، مؤكدًا أن أي قاعدة دستورية لن تكون ذات أثر دون وجود مؤسسات موحدة قادرة على التنفيذ.
وأضاف أن الأزمة الليبية تجاوزت الخلافات الدستورية إلى إشكاليات أعمق تتعلق بالانقسام السياسي والمؤسسي، مشيرًا إلى أن بعض المقترحات السابقة اتجهت نحو ترتيبات قائمة على المحاصصة السياسية.
وشدد الشيباني على أن الأولوية يجب أن تنصب على توحيد مؤسسات الدولة والقرارين السياسي والعسكري، باعتبار ذلك المدخل الأساسي لأي عملية دستورية أو انتخابية ناجحة مستقبلًا.
وفيما يتعلق بدور بعثة الأمم المتحدة، أوضح الشيباني أنها تعمل ضمن صلاحياتها المحددة بقرارات مجلس الأمن منذ عام 2011، والتي تشمل تقريب وجهات النظر ودعم المصالحة وتهيئة الظروف للاستقرار، لكنها لا تمتلك أدوات إلزام لفرض الحلول.
وأشار إلى أن المتغير الأبرز حاليًا يتمثل في تنامي الدور الأمريكي في دعم مسار الاستقرار وتوحيد المؤسسات، ما منح المبادرات الدولية زخمًا أكبر مقارنة بالسنوات الماضية.
ورأى الشيباني أن المبادرة السياسية الأخيرة تحظى بقدر من الجدية نتيجة الدعم الدولي، رغم استمرار بعض الملاحظات القانونية، خصوصًا ما يتعلق بعدم مرورها عبر المؤسسات التشريعية.
وأضاف أن المشهد الحالي يعكس تأثيرًا متزايدًا للإرادة الدولية، وخاصة الأمريكية، في إعادة ترتيب المؤسسات السياسية والتنفيذية داخل ليبيا.
واختتم الشيباني بالتأكيد على أن ليبيا تتجه تدريجيًا نحو خطوات عملية لتوحيد مؤسساتها السياسية والعسكرية، معربًا عن أمله في أن تسهم هذه الجهود في إنهاء حالة الانقسام وتهيئة مناخ مناسب لاستكمال الاستحقاقات الوطنية.









