امطيريد: المبادرة الأمريكية تمثل تحولًا استثنائيًا في مسار الأزمة الليبية

اعتبر المحلل السياسي محمد امطيريد أن اللقاءات والمباحثات الداخلية والخارجية المتسارعة بشأن الأزمة الليبية تعكس ما وصفه بـ”تقارب الحل” الذي أعلنته المبادرة الأمريكية للسلام، مشيراً إلى التوافقات التي حدثت بين مختلف الأطراف، بما في ذلك المسارات التي كانت تُدار سابقاً خارج إطار هذه المبادرة، قبل أن تندمج في خطة واحدة وهدف واحد لإنهاء الأزمة التي تعيشها الدول المعنية منذ سنوات طويلة.
وأضاف امطيريد، في تصريحات على قناة “ليبيا الحدث”، رصدتها صحيفة الساعة 24، أن العملية السياسية الحالية تُعد عملية استثنائية بكل المقاييس مقارنة بما سبقها، متسائلاً عن أسباب التميز الذي يراه في هذه المرحلة، ومؤكداً أن المبادرات السابقة والوساطات المتعددة “كانت كلها فاشلة”.
وأوضح أن ما يميز المرحلة الحالية، بحسب رأيه، هو كونها مختزلة في كونها استثناءً مرشحاً للنجاح، وتحظى بتفاعل كبير من المتابعين والمهتمين بالقضية الليبية، مرجعاً ذلك إلى أنها “تعمل بشكل مباشر”، على حد تعبيره.
وأشار إلى أن المبادرات السابقة كانت تعمل بشكل غير مباشر عبر لجان وسيطة وأجسام سياسية مثل المجلس الأعلى للدولة ومجلس النواب، والتي كانت، وفق وصفه، تدخل في أي صراع سياسي على طاولة الحوار، معتبراً أن ذلك كان يؤدي إلى محاولات لزعزعة الاستقرار في بعض الدول، قبل أن يتم إيقاف هذا المسار، بحسب قوله، عبر تدخلات دولية بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية.
وتابع أن المبادرة الحالية تختلف عن سابقاتها لأنها اشتغلت بشكل مباشر مع القيادة العامة في الشرق الليبي، ومع الحكومة في الغرب الليبي، معتبراً أنها ذهبت إلى أصحاب القرار مباشرة بدلاً من الاعتماد على الوسطاء.
وقال إن المبادرة ذهبت إلى أصحاب الجرح والأذى والمشكلة، وإلى صناع القرار الفاعلين على الأرض، مضيفاً: “بدل أن نبقى في دور الوسيط والوساطات، تم الانتقال إلى لقاء مباشر مع أصحاب القرار”.
وفي سياق حديثه، أشار مطيريد إلى أن القيادة في الشرق، ممثلة في الفريق صدام، تعمل، بحسب وصفه، على خطة ثابتة على الصعيدين المحلي والدولي، كما أشار إلى أن الأطراف في المنطقة الغربية، سواء عبد الحميد أو إبراهيم الدبيبة، كانوا أيضاً على المسار والخطة نفسيهما.
وأضاف أن هناك إجماعاً دولياً على هذه المبادرة بمشاركة دول إقليمية وأوروبية مثل فرنسا وألمانيا وإيطاليا، إلى جانب الولايات المتحدة الأمريكية باعتبارها الراعي الرسمي للمبادرة.
ورأى أن جميع المؤشرات، من وجهة نظره، تدل على أن هذه المبادرة مرشحة لحل الأزمة الليبية وإخراج البلاد من عنق الزجاجة الذي تعيشه منذ أكثر من 15 سنة، معبراً عن تفاؤله بها، خاصة مع مشاركة أصحاب القرار بشكل مباشر في التفاوض من مختلف الأطراف.
وتناول مطيريد الانتقادات الموجهة للمبادرة الأمريكية من بعض الأطراف الليبية التي ترى أنها تقوم على جمع كيانين ينبغي، بحسب رأيهم، إقصاؤهما من المشهد السياسي.
وفي رده على هذه الانتقادات، شدد على ضرورة الحديث بعقلانية بعيداً عن المزايدات السياسية، معتبراً أن النقاش يجب أن ينطلق من فهم طبيعة الواقع الليبي وتعقيداته، إضافة إلى طبيعة الأطراف الدولية والإقليمية المنخرطة في الملف.
وقال إن بعض الخطابات المطروحة في هذا السياق تنزلق، بحسب وصفه، إلى اتهامات وتراشق شخصي بدلاً من التركيز على جوهر القضية، مضيفاً أن النقاش يجب أن يكون حول الأفكار لا حول الأشخاص.
وأوضح أن إدخال الاتهامات والجدل حول الشخصيات السياسية والأمنية في ليبيا يضر بمسار النقاش العام، مشيراً إلى أن هذه المنهجية تؤدي إلى إعادة إنتاج الانقسام بدل معالجته.
وأضاف أن الأزمة الليبية الممتدة منذ أكثر من 15 عاماً أفرزت حالة من الاستقطاب الحاد، إلا أن المطلوب، وفق تعبيره، هو تجاوز الخطابات التصعيدية والتركيز على مستقبل الدولة الليبية بدلاً من العودة إلى ملفات الماضي أو توظيفها في الصراع السياسي الراهن.
وأكد أن المبادرة الأمريكية الحالية تختلف عن المبادرات السابقة لأنها، بحسب رأيه، تعتمد على إشراك مباشر للأطراف الفاعلة على الأرض في شرق وغرب ليبيا، بدلاً من الاعتماد على وسطاء أو أجسام سياسية تقليدية.
وأشار إلى أن هذه المقاربة تأتي في إطار محاولة إيجاد حل عملي وسريع للأزمة، بعد تجارب سابقة وصفها بأنها لم تحقق نتائج ملموسة وأدت إلى استمرار الانقسام السياسي.
ورداً على الانتقادات التي ترى أن المبادرة تقوم على تقاسم السلطة، أوضح مطيريد أن هذا الوصف غير دقيق، معتبراً أن ما يجري هو ترتيبات انتقالية استثنائية تهدف إلى إنهاء الأزمة وليس إعادة إنتاجها.
وأضاف أن التجارب السابقة أظهرت أن تشكيل حكومات أو حلول سياسية دون توافق مباشر بين القوى الفاعلة على الأرض أدى إلى تعقيد المشهد بدلاً من حله.
وشدد مطيريد على أن أي حل للأزمة الليبية يجب أن يأخذ في الاعتبار الواقع السياسي والاجتماعي على الأرض، وأن يتم عبر توافق بين القوى الفاعلة، معتبراً أن تجاوز هذا الواقع أو تجاهل موازين القوى سيؤدي إلى إعادة إنتاج الأزمات السابقة نفسها.
وأكد أن الأولوية في المرحلة الحالية يجب أن تكون إنهاء الصراع وتثبيت الاستقرار بدلاً من الانخراط في جدل سياسي حاد يعمّق الانقسام. معتبرا حالة الرفض التي تبديها بعض الأطراف الليبية للمبادرة، أمر طبيعي ومشروع في إطار تعدد المواقف السياسية داخل المشهد الليبي.
وأوضح أن التعامل مع الأصوات الرافضة يجب أن يكون ضمن إطار سياسي هادئ وعقلاني، بعيداً عن التصعيد أو التخوين، مشدداً على أن الخلاف في المواقف لا ينبغي أن يتحول إلى صراع شخصي أو خطاب إقصائي.
وأكد أن المشكلة، بحسب وصفه، لا تكمن في الرفض بحد ذاته، بل في الخطاب المتشنج أو الاتهامي الذي يصاحب بعض المواقف، مشيراً إلى ضرورة الفصل بين الاختلاف السياسي وبين استهداف الأشخاص أو التشكيك في وطنيتهم.
وأضاف أن الأزمة الليبية الممتدة منذ سنوات أفرزت حالة انقسام حاد، وأن محاولة تصنيف الأطراف بين وطني وغير وطني أو ثوري وغير ثوري لا تساعد في بناء أي تسوية سياسية، بل تعمّق الانقسام داخل المجتمع.
وفي حديثه، شدد مطيريد على أن المرحلة الحالية تتطلب مقاربة سياسية واقعية تأخذ في الاعتبار موازين القوى على الأرض، بدلاً من الاعتماد على الشعارات أو الخطابات التعبوية، معتبراً أن القوى الفاعلة في شرق وغرب ليبيا يجب أن تكون جزءاً من أي حل سياسي.
كما أشار إلى أن بعض الاعتراضات على المبادرة تنطلق من رفض وجود شخصيات أو أطراف بعينها في المشهد السياسي، إلا أنه أوضح أن هذا النوع من الاعتراضات لا يغير من المعادلة السياسية شيئاً إذا لم يُترجم إلى مسار تفاوضي واقعي.
وقال إن الخلاف حول رئاسة الحكومة أو توزيع الأدوار السياسية أمر مشروع سياسياً، لكنه لا يجب أن يتحول إلى خطاب إقصاء أو تخوين، مؤكداً أن الاختلاف السياسي لا يلغي شرعية التفاوض أو الحاجة إلى حلول وسط.
وأضاف أن المرحلة الليبية السابقة شهدت محاولات متعددة لتشكيل حكومات أو إعادة ترتيب المشهد السياسي، إلا أن معظمها لم يحقق الاستقرار المطلوب، وهو ما يستدعي، بحسب رأيه، البحث عن حلول أكثر واقعية وشمولية.
وفي سياق حديثه، أشار مطيريد إلى أن استمرار الانقسام السياسي وخطاب التشكيك المتبادل يعطل أي تقدم في ملف الانتخابات أو توحيد المؤسسات، مؤكداً أن الأولوية يجب أن تكون لتحقيق الاستقرار وإنهاء حالة الصراع.
ورأى أن أي تسوية سياسية في ليبيا لن تنجح ما لم تُبنَ على الاعتراف المتبادل بين الأطراف الفاعلة والتخلي عن خطاب الإقصاء والتصنيف، داعياً إلى تغليب منطق التفاهم السياسي على منطق الصدام.
وأوضح أن بعض الأطراف ترفض التدخل الدولي في الشأن الليبي، لكنها في الوقت ذاته ترفض أيضاً المسارات الدولية المطروحة، معتبراً أن هذا التناقض يطرح إشكالية في تحديد البديل الحقيقي القابل للتطبيق.
وأشار إلى أن النقاش الدائر يعكس اختلافاً في الرؤية حول طبيعة الحل، بين من يدعم المبادرة الأمريكية الحالية وبين من يفضل حلولاً محلية بحتة، مؤكداً أن الواقع السياسي الليبي الحالي لا يسمح بتجزئة الخيارات أو التعامل معها بشكل انتقائي.
وقال إن أي مبادرة سياسية تُطرح على الطاولة تكون ضمن حزمة متكاملة، ولا يمكن قبول جزء منها ورفض جزء آخر وفق المزاج السياسي، مشدداً على أن الهدف النهائي يجب أن يكون الوصول إلى حل شامل يحقق الاستقرار وإجراء الانتخابات.
وأضاف أن المبادرات السابقة التي اعتمدت على ترتيبات محلية أو على قوى سياسية منفردة لم تحقق النتائج المطلوبة، وهو ما دفع، بحسب رأيه، إلى البحث عن مسارات جديدة بمشاركة أطراف دولية وإقليمية.
وأوضح أن الدعم أو الرفض لا ينبغي أن يُبنى على أسماء أو شخصيات أو أطراف بعينها، بل على مدى قدرة أي مبادرة على تحقيق الاستقرار وإنهاء الانقسام السياسي، معتبراً أن الرفض المطلق دون بديل واقعي لا يساهم في حل الأزمة.
وأشار مطيريد إلى أن بعض المواقف السياسية الحالية تعكس حالة من الاستقطاب حول تقاسم النفوذ بدلاً من التركيز على بناء مؤسسات الدولة وإجراء الانتخابات، مؤكداً أن استمرار هذا النهج سيبقي الأزمة في حالة جمود.
كما لفت إلى أن المشهد السياسي الليبي شهد تغيرات كبيرة في السنوات الأخيرة، بما في ذلك تراجع دور بعض المؤسسات التقليدية، الأمر الذي فرض، بحسب قوله، واقعاً سياسياً جديداً يحتاج إلى حلول توافقية أكثر من كونه حلولاً إقصائية.
وأكد أن أي حل سياسي يجب أن يهدف في الأساس إلى تحقيق الاستقرار وإجراء انتخابات عامة، معتبراً أن هذا الهدف هو المعيار الحقيقي لتقييم أي مبادرة، سواء كانت دولية أو محلية.
وأكد أن الأزمة الليبية لا يمكن حلها عبر الرفض المتبادل أو الخطاب التصعيدي، بل عبر قبول التفاوض ضمن إطار واقعي يأخذ في الاعتبار موازين القوى والواقع على الأرض.









