اخبار مميزةليبيا

بلها: الخلل في ليبيا داخلي.. ولابد من استغلال الزخم الدولي لحماية مصالحنا

قال رئيس تجمع تكنوقراط ليبيا أشرف بلها إن الخلل الأكبر في الأزمة الليبية لا يزال داخلياً، وليس لدى الأطراف الإقليمية والدولية، مؤكداً أن استمرار الانقسام بين القوى المحلية وعجزها عن الاتفاق على مصالحها المشتركة يمنح الدول الخارجية فرصة لفرض رؤاها وشروطها، داعياً الليبيين إلى استغلال تنافس هذه الدول على النفوذ والمصالح لدعم حل ليبي يحافظ على سيادة البلاد ومصالحها.

وأوضح بلها، في لقائه مع قناة الوسط، رصدتها صحيفة الساعة 24، أن مصر تمثل أحد أبرز اللاعبين الإقليميين في الملف الليبي، نظراً إلى علاقاتها الواسعة بمختلف الأطراف، مشيراً إلى أن القاهرة تدرك مصالحها في ليبيا وتسعى إلى بناء علاقات متوازنة مع الفاعلين الموجودين على الأرض، لافتاً إلى أن انفتاحها لم يعد مقتصراً على طرف واحد، بل توسع ليشمل مختلف الأطراف في المشهد الحالي.

وأكد أن مصر تتمتع بثقل إقليمي مهم لدى مختلف الأطراف الليبية، إلا أنها ليست اللاعب الإقليمي الوحيد، إذ توجد دول عربية وغير عربية تتنافس على التأثير في صياغة مستقبل البلاد.

وأضاف أن من بين أبرز اللاعبين تركيا ومصر ودول الخليج، إلى جانب فرنسا وإيطاليا والولايات المتحدة، مشيراً إلى أن جميع هذه الأطراف تمتلك مصالح ورؤى خاصة بشأن ليبيا، وتسعى إلى حماية هذه المصالح أو تطويرها أو ضمان استمرارها.

وأوضح بلها أن هذه الدول تعلن دعمها للمسار الأممي، كما أن مبادرة المبعوث الأمريكي مسعد بولس تسير من الناحية الشكلية والدبلوماسية في الاتجاه نفسه، غير أن لكل دولة في الواقع وسائلها الخاصة لرعاية مصالحها والتأثير في المشهد الليبي بما يخدم أهدافها.

وأكد أن السياسة الدولية لا تقوم على العمل الخيري، وإنما على المصالح والنفوذ والقوة، موضحاً أن الدول قد تتحرك في بعض الأحيان في إطار التعاون والصداقة، لكنها في الوقت نفسه تستغل الظروف والأزمات لتحقيق مكاسبها، خصوصاً عندما تجد أمامها دولة منقسمة وضعيفة وغير قادرة على توحيد موقفها.

وشدد بلها على أن المشكلة لا تكمن في وجود المصالح الخارجية بحد ذاتها، وإنما في ضعف الموقف الليبي، معتبراً أن الليبيين يفترض أن يمتلكوا رؤية أقوى وأن يجعلوا مصالحهم الوطنية أولوية، مع الاستفادة في الوقت نفسه من حاجة الدول الأخرى إلى تحقيق مصالحها داخل ليبيا.

وقال إن من مصلحة الليبيين أن يستفيدوا من التنافس الإقليمي والدولي، وأن يحشدوا هذه المصالح الخارجية في اتجاه يدعم الاستقرار وإنهاء الأزمة، بدلاً من السماح للدول بأن تستخدم الانقسام الليبي لإملاء شروطها.

وفي تقييمه للوضع الأمني الأخير، أشار بلها إلى أن التطورات التي شهدتها الزاوية غرباً، بالتزامن مع اغتيال اللواء فوزي المنصوري في بنغازي، تطرح مجدداً تساؤلات حول قدرة القوى المحلية على ضبط مناطق نفوذها، ومدى تأثير ذلك في الحسابات الأمريكية بشأن الأطراف التي يمكن الاعتماد عليها في أي تسوية مقبلة.

وأوضح أن ليبيا، بصورة مجازية، تنقسم حالياً إلى معسكرين رئيسيين، أحدهما في الشرق الذي يسيطر على جزء كبير من البلاد ويتمتع بسلطة موحدة، بينما لا يزال المعسكر الغربي يعاني من تعدد مراكز القوة وغياب مظلة سياسية وأمنية واجتماعية موحدة قادرة على إدارة المنطقة.

وأضاف أن هذا الفارق يلفت انتباه المجتمع الدولي، الذي يبحث قبل كل شيء عن الاستقرار، موضحاً أن مفهوم الاستقرار لدى بعض الأطراف الدولية قد يعني أحياناً الإبقاء على الوضع القائم ومنع عودة الحرب، حتى لو لم يؤدي ذلك بالضرورة إلى إنهاء الانقسام أو بناء دولة موحدة.

وأشار إلى أن المجتمع الدولي ينظر إلى وقف إطلاق النار والترتيبات الأمنية التي ساهمت مصر وتركيا في دعمها على أنها عناصر تساعد في المحافظة على الاستقرار، وهو استقرار يخدم جزءاً من مصالح تلك الدول، لأنها تجد في الوضع الحالي مساحة لتحقيق بعض أهدافها دون الدخول في صراع جديد واسع.

وأكد بلها أن الليبيين لا يزالون غير قادرين على الجلوس معاً والوصول إلى تفاهمات حقيقية رغم كثرة المبادرات الدولية، معتبراً أن هذه المشكلة داخلية بالدرجة الأولى، وليست ناتجة عن عدم وجود رغبة لدى الأطراف الخارجية في التوصل إلى حل.

وأضاف أن المجتمع الدولي نفسه يؤكد في قراراته أن الحل يجب أن يكون «ليبي-ليبي»، وأن الدول الخارجية ليست ملزمة بإنتاج الحل نيابة عن الليبيين، وهو ما يعني أن المسؤولية الأساسية عن إنهاء الانقسام تقع على الأطراف المحلية نفسها.

وأوضح أن اختزال المشهد في معسكرين لا يعني أن الحل سيكون سهلاً، لأن لقاء الطرفين تحت مظلة المسار الأممي أو مبادرة بولس قد يقود في البداية إلى توحيد المؤسسات وتشكيل حكومة جديدة وربما مرحلة انتقالية أخرى، لكن السؤال الأهم، بحسب بلها، هو ما إذا كانت هذه المبادرات ستقود فعلاً إلى بناء دولة وإجراء انتخابات ووضع دستور وطني دائم.

ورأى أن الوصول إلى هذه الأهداف لا يزال بعيد المنال في المنظور القريب والسبب أن جزءاً كبيراً من العوائق موجود داخل ليبيا نفسها، حيث يسمح ضعف الموقف الوطني للأطراف الخارجية بالتدخل والتأثير والحصول على تنازلات بأقل الشروط الممكنة.

وشدد على أن السياسة تقوم على إدارة المصالح، وأن الدولة التي تكون قوية ومتفقاً داخلها على مصالحها الوطنية تستطيع التفاوض مع القوى الخارجية من موقع أفضل، فيما الدولة المنقسمة تجد نفسها مضطرة إلى تقديم تنازلات متتالية.

ودعا بلها الأطراف الليبية إلى البدء في بناء توافق داخلي حقيقي، قائلاً إن نقطة البداية يجب أن تكون جلوس الليبيين معاً ومناقشة ما يجمعهم، والعمل على تقليص الشرخ القائم، بدلاً من الاستقواء بالخارج أو تحويل الصراع الداخلي إلى منافسة بين الدول الإقليمية.

وأكد أن استمرار نهج المغالبة والمكابرة والاستقواء بالقوى الخارجية سيؤدي إلى استمرار الوضع الحالي، وربما يطيل أمد الأزمة إلى ما لا نهاية، محذراً من أن الدول الخارجية لن تتوقف عن استغلال الانقسام الليبي طالما ظل قائماً.

وفي حديثه عن التحركات الفرنسية، قال بلها إن فرنسا تمثل لاعباً أساسياً في المشهد الليبي والإفريقي، وإن اهتمامها بليبيا يرتبط بشكل وثيق بموقع البلاد بوصفها بوابة مهمة إلى منطقة الساحل والصحراء، وهي منطقة تمثل تاريخياً مجال نفوذ فرنسياً واسعاً.

وأوضح أن نفوذ فرنسا لا يرتبط بالجانب السياسي فقط، بل يشمل أيضاً المصالح الاقتصادية، ولا سيما شركات الطاقة الفرنسية العاملة في ليبيا، إضافة إلى العلاقات التي تربط باريس ببعض المجموعات السياسية والاجتماعية الليبية.

وأشار إلى أن الدور الفرنسي في ليبيا ليس جديداً، بل يعود إلى سنوات طويلة، مذكراً بأن فرنسا كانت من أبرز الدول التي قادت التدخل الدولي خلال أحداث فبراير 2011 عبر حلف شمال الأطلسي، وما ترتب على ذلك من سقوط النظام السابق.

وأضاف أن التحرك الفرنسي الحالي يجب أن يُفهم ضمن هذه الخلفية التاريخية والاستراتيجية، مؤكداً أن باريس، مثل غيرها من الدول، تسعى إلى حماية مصالحها وتعزيز نفوذها في ليبيا ومنطقة الساحل.

ورأى أن التحركات الفرنسية الأخيرة، بما فيها الحديث عن اجتماعات مرتقبة في باريس بين رؤساء المجالس الليبية الثلاثة، تعكس رغبة فرنسية في التأثير في مسار التسوية المقبلة، واستثمار الفرص السياسية المتاحة بما يخدم رؤيتها ومصالحها.

وشدد بلها على أن الليبيين لا ينبغي أن ينظروا إلى هذه التحركات الفرنسية أو المصرية أو التركية أو الأمريكية باعتبارها خطراً بالضرورة، وإنما عليهم التعامل معها باعتبارها أوراقاً يمكن توظيفها لصالح الحل، شريطة أن تكون لديهم رؤية وطنية واضحة وشروط تفاوضية محددة.

وأضاف أن الدول الخارجية تخطط لعقود طويلة ولا تعمل لإضاعة الوقت، لذلك ينبغي على الليبيين أن يستفيدوا من رغبة هذه الدول في البقاء والتأثير داخل ليبيا لفرض شروطهم ومصالحهم الوطنية، بدلاً من أن تتحول هذه الرغبات إلى أدوات للضغط على الداخل الليبي.

وأكد أن التنافس الدولي والإقليمي على ليبيا يمكن أن يتحول من عامل لتعقيد الأزمة إلى عامل مساعد في حلها، إذا نجحت الأطراف الليبية في توجيه هذا التنافس نحو دعم مؤسسات الدولة وإنهاء الانقسام.

وأوضح أن الأولوية يجب أن تكون لبناء توافق وطني حقيقي، يبدأ بالتقارب بين الأطراف الليبية وإعادة بناء الثقة، ثم الانتقال إلى توحيد المؤسسات وتحديد قواعد واضحة للمرحلة السياسية المقبلة.

وفيما يتعلق بشكل التسوية المحتملة، قال بلها إن أي لقاء يجمع المعسكرين الشرقي والغربي قد يؤدي إلى ترتيبات بشأن توحيد المؤسسات وتشكيل حكومة جديدة ومرحلة انتقالية أخرى، لكنه شدد على أن هذه الترتيبات لا ينبغي أن تتحول إلى مرحلة انتقالية مفتوحة أو إلى إعادة إنتاج الانقسام تحت مسميات جديدة.

وأشار إلى أن المطلوب في النهاية هو الذهاب إلى مشروع دولة كامل يتضمن انتخابات نزيهة ودستوراً وطنياً دائماً ومؤسسات موحدة، وليس مجرد اتفاق على توزيع المناصب أو إدارة المرحلة الانتقالية.

وفي ختام حديثه، أكد البلها أن مسؤولية إنهاء الأزمة تقع في المقام الأول على الليبيين أنفسهم، مشدداً على أن استمرار التنازع والصراع الداخلي وتقديم الخلافات على المصالح المشتركة هو ما يفتح المجال أمام التدخلات الخارجية، داعياً إلى تحويل التنافس على النفوذ إلى فرصة لتقوية الدولة الليبية، والاستفادة من مصالح مصر وتركيا وفرنسا وإيطاليا والولايات المتحدة وغيرها في دعم حل يحفظ سيادة ليبيا ويقودها في النهاية إلى دولة موحدة ومستقرة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى