أطلوبة: الهجرة غير النظامية نتاج خلل اقتصادي وتعليمي

قال أستاذ الاقتصاد بجامعة مصراتة، عبد اللطيف أطلوبة، إن الحديث عن تحوّل الهجرة إلى «ظاهرة» تستدعي المعالجة والتخطيط يجب أن يستند أولاً إلى بيانات وإحصاءات دقيقة تحدد أعداد المهاجرين، ولا سيما الذين يغادرون ليبيا عبر البحر، مؤكداً أن غياب هذه البيانات يجعل من الصعب إصدار أحكام دقيقة بشأن حجم الظاهرة ومدى خطورتها.
وأوضح أطلوبة في مداخلة على قناة “ليبيا الحدث” رصدتها صحيفة الساعة 24، أن الهجرة معروفة تاريخياً باعتبارها انتقالاً من المجتمعات الأقل نمواً والأقل توفيراً للفرص إلى المجتمعات الأكثر تقدماً والأوفر حظاً من حيث فرص العمل والدخل، مشيراً إلى أن هذا النمط كان واضحاً في ليبيا وفي العديد من الدول العربية والنامية، خصوصاً من خلال هجرة الكفاءات والمتخصصين الذين كانوا يبحثون عن فرص أفضل للتوظيف والدخل والابتكار والتطور المهني في الدول الغربية.
وأضاف أن هذا النمط التقليدي من الهجرة بدأ يطغى عليه نمط آخر يتمثل في هجرة غير المتخصصين والفئات التي تبحث بصورة أساسية عن فرص للحياة والعمل، نتيجة غياب الفرص الاقتصادية والاجتماعية في بلدانها الأصلية، وهو ما ينطبق بدرجات متفاوتة على دول تعاني أزمات اقتصادية وأمنية وسياسية حادة.
وأشار أطلوبة إلى أن الحالة الليبية تختلف في بعض جوانبها عن حالات دول تعاني انعدام فرص الحياة، موضحاً أن ليبيا نفسها تستقبل مئات الآلاف من المهاجرين القادمين من دول فقيرة، وهو ما يعكس، في رأيه، وجود فرص اقتصادية ومعيشية داخل البلاد. ومن هنا يطرح السؤال حول الأسباب التي تدفع بعض الشباب الليبي إلى الهجرة إلى الخارج رغم وجود هذه الفرص.
ويرى أستاذ الاقتصاد أن من أبرز أسباب هجرة الشباب الليبي ضيق السوق المحلية ومحدودية النشاط الاقتصادي، إلى جانب ارتباط نسبة كبيرة من فرص العمل بالوظيفة الحكومية، معتبراً أن الاعتماد المفرط على الوظيفة العامة يحد من قدرة الشباب على التطور والمبادرة ويضعف الحافز على الابتكار والعمل المنتج.
ولفت إلى أن مشكلة أخرى تتمثل في غياب آليات فعالة لتمويل المشروعات الصغرى والمتوسطة والابتكارات الجديدة، موضحاً أن النظام المصرفي الليبي لم ينجح حتى الآن في توفير منظومة تمويل قادرة على مساعدة الشباب على تأسيس مشروعاتهم، الأمر الذي يجعل الشاب مضطراً إلى البدء بإمكاناته الذاتية.
وأضاف أن تمويل المشروعات والابتكارات يمثل عنصراً أساسياً في الاقتصادات الحديثة، حيث تتوافر في كثير من الدول مؤسسات وآليات تمويل تساعد أصحاب الأفكار والمشروعات الناشئة على الانتقال من مرحلة الفكرة إلى الإنتاج، بينما لا تزال هذه المنظومة محدودة في ليبيا.
وأشار أطلوبة كذلك إلى وجود عامل اجتماعي يتمثل في ارتفاع سقف التوقعات لدى شريحة من الشباب الليبي، موضحاً أن الشاب بعد التخرج أو حتى قبل ذلك يتوقع في كثير من الأحيان الحصول على منزل خاص، ومركبة مناسبة، وتكوين أسرة والعيش بمستوى اجتماعي معين.
وقال إن هذه التوقعات ليست سهلة التحقيق حتى في العديد من الدول المتقدمة، باستثناء الدول النفطية ذات الدخول المرتفعة، معتبراً أن جزءاً من التصورات السائدة لدى الليبيين تشكل خلال طفرة النفط في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي، عندما كان الحصول على المسكن وفرص تحسين المستوى المعيشي أكثر سهولة.
وأكد أن هذه الظروف لم تعد متاحة بالدرجة نفسها اليوم، في ظل تغير طبيعة الاقتصاد الليبي وتراجع قدرة الدولة على توفير الوظائف والدخل وفق النموذج السابق.
ومن بين المشكلات التي أشار إليها أطلوبة أيضاً ضعف العلاقة بين الدخل والإنتاجية في سوق العمل الليبي، موضحاً أن دخل العامل أو الموظف غالباً ما تحدده قواعد قانونية وإدارية، بدلاً من أن يرتبط بصورة مباشرة بمستوى الإنتاج والكفاءة والابتكار.
وأضاف أن هذا الوضع قد يؤدي إلى إحباط الشباب المنتج، لأن الشخص النشط والمبتكر والمستعد للعمل لا يجد بالضرورة دخلاً يعكس إنتاجيته، الأمر الذي يدفع بعض الشباب إلى البحث عن بيئة أخرى يمكن أن يكون فيها العائد أكثر ارتباطاً بمهاراته وإنتاجيته.
وشدد على ضرورة تغيير هذه الثقافة من خلال تطوير النظام التعليمي والاجتماعي والاقتصادي، بحيث يصبح الدخل مرتبطاً بالإنتاجية والكفاءة وليس بالشهادة أو سنوات الخدمة وحدها.
وفي سياق حديثه عن الصورة التي يحملها الشباب عن ليبيا ومستوى المعيشة في الخارج، رفض أطلوبة وصف ليبيا بأنها دولة غنية لمجرد امتلاكها موارد نفطية، موضحاً أن مفهوم الغنى الاقتصادي لا يرتبط بالموارد الطبيعية وحدها، وإنما يقوم على توافر مجموعة من العناصر، أبرزها الموارد البشرية المؤهلة، والموارد الطبيعية، ورأس المال.
وقال إن ليبيا تمتلك مورداً نفطياً مهماً، إلا أن هذا الريع لم يتحول بالقدر الكافي إلى رأس مال منتج أو إلى استثمار طويل الأجل في الموارد البشرية، معتبراً أن جزءاً كبيراً من الإيرادات النفطية تحول مباشرة إلى الإنفاق والاستهلاك بدلاً من المرور بمرحلة إنتاجية قادرة على بناء اقتصاد متنوع.
وأوضح أن تحويل الريع النفطي إلى رأس مال واستثمارات في الإنسان كان من شأنه أن يساعد على بناء قاعدة إنتاجية قادرة على خلق فرص العمل واستيعاب الأعداد المتزايدة من الشباب.
وأشار أطلوبة إلى أن المشكلة الأساسية تكمن في غياب هيكل إنتاجي متنوع يمكنه استيعاب الأعداد الكبيرة من الداخلين إلى سوق العمل، مؤكداً أن الاقتصاد الليبي لم ينجح في بناء قطاعات إنتاجية قادرة على توفير فرص عمل واسعة ومستدامة خارج القطاع العام.
وأضاف أن جزءاً كبيراً من المشكلة يعود أيضاً إلى النظام التعليمي الليبي، الذي وصفه بأنه مصمم بدرجة كبيرة لتخريج موظفين بدلاً من تخريج عمال وفنيين ومنتجين وأصحاب مهارات يحتاج إليها الاقتصاد.
وأوضح أن الجامعات والمؤسسات التعليمية تواصل تخريج أعداد كبيرة من حملة المؤهلات الجامعية في تخصصات لا يتناسب بعضها مع احتياجات سوق العمل، في الوقت الذي تحتاج فيه ليبيا بصورة أكبر إلى الفنيين وأصحاب المؤهلات المتوسطة والمهارات التطبيقية.
وأكد أطلوبة أن ليبيا تحتاج إلى إعادة هيكلة شاملة لمنظومة التعليم وربط مخرجاتها باحتياجات الاقتصاد، موضحاً أن استمرار تخريج أعداد كبيرة من الجامعيين في ظل محدودية الوظائف الحكومية سيزيد من حجم المشكلة.
وقال إن بعض خريجي التخصصات، ولا سيما في العلوم الإنسانية، يجدون صعوبة في الانتقال إلى وظائف فنية أو مهنية، الأمر الذي يفاقم الفجوة بين التعليم وسوق العمل ويحوّل البطالة بين الشباب إلى عبء اقتصادي واجتماعي.
وأشار إلى أن معالجة المشكلة تتطلب العمل على ثلاثة مستويات متوازية: إصلاح النظام التعليمي، وإعادة هيكلة الاقتصاد، وتغيير النظرة الاجتماعية إلى العمل المهني والإنتاجي.
وأوضح أن المجتمع يحتاج إلى إعادة الاعتبار إلى الأعمال الفنية والمهنية والإنتاجية، بدلاً من استمرار التركيز على الوظيفة الحكومية أو الأعمال التي يُنظر إليها باعتبارها أقل مكانة اجتماعياً.
وشدد أطلوبة على ضرورة تخفيف اعتماد الشباب على الدولة بوصفها المشغل الرئيسي، وفتح المجال بصورة أكبر أمام القطاع الخاص، بما يسمح بخلق فرص عمل جديدة وتنويع النشاط الاقتصادي.
وأكد أن بناء اقتصاد قادر على استيعاب الشباب يتطلب بيئة استثمارية وتمويلية مناسبة، إلى جانب تطوير التعليم وربط مخرجاته باحتياجات القطاعات الاقتصادية الفعلية.
وفي ما يتعلق بالتخطيط للمستقبل، أكد أطلوبة أن الدولة لا تستطيع وضع خطط اقتصادية واجتماعية دقيقة من دون معرفة ما سيحدث خلال السنوات المقبلة، مشيراً إلى أن أساس التخطيط هو القدرة على توقع الاحتياجات المستقبلية.
وأوضح أن الدولة تحتاج إلى بيانات وتقديرات تتعلق بنمو عدد السكان، وأعداد الخريجين، والتخصصات المتوقع تخرجها، وحجم الطلب على الوظائف، وأنواع المهن المطلوبة، واحتياجات السكن والمواصلات والخدمات.
وأضاف أن كلما امتدت الفترة التي تستطيع الدولة التنبؤ بها بصورة أكثر دقة، أصبحت الخطط أكثر قدرة على تجنب الانحرافات والاستجابة للاحتياجات الفعلية للمجتمع.
وتطرق أطلوبة إلى واقع الشباب الليبي الذين يهاجرون إلى أوروبا، مشيراً إلى أن الصورة التي يحملها بعض الشباب عن الحياة في الخارج لا تعكس دائماً حقيقة الظروف التي يواجهها المهاجر بعد الوصول.
وأوضح أن كثيراً من المهاجرين، ولا سيما الذين يعملون بصورة غير نظامية، قد يجدون أنفسهم مضطرين إلى العمل لساعات طويلة وبأجور منخفضة نسبياً، مؤكداً أن الحياة في أوروبا ليست بالسهولة التي يتصورها البعض.
وقال إن بعض المهاجرين يكتشفون بعد وصولهم أن عليهم العمل لساعات طويلة من أجل توفير متطلبات الحياة، في حين أن مستوى المعيشة الذي يمكن تحقيقه في ليبيا قد يكون أقل كلفة من بعض جوانب الحياة في أوروبا، رغم ما يواجهه الداخل الليبي من مشكلات أمنية وسياسية واقتصادية.
وفرّق أطلوبة بين فئتين رئيسيتين من المهاجرين الليبيين؛ الأولى تضم أصحاب المؤهلات العلمية، مثل الأطباء والمهندسين وأصحاب الشهادات العليا، الذين يهاجرون عادة للعمل في وظائف تتناسب مع تخصصاتهم ويندمجون في أسواق عمل أكثر تنظيماً ويحصلون على دخول وحقوق أفضل.
أما الفئة الثانية، فتضم من يهاجرون من دون مؤهلات أو عبر طرق غير نظامية، أو من يهاجرون أساساً هرباً من واقع يرونه غير مقبول، مشيراً إلى أن هؤلاء قد يصطدمون بواقع أكثر صعوبة، لأنهم يجدون أنفسهم مضطرين إلى العمل في وظائف كانوا يرغبون في تركها داخل ليبيا.
وتساءل أطلوبة عن جدوى ترك الشاب الليبي لبعض الأعمال التي يمكنه ممارستها داخل ليبيا، مثل العمل في المطاعم أو البناء أو الخدمات، ثم الهجرة إلى أوروبا لممارسة الأعمال نفسها في ظروف قد تكون أكثر مشقة وتكلفة.
وخلص إلى أن معالجة الهجرة لا ينبغي أن تقتصر على التعامل مع نتائجها، وإنما يجب أن تبدأ من إصلاح جذور المشكلة داخل ليبيا، عبر بناء اقتصاد منتج، وإعادة هيكلة التعليم، وتطوير آليات تمويل المشروعات، وربط الأجور بالإنتاجية، وتوسيع دور القطاع الخاص، وتحسين قدرة الدولة على التخطيط اعتماداً على بيانات دقيقة.
وأكد أن فهم ظاهرة الهجرة الليبية يحتاج قبل كل شيء إلى معلومات وإحصاءات موثوقة تكشف حجمها الحقيقي، وتركيبة المهاجرين، ودوافعهم، وتخصصاتهم، وأوضاعهم الاقتصادية والاجتماعية، حتى يمكن الانتقال من الانطباعات العامة إلى سياسات مبنية على أرقام وحقائق..









