المبروك: مخرجات “المهيكل” تفتقر للشرعية وتكرّس إدارة الأزمة بدل حلها

قال عضو الحوار المهيكل، صبري المبروك، إن الشعب الليبي ينبغي أن يقدّم قراراته على مخرجات الحوار، معتبرًا أن هذا المسار، وبالأخص ما يتعلق بالحوكمة، يعاني من ثغرات واعتراضات، أكثر من نقاط التوافق، وأنه لا يمكن التعامل معه باعتباره مرجعًا نهائيًا فوق الإرادة الوطنية.
وأضاف المبروك، في حديث لقناة “ليبيا الأحرار”، رصدته “الساعة 24″، أن أي حوار تديره بعثة الأمم المتحدة يشهد، بحسب وصفه، اختراقات من بعض موظفي البعثة، يسعون إلى توجيه النقاش وإدخال موضوعات لم تكن مطروحة أو لم يتم الاتفاق عليها داخل طاولة التفاوض، وهو ما اعتبره تدخلًا في طبيعة العملية السياسية وأهدافها.
وأوضح أن الحوار المهيكل ليس جنيف مصغّرًا ولا منصة لتقاسم السلطة، بل هو مسار أُنشئ من أجل إعادة بناء الدولة الليبية وتوحيد مؤسساتها والحكومة، وتهيئة الطريق نحو انتخابات دون إطالة المراحل الانتقالية، إلا أن الواقع – بحسب رأيه – اتجه إلى تكريس حالة انتقالية متكررة بدل الوصول إلى استقرار نهائي.
وفي سياق تقييمه للمسار السياسي منذ 2011، أشار المبروك، إلى أن بعض الأطراف كانت قد طرحت منذ البداية خيار المؤتمر التأسيسي كبديل، باعتباره الطريق الأنسب لوضع عقد اجتماعي جديد ودستور دائم، بدل الاعتماد على الإعلان الدستوري الذي وصفه بأنه غير كافٍ، والذي أدى لاحقًا إلى الدخول في اتفاق الصخيرات، الذي اعتبره مليئًا بالثغرات، ومنها مواد يمكن استغلالها في حالات الاختراق السياسي.
وتابع أن فشل هذا المسار أدى إلى تراكم أزمات سياسية متتالية، مرجعًا ذلك إلى غياب تأسيس دستوري حقيقي بعد 2011، وهو ما جعل البلاد، وفق تعبيره، تدور بين مسارات متعددة دون حسم نهائي.
وأشار المبروك، إلى أن ما يسمى بـ“مسار برلين” والتدخلات الدولية والإقليمية جعلت القرار الليبي مرتبطًا بتوازنات خارجية، حيث تشارك، بحسب قوله، عشر دول فاعلة وأعضاء في مجلس الأمن في التأثير على مجريات الملف الليبي، ما جعل مخرجات الحوار تتأثر بشكل مباشر بهذه التوازنات.
وانتقد المبروك، ما وصفه باستنساخ تجارب جنيف السابقة، معتبرًا أن أي مرحلة انتقالية جديدة قد تؤدي إلى إنتاج حكومات ومجالس رئاسية خارج البلاد، وهو ما يعني، بحسب وصفه، توليد أزمة جديدة بدل حلها.
كما تطرق إلى طرح يتعلق بالأقاليم التاريخية والاستناد إلى دستور 1951، محذرًا من أن هذا التوجه قد يُفهم على أنه تمهيد لنماذج حكم ذاتي أو فيدرالي، واصفًا ذلك بأنه يمس الأمن القومي الليبي ويمثل خطًا أحمر في نظره، مع التأكيد على أن ليبيا دولة واحدة غير قابلة للتقسيم وفق الدساتير السابقة.
وفي ملف آخر، أشار المبروك، إلى ما سماه إشكاليات في السجل المدني والقامة الوطنية، موضحًا أنه قبل 2011 كانت بعض الحالات لا تتجاوز 1200 في مناطق معينة، بينما وصلت اليوم إلى نحو 300 ألف، معتبرًا أن هذا التغير الكبير يحتاج إلى مراجعة دقيقة وتنظيم قانوني واضح.
وعن سبب عدم انسحابهم من الحوار في حال وجود تدخلات تمس السيادة، أوضح المبروك، أنه قدّم شخصيًا عدة مذكرات انسحاب منذ بداية المسار، إلا أن بعض الأعضاء فضّلوا الاستمرار لتجنب ما وصفه بـ“السياسة الخرساء”، قبل الوصول إلى المراحل النهائية من الحوار.
وأضاف أن البعثة الأممية أدرجت ملاحظات ضمن مسار الحوكمة لم تُعرض بشكل شفاف على جميع الأطراف، مشيرًا إلى أن بعضها تضمن توصيات بالاستعانة بخبراء دوليين وإحالة قواعد دستورية إلى مجلس الأمن، وهو ما اعتبره تدخلاً مباشرًا في السيادة الوطنية ومحاولة لتدويل القرار السياسي الليبي.
كما أوضح أن بعض هذه المخرجات قد تتحول لاحقًا إلى أعراف سياسية يتم الرجوع إليها، خصوصًا مع عرضها في إحاطات المبعوث الأممي أمام مجلس الأمن، ما يجعلها، بحسب رأيه، غير مجرد توصيات عابرة.
وانتقد المبروك، ما وصفه بـ“تراكم الأخطاء داخل عمل البعثة”، مشيرًا إلى أن بعض الموظفين فيها باقون منذ عام 2011، ما أدى إلى حالة من الجمود المؤسسي، لافتًا إلى وجود تقارير دولية تحدثت عن فساد ورشاوى داخل بعض مراحل العملية السياسية، بحسب تعبيره.
وفي سياق متصل، قال المبروك، إن البعثة الأممية تكسب الوقت عبر تمديد المسارات الحوارية، بينما يعيش المواطن الليبي أوضاعًا اقتصادية صعبة، معتبرًا أن ذلك يعكس محاولة لإعادة تموضع ليبيا ضمن صراعات إقليمية ودولية.
وتطرق المبروك، إلى التعديلات الدستورية الجارية بين مجلسي النواب والدولة، مشيرًا إلى أن العمل على التعديل الدستوري الرابع عشر أصبح جزءًا من المسار السياسي القائم، ما يعكس استمرار إعادة إنتاج نفس الأطر دون حسم جذري.
وفيما يتعلق بمسار المفوضية واللجان الاستشارية، أوضح المبروك، أن هذه المسارات استغرقت وقتًا طويلًا دون نتائج ملموسة، رغم أن توصياتها جاءت من شخصيات وصفها بالكفاءات، إلا أنها لم تكن ملزمة، وهو ما ساهم – بحسب رأيه – في إهدار الوقت السياسي.
كما أشار إلى أن بعض المقترحات الحالية تتجه نحو نموذج حكم تنفيذي برئيس واحد بدل نظام الرئاسة المتعددة، مع ربط بعض المناصب بتمثيل الأقاليم، مقارنة باتفاق الصخيرات الذي كان يعتمد على نواب متعددين للرئيس.
واعتبر المبروك، أن بعض المخرجات الحالية للحوار المهيكل قد لا تكون قابلة للتطبيق الكامل، خصوصًا في مسار الحوكمة، وأن الطرح الدولي يبدو أكثر قبولًا في بعض الجوانب. مؤكدا أنه لا يؤيد فرض حلول جاهزة أو “البولسة” السياسية، ويفضل الحل الليبي الخالص، لكنه يرى في الوقت ذاته أن بقاء بعض الأجسام الحالية أفضل من حدوث فراغ سياسي قد تستغله أطراف خارجية.
وفي ملف الحكم المحلي، شدد المبروك، على أن المطالبة به ليست جديدة، لكنها تحتاج إلى فهم دقيق حتى لا تُفهم على أنها تهديد لوحدة الدولة، موضحًا أن المقصود هو إنهاء المركزية المفرطة التي ساهمت، بحسب رأيه، في تفشي الفساد وضعف التنمية.
واقترح المبروك، نموذجًا يقوم على تقسيم إداري موسع يشمل ولايات أو محافظات بصلاحيات تشريعية وتنفيذية وميزانيات مستقلة، مع الاستفادة من تجارب سابقة مثل دستور 1963 أو النظام الإداري قبل 1977، مع تدرج إداري من ولاية إلى بلدية ثم محلة، بدل الاعتماد على مركزية القرار والإنفاق.
وأشار إلى أن مناطق ليبيا كافة – الشرق والغرب والجنوب – تعاني من إشكاليات التهميش وتفاوت التنمية، حيث تتركز الموارد في مناطق محددة، ما أدى إلى خلل سياسي واجتماعي واضح، داعيًا إلى توزيع عادل للثروة وفق عدد السكان والموقع الجغرافي.
وأضاف أن الحكومة المركزية تدير إنفاقًا ضخمًا قد يصل إلى نحو 200 مليار سنويًا، معتبرًا أن إعادة هيكلة النظام المالي عبر الحكم المحلي من شأنه تقليل الهدر وتحسين الخدمات وتقليص الفساد.
وحذر المبروك، في المقابل من أن بعض الطروحات المتعلقة بالأقاليم الثلاثة أو الحكم الفيدرالي قد تُفهم كمساس بوحدة ليبيا، مؤكدًا أن الدساتير الليبية السابقة، ومنها دستور 1963، نصت على أن ليبيا دولة واحدة غير قابلة للتقسيم.
واختتم المبروك، حديثه بالتأكيد على أن الحل يجب أن يكون ليبيًا خالصًا بعيدًا عن الوصاية الدولية، داعيًا إلى إنهاء المراحل الانتقالية المتكررة، وتبني مشروع وطني جامع يضمن الاستقرار، مع التأكيد على أن استمرار الانقسام السياسي قد يفتح الباب أمام مزيد من التدخلات الخارجية ويعمّق الأزمة بدل حلها.









