قزة: المجتمع الدولي يولي اهتماماً كبيراً بالملف الأمني في ليبيا

قال مدير إدارة الدراسات والبحوث الاستراتيجية بالمركز الليبي للدراسات، الدكتور محمد قزة، إن التوافد المتسارع لرؤساء أجهزة المخابرات الأجنبية إلى طرابلس يحمل دلالات مهمة بشأن طبيعة التعاطي الدولي مع الملف الليبي، معتبراً أن هذه التحركات تؤكد أن ليبيا ما تزال تُدار كملف أمني أكثر من كونها دولة يجري التعامل معها عبر الأطر الدبلوماسية التقليدية.
وأوضح قزة، خلال مداخلة على قناة “الوسط”، رصدتها صحيفة الساعة 24، أن حضور مسؤولي الأجهزة الاستخباراتية بدلاً من وزراء الخارجية أو رؤساء الحكومات يعكس طبيعة الأولويات لدى الدول المنخرطة في الشأن الليبي، والتي تتركز حول الملفات الأمنية والهجرة غير النظامية ومكافحة الإرهاب والمصالح الاقتصادية، أكثر من تركيزها على دعم المسار السياسي الداخلي.
وأضاف أن هذا الواقع يعكس حجم التحديات المرتبطة بمسألة السيادة الوطنية، مشيراً إلى أن تكرار الزيارات الأمنية بهذا المستوى يبعث برسائل واضحة حول طبيعة الملف الليبي في الحسابات الدولية.
وفي تقييمه للمشهد السياسي الراهن، أشار قزة إلى وجود ثلاثة سيناريوهات رئيسية مطروحة حالياً بشأن مستقبل العملية السياسية في ليبيا.
ولفت إلى أن السيناريو الأول يتمثل فيما يُعرف بمشروع أو رؤية المبعوث الأمريكي مسعد بولس، والتي تقوم، بحسب ما يتردد في الأوساط السياسية، على التعامل مع موازين القوى القائمة على الأرض وإبرام تفاهمات سياسية بين الأطراف الفاعلة والمؤثرة في المشهد الليبي.
وأضاف أن هذا الطرح يستند إلى قراءة للواقع السياسي والعسكري الحالي، بحيث يتم توزيع المناصب التنفيذية والسيادية بين القوى الرئيسية المسيطرة على المشهد، مع إعادة ترتيب مؤسسات الدولة وفق تفاهمات جديدة تراعي التوازنات القائمة.
أما السيناريو الثاني، فيتمثل في العودة إلى مخرجات الحوار السياسي والمسارات الأممية السابقة، بما في ذلك الحوارات التي جرت في جنيف وما تفرع عنها من مقترحات وهياكل سياسية، وذلك في حال تعثر المشروع الأمريكي أو عدم توفر توافق كافٍ حوله.
وأشار قزة إلى أن هذا الخيار قد يشكل ما وصفه بـ”الخطة البديلة”، التي يمكن اللجوء إليها إذا فشلت الجهود الرامية إلى تمرير الترتيبات الجديدة المطروحة حالياً.
أما السيناريو الثالث، والذي اعتبره قزة الأقل احتمالاً، فيقوم على إعادة هيكلة السلطة التنفيذية وفق صيغة جديدة تشمل مجلساً رئاسياً موسعاً وترتيبات سياسية مختلفة يتم التوافق عليها ضمن إطار ليبي داخلي.
ورأى قزة أن القاسم المشترك بين هذه السيناريوهات يتمثل في أنها تُبنى في الغالب على أساس التفاهمات السياسية والمصالح الآنية للأطراف والمؤسسات الفاعلة، أكثر من اعتمادها على مشروع وطني شامل يعالج جذور الأزمة الليبية بصورة متكاملة.
وأضاف أن المشهد الحالي يجعل الليبيين، في كثير من الأحيان، خارج دائرة صناعة القرار الفعلي، بينما تدور المفاوضات والتفاهمات بين القوى المحلية والدولية المؤثرة في الملف.
كما أشار إلى وجود تباينات داخل المؤسسات الأمريكية نفسها بشأن إدارة الملف الليبي، موضحاً أن الرؤية التي يتبناها مسعد بولس قد لا تعكس بالضرورة موقف جميع دوائر صنع القرار في واشنطن.
ورأى قزة أن بعض المعطيات المتداولة تشير إلى وجود نقاشات داخل الإدارة الأمريكية حول الجهة التي ينبغي أن تتولى إدارة الملف الليبي، وهو ما يعكس استمرار الجدل بشأن طبيعة المقاربة الأمريكية الأنسب للتعامل مع الأزمة الليبية، بحسب تعبيره.
وأشار إلى أن مستقبل المبادرات المطروحة سيظل مرتبطاً بمدى قدرتها على تحقيق توافق داخلي حقيقي، بعيداً عن الحسابات الضيقة والصفقات المؤقتة، وبما يضمن الحفاظ على وحدة الدولة الليبية ومؤسساتها وسيادتها الوطنية.
وأعرب قزة عن قلقه من طبيعة الترتيبات السياسية الجارية بشأن مستقبل ليبيا، معتبراً أن البلاد أصبحت محل تفاوض بين قوى محلية ودولية في ظل غياب مشروع وطني جامع يعبر عن تطلعات الليبيين.
وقال إن التعامل الدولي مع الملف الليبي ما زال يتم من منظور أمني بالدرجة الأولى، مشيراً إلى أن توافد مسؤولي أجهزة الاستخبارات إلى ليبيا يحمل دلالات واضحة حول طبيعة الأولويات التي تحكم مواقف الدول المنخرطة في الأزمة الليبية.
وأضاف أن حضور رؤساء الأجهزة الأمنية والاستخباراتية بدلاً من المسؤولين السياسيين يؤكد أن الملفات المرتبطة بالأمن والهجرة والطاقة والمصالح الاستراتيجية هي التي تتصدر الاهتمام الدولي، بينما تتراجع الاعتبارات المرتبطة ببناء الدولة وتحقيق الاستقرار السياسي المستدام.
وأوضح قزة أن ليبيا تُعامل اليوم، في نظر العديد من القوى الدولية، باعتبارها ملفاً أكثر من كونها دولة ذات سيادة كاملة، وهو ما انعكس على طبيعة التدخلات الخارجية وتعدد المقاربات الدولية تجاه الأزمة الليبية.
وأشار إلى أن الدول الفاعلة في الملف الليبي لا تتحرك وفق رؤية موحدة، فلكل دولة أولوياتها ومصالحها الخاصة، سواء كانت مرتبطة بالنفط والغاز والطاقة والمعادن أو بقضايا الهجرة والأمن الإقليمي ومكافحة الإرهاب.
وانتقد قزة أداء جزء كبير من النخب والقيادات السياسية الليبية، معتبراً أن معظمها لم ينجح في بلورة مشروع وطني متكامل أو رؤية استراتيجية قادرة على إخراج البلاد من أزمتها الممتدة منذ سنوات.
وقال إن غالبية الفاعلين السياسيين ينطلقون من حسابات مرتبطة بالمصالح الحزبية أو الجهوية أو الشخصية، وهو ما أضعف فرص بناء توافق وطني حقيقي قادر على مواجهة الضغوط والتدخلات الخارجية.
وفي حديثه عن المبادرات الدولية المطروحة، أشار قزة إلى أن المشاريع المتداولة، بما فيها ما يعرف بمشروع بولس، تنطلق في الأساس من اعتبارات تتعلق بالطاقة والموارد الاقتصادية والمصالح الجيوسياسية للدول الكبرى، أكثر من انطلاقها من احتياجات المجتمع الليبي ومتطلبات بناء الدولة.
وأضاف أن المشهد الليبي بات أشبه بمتابعة صراع بين مشاريع ومبادرات متعددة، بينما يظل الليبيون في موقع المتلقي أو المتفرج على ما يجري من ترتيبات سياسية ودبلوماسية.
ورأى أن التحدي الحقيقي لا يكمن في تعدد المبادرات، وإنما في غياب كتلة وطنية قادرة على تقديم رؤية ليبية موحدة والدفاع عنها أمام مختلف الأطراف الدولية والإقليمية.
كما أشار إلى وجود لقاءات وتحركات دولية مرتقبة تتعلق بالملف الليبي، خاصة على المستوى الأمني والعسكري، معتبراً أن المؤشرات الحالية توحي بأن التركيز ينصب على إعادة ترتيب موازين القوى وآليات إدارة السلطة أكثر من التركيز على معالجة الأزمات الاقتصادية والخدمية أو الدفع نحو انتخابات شاملة.
ورأى قزة أن النقاشات الجارية تدور حول كيفية تنظيم مراكز النفوذ وتوزيع الصلاحيات وترتيب المشهد السياسي والعسكري، بينما تبقى الملفات المرتبطة بمعيشة المواطنين وتحسين الخدمات العامة وإعادة بناء مؤسسات الدولة خارج دائرة الأولويات الفعلية.
وأكد أن أي مشروع سياسي لن يحقق الاستقرار ما لم يستند إلى إرادة وطنية حقيقية ويعالج جذور الأزمة الليبية، محذراً من أن استمرار غياب الرؤية الوطنية الموحدة سيجعل مستقبل البلاد رهينة للتفاهمات والمصالح الخارجية.
وعلق قزة على ما يتم تداوله بشأن ترتيبات سياسية محتملة تتضمن بقاء رئيس حكومة الوحدة المؤقتة عبد الحميد الدبيبة في موقعه، مقابل منح شخصيات من الشرق الليبي مواقع سيادية متقدمة، مؤكداً أن نجاح أي صيغة سياسية يظل مرهوناً بمدى قدرتها على تحقيق توافق واسع بين مختلف القوى والمكونات الليبية.
وأوضح أن المشهد في المنطقة الشرقية يبدو أكثر وضوحاً من الناحية السياسية، مشيراً إلى وجود حالة من التوافق الواسع حول القيادة العامة للقوات المسلحة، وهو ما يجعل تمرير بعض الترتيبات السياسية هناك أكثر سهولة مقارنة بمناطق أخرى.
في المقابل، أكد قزة أن الوضع في المنطقة الغربية أكثر تعقيداً، لافتاً إلى أن مراكز النفوذ السياسية والاجتماعية والعسكرية داخل الغرب الليبي متعددة ومتباينة، الأمر الذي يجعل من الصعب الحديث عن موقف موحد تجاه أي مبادرة أو تسوية سياسية جديدة.
وأضاف أن عدداً من المدن والقوى المؤثرة في الغرب الليبي تمتلك رؤى ومصالح مختلفة، سواء في مصراتة أو الزاوية أو الجبل الغربي أو غيرها من المناطق، ما يجعل أي مشروع سياسي بحاجة إلى توافقات داخلية واسعة قبل إمكانية تطبيقه على الأرض.
وأشار إلى أن أي محاولة لتمرير ترتيبات سياسية دون إشراك الأطراف الفاعلة كافة قد تؤدي إلى ظهور اعتراضات وموجات رفض جديدة، خاصة إذا شعرت بعض القوى السياسية أو الاجتماعية أو القبلية بأنها مستبعدة من التفاهمات الجارية.
كما حذر قزة من أن استبعاد شخصيات أو مكونات ذات ثقل اجتماعي وقبلي قد يخلق تداعيات مستقبلية يصعب احتواؤها، نظراً للتداخل القائم بين التوازنات السياسية والاجتماعية في ليبيا.
وأكد أن المجتمع الليبي أظهر عبر مراحل مختلفة قابلية للتعامل مع التسويات السياسية إذا كانت مرتبطة بتحقيق الأمن والاستقرار وتحسين مستوى الخدمات والحفاظ على وحدة البلاد، إلا أن ذلك يظل مشروطاً بوجود شعور عام بالعدالة وعدم الإقصاء.
وأوضح قزة أن ليبيا تمر حالياً بمرحلة دقيقة تتسم بكثرة المؤشرات السياسية والأمنية المتغيرة، متوقعاً أن تشهد الفترة المقبلة تطورات مهمة قد تؤثر في شكل الترتيبات السياسية المطروحة.
وشدد على أن الأزمة الليبية لا يمكن معالجتها عبر توزيع المناصب أو إعادة إنتاج مراكز النفوذ فقط، بل تحتاج إلى مشروع وطني شامل يركز على استعادة السيادة الوطنية، ومعالجة الأزمات الاقتصادية، ومكافحة الفساد، والحد من الهجرة غير النظامية، وتعزيز مؤسسات الدولة.
وأضاف أن المسارات السياسية المطروحة حتى الآن ما زالت تعاني من تباينات واضحة بين الأطراف المختلفة، سواء في الملفات السياسية أو الاقتصادية أو الأمنية، الأمر الذي يعكس استمرار الخلافات حول طبيعة الدولة وشكل السلطة وآليات إدارة المرحلة المقبلة.
وختم قزة حديثه بالتأكيد على أن الليبيين يواجهون تحديات كبيرة في ظل التحولات الإقليمية والدولية المتسارعة، معرباً عن أمله في أن تسهم أي ترتيبات مستقبلية في بناء دولة مستقرة وقادرة على تلبية تطلعات المواطنين، بدلاً من الاكتفاء بإعادة توزيع مراكز النفوذ بين الأطراف المتنافسة.









