اخبار مميزةليبيا

المسماري: ليبيا تتجه نحو مرحلة انتقالية جديدة

قال المحلل السياسي راقي المسماري إن لجنة «4+4» أو ما وصفه بـ«الطاولة المصغرة» جاءت أساساً لتنفيذ ما يعرف إعلامياً بالمبادرة الأمريكية التي يقودها مسعد بولس، مشيراً إلى أن تشكيلها وآلية تمثيلها يعكسان بوضوح طبيعة الأطراف المنخرطة في تنفيذ مخرجات المبادرة، وليس ابتكار مسار سياسي جديد خارج الأطر المطروحة سابقاً.

وأوضح المسماري في حديث لتلفزيون “المسار”، رصدته صحيفة الساعة 24، أن اللجنة تتكون من أربعة ممثلين عن المنطقة الشرقية، بينهم ممثل عن القوات المسلحة العربية الليبية، وممثل عن الحكومة الليبية المكلفة من مجلس النواب في بنغازي، إضافة إلى عضوين من مجلس النواب، مقابل أربعة ممثلين عن المنطقة الغربية، بينهم ممثل عن حكومة الوحدة المؤقتة، وعضوان من المجلس الأعلى للدولة، إلى جانب العضوين عبد الله اللافي ومحمد المنفي أو من يمثلان المجلس الرئاسي ضمن الترتيبات القائمة.

وأشار إلى أن اللجنة تشكل هيئة تنفيذية هدفها الأساسي تطبيق مخرجات المبادرة الأمريكية، لافتاً إلى أن الحديث عن عدم ظهور نتائج نهائية حتى الآن يعود إلى أن الشيطان يكمن في التفاصيل، إذ بدأت الاعتراضات في الظهور فور نشر تفاصيل المبادرة، رغم أنها حققت تقدماً ملموساً في عدد من الملفات التي عجز الليبيون عن حسمها طوال ثلاثة عشر عاماً.

وأضاف أن المبادرة انطلقت من التوصل إلى اتفاق تنموي، ثم انتقلت إلى معالجة ملف إعادة تشكيل مجلس المفوضية الوطنية العليا للانتخابات، كما شملت معالجة أزمة المصرف المركزي بدعم فني من وزارة الخزانة الأمريكية، والاستفادة من خبرات صندوق النقد الدولي والبنك الدولي للإنشاء والتعمير، مؤكداً أن المبادرة حققت نجاحات عملية بصرف النظر عن الجدل الدائر حول بعض تفاصيلها.

وبيّن المسماري أن المبادرة تتضمن جانبين؛ الأول موضوعي يتمثل في الإنجازات التي تحققت عبر لجنة «4+4» وحضور عضوي مجلس الدولة عيسى العريبي والشاوش للتوافقات التنموية، والثاني شكلي يتعلق بالآليات السياسية والتنظيمية لتنفيذ تلك المخرجات.

وفي هذا السياق، استشهد المسماري بتصريحات الممثلة الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة إلى ليبيا هانا تيتيه، التي قال إنها أكدت بوضوح أن نجاح المبادرة الأمريكية في إعادة تشكيل السلطة التنفيذية سيجعلها مكملة للمسار الأممي، معتبراً أن ذلك يمثل اعترافاً عملياً بالدور الذي تؤديه المبادرة في تحريك العملية السياسية.

ورأى المسماري أن حكومة الوحدة المؤقتة كانت أحد أسباب تعطيل المسار الانتخابي السابق، موضحاً أن القوانين الانتخابية التي أعدتها لجنة «6+6» جاءت بعد ثلاثة عشر اجتماعاً بين مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة، بدءاً من مدينة بوزنيقة المغربية وصولاً إلى بنغازي، وتم اعتمادها بعد اختيار أعضاء اللجنة من المجلسين وفق آليات انتخابية وتصويت رسمي.

وأوضح أن المفوضية الوطنية العليا للانتخابات وصفت تلك القوانين بأنها قابلة للتطبيق على أرض الواقع، إلا أن المسار تعثر، بحسب قوله، بعد الإطاحة برئيس المجلس الأعلى للدولة السابق خالد المشري وصعود محمد تكالة إلى رئاسة المجلس، حيث أعلن منذ اليوم الأول رفضه القوانين الانتخابية وعدم اقتناعه بها.

وأكد المسماري أن لجنة «4+4» بدأت من النقطة التي توقفت عندها البعثة الأممية، بعدما عجزت الأخيرة عن تجاوز عقبة إعادة تشكيل الحكومة، مشيراً إلى أن رئيس حكومة الوحدة المؤقتة عبد الحميد الدبيبة كان يتمسك بإجراء الانتخابات دون تغيير حكومته، وهو ما أدى إلى استمرار حالة الجمود السياسي.

وفيما يتعلق بالنقاط الخلافية في القوانين الانتخابية، شدد المسماري على أن أبرزها يتعلق بجولة الإعادة في الانتخابات الرئاسية، معتبراً أن فوز مرشح بأصوات محدودة في ظل وجود عشرات المرشحين لا يمكن أن يمنحه شرعية كافية لحكم البلاد.

وأوضح أن ترشح أعداد كبيرة للرئاسة قد يؤدي إلى تشتت الأصوات بصورة تجعل الفائز يحصل على عشرات الآلاف فقط من الأصوات من أصل ملايين الناخبين، وهو ما يستدعي، من وجهة نظره، إجراء جولة ثانية بين المرشحين الأكثر حصولاً على الأصوات لضمان تحقيق أغلبية مطلقة تمنح الرئيس المنتخب شرعية سياسية وشعبية واسعة.

ورداً على الانتقادات المتعلقة بضيق دائرة المشاركة في لجنة «4+4»، قال المسماري إن التجارب السابقة التي اعتمدت على توسيع المشاركة لم تحقق النتائج المرجوة، مستشهداً بالمجلس الوطني الانتقالي، واتفاق الصخيرات الذي شارك فيه نحو 425 شخصاً، ثم ملتقى الحوار السياسي في تونس الذي ضم 74 مشاركاً.

وأضاف أن اتفاق الصخيرات أنتج حكومة ومجلساً رئاسياً دون تحديد واضح للعلاقة بين رئيس الحكومة ورئيس المجلس الرئاسي، ما تسبب في إشكاليات هيكلية استمرت لسنوات، بينما شهد ملتقى الحوار السياسي، وفق تعبيره، تجاوزات وإشكاليات موثقة في تقارير لجنة الخبراء الدولية وفي شهادات بعض المشاركين.

واعتبر المسماري أن جمع الأطراف المؤثرة فعلياً على الأرض حول طاولة واحدة أكثر جدوى من إشراك أعداد كبيرة من المشاركين دون قدرة حقيقية على اتخاذ القرار أو تنفيذ التفاهمات.

كما دافع المسماري عن تمثيل الأطراف الفاعلة على الأرض داخل اللجنة، مؤكداً أن نائب القائد العام للقوات المسلحة يمثل قوة سياسية وعسكرية مؤثرة، مشيراً إلى ما تحقق في الشرق الليبي من استقرار أمني ومشروعات إعادة إعمار وتنمية وبنية تحتية، إضافة إلى الانفتاح السياسي والدبلوماسي الذي شهدته المنطقة خلال السنوات الأخيرة.

وفي ملف إعادة تشكيل مجلس المفوضية الوطنية العليا للانتخابات، أوضح المسماري أن لجنة «4+4» لم تستحدث آليات جديدة، بل اعتمدت الأسماء الثلاثة التي رشحها مجلس النواب والأسماء الثلاثة التي رشحها المجلس الأعلى للدولة، قبل الاتفاق على أن يتولى النائب العام ترشيح شخصية قضائية مستقلة لرئاسة المجلس في ظل استمرار الانقسام القضائي.

وأشار إلى أن المبعوثة الأممية هانا تيتيه أعلنت مؤخراً أن الشخصية المرشحة أصبحت جاهزة وتحظى بقبول على مستوى كامل التراب الليبي، معتبراً أن ذلك يعكس نجاح اللجنة في معالجة أحد أكثر الملفات تعقيداً.

وفي معرض حديثه عن الانتخابات الرئاسية لعام 2021، أكد المسماري أن الأزمة لم تكن في القوانين الانتخابية بقدر ما كانت في تطبيقها، مشيراً إلى أن بعض المرشحين لم تنطبق عليهم الشروط القانونية المنصوص عليها، وأن الجدل الذي أثير حول ترشح عدد من الشخصيات كان سبباً مباشراً في تعثر العملية الانتخابية.

وأضاف أن ترشح بعض الشخصيات المثيرة للجدل، وعلى رأسها الراحل سيف الإسلام القذافي، أدى إلى تفجير الخلافات السياسية والقانونية التي حالت دون استكمال المسار الانتخابي، معتبراً أن تلك التطورات كانت القنبلة التي فجرت المشهد، وليس نصوص القوانين ذاتها.

وفي سياق متصل، لفت المسماري إلى أن تصريحات تيتيه الأخيرة تعكس وجود تقدم ملحوظ في عمل اللجنة، موضحاً أنها تحدثت عن إمكانية الاستناد إلى المادة 64 من الاتفاق السياسي الليبي لإيجاد مخارج قانونية تسمح بتنفيذ المخرجات التي قد تتوصل إليها لجنة «4+4».

وأشار إلى أن الحوار السياسي الموسع الذي ضم 124 شخصية ليبية أفضى إلى توصيات تتعلق بكيفية تشكيل حكومة جديدة ومجلس رئاسي جديد، معتبراً أن تلك التوصيات تنسجم مع التوجهات التي تعمل عليها المبادرة الأمريكية.

ورأى المسماري أن ليبيا تتجه على الأرجح نحو مرحلة انتقالية جديدة تتضمن إعادة تشكيل السلطة التنفيذية، لافتاً إلى أن الشرق والجنوب لا يحظيان بتمثيل حقيقي داخل حكومة الوحدة، الأمر الذي يجعل إعادة تشكيل الحكومة ضرورة سياسية لضمان تمثيل مختلف المناطق الليبية.

وأضاف أن عدداً من الوفود والسفراء الأجانب باتوا يزورون القيادة العامة للقوات المسلحة في الشرق الليبي دون المرور بحكومة الوحدة المؤقتة، ما يعكس، بحسب رأيه، وجود واقع سياسي جديد يتطلب إعادة ترتيب مؤسسات السلطة التنفيذية.

كما كشف عن وجود انفتاح متزايد داخل بعض الأوساط السياسية والعسكرية تجاه خيار إجراء الانتخابات البرلمانية أولاً، مشيراً إلى أن ممثل القيادة العامة في الحوار السياسي المهيكل سبق أن أبدى استعداداً لمناقشة هذا الخيار.

وشدد المسماري على أن المبعوثة الأممية تبدو أكثر تفاؤلاً من أي وقت مضى بشأن فرص التوصل إلى تسوية سياسية، معتبراً أن تقدم لجنة «4+4» في معالجة الملفات الخلافية أدى إلى تقليص نفوذ المؤسسات القائمة التي ظلت، بحسب وصفه، متمسكة بالبقاء في السلطة.

وقال إن بعض أعضاء مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة قد يكونون مستعدين للتخلي عن مواقعهم من أجل إنجاح التسوية، إلا أن المؤسستين في مجملهما لا تزالان حريصتين على استمرار الوضع القائم، مضيفاً أن ممثلي الحكومة والقيادة العامة المشاركين في اللجنة ليست لديهم مناصب تشريعية يتمسكون بها، الأمر الذي يمنحهم مرونة أكبر في الدفع نحو إنهاء المرحلة الانتقالية.

وختم المسماري بالتأكيد على أن كل خطوة تتقدم بها لجنة «4+4» نحو الأمام تقلص من دور الأجسام السياسية التقليدية، مشيراً إلى أن تصريحات هانا تيتيه الأخيرة أوحت بإمكانية تجاوز بعض تلك الأجسام بالكامل إذا ما نجحت اللجنة في التوصل إلى توافقات نهائية قابلة للتنفيذ.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى