كرد: المصارف الليبية مطالبة بالتحول من مقرض تقليدي إلى شريك استراتيجي

أكد المدير العام للمجلس الوطني لريادة الأعمال، محمد فوزي كرد، أن نجاح ليبيا في تمويل مشاريع الإعمار والتنمية يتطلب تحولاً جوهرياً في دور المصارف الليبية، بحيث تنتقل من دورها التقليدي كمؤسسات مانحة للتمويل إلى شركاء استراتيجيين في التنمية الاقتصادية والاستثمار، عبر تطوير أدوات التمويل وتوسيع نطاق مشاركتها في دعم المشاريع الإنتاجية والتنموية.
وأوضح كرد، في تصريحات لقناة “ليبيا الحدث”، رصدتها “الساعة 24” أن المصارف تعد الجهة المخولة قانوناً بمنح التمويلات والائتمان للأفراد والشركات، إلا أنها ما تزال مقيدة بإجراءات وضمانات تجعل الحصول على التمويل أمراً معقداً، رغم ما تشهده البلاد من نشاط متزايد في مشاريع البناء والإعمار، مضيفاً أن المرحلة الحالية تستوجب تغيير فلسفة التمويل السائدة والانتقال نحو أدوات أكثر مرونة قادرة على مواكبة متطلبات التنمية.
وأشار إلى أن الإطار القانوني الليبي يتيح بالفعل استخدام صيغ تمويل متنوعة، خاصة بعد تعديل قانون المصارف عام 2013 الذي ألزم بالعمل وفق أدوات التمويل الإسلامية، مؤكداً أن المصارف لا ينبغي أن تقتصر على المرابحة فقط، بل يمكنها الاستفادة من صيغ أخرى مثل التأجير التمويلي والاستصناع، لا سيما في قطاع البناء والتشييد الذي يشهد توسعاً ملحوظاً.
وفي السياق ذاته، شدد كرد على أن تمويل المشروعات الكبرى لا يجب أن يعتمد على المصارف وحدها، بل ينبغي تفعيل دور سوق الأوراق المالية من خلال إصدار الصكوك الإسلامية المتوافقة مع أحكام الشريعة، إلى جانب إنشاء المحافظ الاستثمارية التي تسمح بتجميع المدخرات الصغيرة للأفراد وتوجيهها نحو مشاريع اقتصادية أكبر وأكثر تأثيراً.
ولفت إلى أن ليبيا تمتلك ميزة مهمة تتمثل في حجم الودائع والأموال المتراكمة داخل المصارف، إلا أن جزءاً كبيراً منها لا يزال معطلاً وغير مستثمر بالشكل الأمثل، موضحاً أن مراجعة المحافظ الائتمانية للمصارف التجارية تكشف محدودية الاستفادة منها مقارنة بحجم السيولة المتاحة، مرجعاً ذلك إلى ارتفاع متطلبات الضمانات التي تشمل غالباً الأراضي والعقارات والمباني، الأمر الذي يحد من قدرة الشركات ورواد الأعمال على الحصول على التمويل.
ورأى كرد أن المشكلة لا تكمن في نقص السيولة، وإنما في ضرورة تفعيل الأدوات التمويلية المتاحة قانونياً وشرعياً، والخروج من دائرة الاعتماد شبه الكامل على المرابحة، مشيراً إلى أن العقود الرسمية المبرمة بين الشركات المنفذة للمشروعات والجهات الحكومية يمكن أن تشكل ضمانة مهمة للمصارف بعد التحقق من صحتها وسير تنفيذ الأعمال المتفق عليها.
ودعا إلى تعزيز دور الجهات الحكومية المانحة للعقود في تقديم ضمانات جزئية للمصارف لتقليل المخاطر المرتبطة بتمويل الشركات المنفذة للمشروعات، إلى جانب إنشاء أو تفعيل صناديق ضمان التمويل التي تسهم في تغطية جزء من مخاطر التعثر وتشجع المصارف على التوسع في منح التمويلات.
وأوضح كرد أن العمل المصرفي يقوم أساساً على إدارة المخاطر وليس تجنبها، مشيراً إلى أن دخول المصارف كشركاء في التنمية يستوجب مشاركتها في المخاطر والعوائد المرتبطة بالمشروعات الاستثمارية.
وحول أبرز التحديات التي تواجه المصارف في تمويل المشاريع طويلة الأجل، أوضح كرد أن أول هذه التحديات يتمثل في نقص القدرات الفنية داخل الهياكل التنظيمية للمصارف، حيث تمتلك إدارات للائتمان والرقابة الشرعية والمراجعة الداخلية، لكنها تفتقر في كثير من الأحيان إلى الكفاءات المتخصصة القادرة على تقييم ومتابعة المشروعات في القطاعات المختلفة.
وضرب كرد مثالاً بمشروعات البناء والتشييد، موضحاً أن تمويل مشروع عقاري أو برج سكني كبير يتطلب وجود مهندسين أو مستشارين متخصصين لمتابعة التنفيذ والتأكد من الالتزام بالمخططات، وهو ما يستدعي إعادة هيكلة المصارف وتطوير قدراتها الفنية قبل التوسع في تمويل المشاريع التنموية الكبرى.
وأضاف أن التحدي الثاني يتمثل في ضرورة تبني رؤية طويلة المدى تعتبر المصارف شريكاً في التنمية الاقتصادية، لا مجرد جهة تمويل تنتظر استرداد أموالها، موضحاً أن المشروعات الكبرى تخلق منظومة اقتصادية متكاملة تمتد آثارها إلى الشركات الصغيرة والمتوسطة وقطاعات التشغيل والصيانة والخدمات المساندة، بما ينعكس إيجاباً على الاقتصاد وعلى المصارف نفسها.
وفي إطار حديثه عن التنمية المستدامة، رأى كرد أن ليبيا بحاجة إلى رؤية شاملة تقوم على الاستغلال الأمثل للموارد بما يلبي احتياجات الحاضر ويحافظ على حقوق الأجيال القادمة، مشيراً إلى أن نجاح مشاريع الإعمار لا يقاس بإنجاز البنية التحتية فقط، وإنما بقدرتها على بناء الكفاءات الوطنية وتحفيز النشاط الاقتصادي المحلي.
كما دعا إلى الاستفادة من خبرات الشركات الأجنبية المنفذة للمشروعات الاستراتيجية، مع إلزامها بإشراك المكاتب الهندسية والاستشارية الليبية المعتمدة، بما يضمن نقل المعرفة وتطوير الخبرات المحلية، وشدد كذلك على أهمية تضمين عقود المشاريع الكبرى برامج إلزامية لتدريب الطلبة والخريجين الجدد، ومنح المقاولين المحليين فرصاً أكبر للمشاركة عبر عقود المقاولة من الباطن.
وأشار كرد إلى أن الأثر الاقتصادي للمشروعات الكبرى يجب أن يمتد إلى قطاعات النقل والخدمات والتوريد والصيانة وغيرها من الأنشطة المرتبطة بها، بما يحقق قيمة مضافة مستدامة للاقتصاد الوطني.
وفيما يتعلق بدور المؤسسات المالية في دعم ريادة الأعمال، أوضح كرد أن مصرف ليبيا المركزي اتخذ خطوات لدعم قطاع المشروعات الصغرى والمتوسطة من خلال إنشاء مكتب مختص بهذا الملف، مؤكداً أهمية تطوير أدوات التمويل الموجهة للمشروعات الصغيرة ومتناهية الصغر لدورها في خلق فرص العمل وتشجيع الابتكار وتحويل الأفكار الريادية إلى مشاريع إنتاجية.
وأكد أن العديد من المشروعات الناشئة لا تحتاج إلى رؤوس أموال كبيرة، إذ يمكن إطلاق بعضها بتمويل يتراوح بين 100 و200 ألف دينار فقط، ما يجعلها فرصة مناسبة للمصارف للمساهمة في دعمها، مضيفاً أن المشاريع التكنولوجية والتطبيقات الرقمية تمثل مجالاً واعداً للنمو.
وفي سياق الإصلاحات المطلوبة، انتقد كرد اعتماد معظم المصارف الليبية على إيرادات العمولات المصرفية والبطاقات والاعتمادات المستندية كمصدر رئيسي للدخل، معتبراً أن هذا النهج عزز الاقتصاد الاستهلاكي على حساب الاستثمار والإنتاج، ودعا إلى تنويع مصادر الإيرادات والمشاركة الفعلية في تمويل المشاريع والاستثمارات المنتجة.
كما شدد على أهمية تغيير الثقافة المؤسسية داخل المصارف وتشجيع الابتكار والاستفادة من التجارب الدولية الحديثة في القطاع المصرفي، داعياً المصارف التجارية إلى إنشاء إدارات متخصصة بالمشروعات الصغرى والمتوسطة والتواصل المباشر مع رواد الأعمال لدعم مشاريعهم.
وأشار كرد إلى أن عامل الوقت أصبح بالغ الأهمية في ظل التحديات الاقتصادية الراهنة، مؤكداً ضرورة استثمار المرحلة الحالية في إطلاق مشاريع تنموية حقيقية قادرة على تحريك عجلة الاقتصاد وخلق فرص عمل جديدة.
وفي هذا الإطار، دعا كرد إلى بناء منظومة متكاملة لريادة الأعمال تبدأ من صاحب الفكرة مروراً بالحاضنات ومسرعات الأعمال والجهات الاستشارية وصولاً إلى المستثمرين والممولين، مؤكداً أن نجاح المشروعات يعتمد على التدريب والإرشاد بقدر اعتماده على التمويل.
واستشهد كرد بالتجربة اليابانية بعد الحرب العالمية الثانية، معتبراً أن نجاحها لم يكن نتيجة وفرة الموارد الطبيعية، بل بفضل الاستثمار في العنصر البشري وتطوير منظومات الإدارة، وهو ما تحتاجه ليبيا للاستفادة من إمكاناتها المتاحة.
واقترح منح المشروعات الصغيرة التي تقل استثماراتها عن 100 ألف دينار إعفاءات ضريبية لمدة خمس سنوات، بما يسمح لها بإعادة استثمار أرباحها خلال مراحل النمو الأولى، كما أكد ضرورة إنشاء وتفعيل سجل ائتماني وطني يتيح للمصارف تقييم طالبي التمويل بشكل أكثر دقة.
واختتم كرد حديثه بالتأكيد على أن بناء منظومة تمويل متكاملة، مدعومة بالتشريعات المناسبة والخدمات المصرفية الحديثة والبنية التحتية الرقمية، يمثل أحد أهم العوامل القادرة على تحفيز الاقتصاد الليبي وتعزيز بيئة الابتكار وريادة الأعمال ودعم دور القطاع الخاص في تحقيق تنمية اقتصادية مستدامة خلال السنوات المقبلة.









