امطيريد: مخرجات الحوار المهيكل تعيد إنتاج مسارات فاشلة ومصيرها التهميش

أكد المحلل السياسي، محمد امطيريد، أن مخرجات الحوار المهيكل لم تنجح في معالجة الثغرات التي رافقت المسارات السياسية السابقة، وعلى رأسها اتفاق الصخيرات وحوار جنيف، معتبراً أن التوصيات المطروحة أعادت إنتاج الأدوات ذاتها التي أثبتت محدودية فعاليتها خلال السنوات الماضية، بدلاً من تقديم مقاربات جديدة تتواءم مع الواقع السياسي الراهن في ليبيا.
وأوضح امطيريد، خلال لقاء مع تلفزيون “المسار”، رصدته “الساعة 24″، أن بنية المخرجات الحالية لا تختلف جوهرياً عن التجارب السابقة، مشيراً إلى أن المشاركين في الحوار كان من المفترض أن يطرحوا رؤى جديدة تتجاوز الأطر التقليدية، إلا أن ما جرى هو العودة إلى المسارات نفسها التي بدأت منذ عام 2015 مروراً بجنيف، مع إعادة طرح توصيات مشابهة باعتبارها خارطة طريق للبعثة الأممية خلال المرحلة المقبلة.
وأضاف أن التجارب السابقة أظهرت محدودية جدواها، لافتاً إلى أن مجلسي النواب والدولة لم يتمكنا طوال السنوات الماضية من تحقيق توافقات حقيقية حول القضايا السياسية الأساسية.
وتابع أن مخرجات جنيف أفضت إلى تشكيل حكومة الوحدة المؤقتة، التي كان من المفترض أن تقود البلاد إلى انتخابات 24 ديسمبر 2021، غير أن هذا الاستحقاق لم يتحقق، كما أن لجنة الحوار السياسي المعروفة بـ”لجنة الـ75” لم تتمكن من تقديم حلول نهائية للأزمة، لتضاف تلك التجربة إلى سلسلة المسارات غير المكتملة.
وفي المقابل، أبدى امطيريد، دعمه لبعض الطروحات التي ظهرت خلال الفترة الماضية، ومن بينها فكرة لجنة “4+4” التي أعلن عنها في فبراير الماضي، معتبراً أن التعامل المباشر مع القوى الفاعلة والمؤثرة على الأرض يمثل توجهاً أكثر واقعية من العودة إلى مسارات سبق اختبارها دون نتائج ملموسة.
ورأى أن المطلوب في المرحلة الحالية هو حوار يتماشى مع المعطيات القائمة وموازين القوى الفعلية، بدلاً من إعادة تدوير مسارات سياسية لم تنتج حلولاً مستدامة، معتبراً أن العودة المتكررة إلى اتفاقات الصخيرات وجنيف تعكس غياب رؤية جديدة لمعالجة جوهر الأزمة الليبية.
ورداً على الطرح القائل إن الاتفاقات السابقة لا تزال تمثل المرجعية القانونية والسياسية للدولة، شدد امطيريد، على أن تلك التفاهمات جاءت نتيجة توافقات بين أطراف متنازعة وبرعاية دولية، ولم تكن تعبيراً عن توافق وطنية شامل، موضحاً أن جميع الجولات التي انعقدت في الصخيرات وبوزنيقة وجنيف وتونس استهدفت الوصول إلى توافق سياسي يقود إلى الانتخابات، إلا أن مخرجاتها النهائية لم تحقق هذا الهدف.
وأشار امطيريد، إلى أن المهيكل طرح سلسلة من الخطوات تبدأ بتشكيل لجنة مشتركة بين مجلسي النواب والدولة لمدة 45 يوماً، وفي حال تعثرها يتم الانتقال إلى تشكيل لجنة حوار دولية على غرار لجنة الـ75، ثم البحث في تشكيل مجلس وحكومة جديدين وإعادة تقييم المسار خلال فترات زمنية محددة.
ورغم اعتباره أن هذه الخطوات تمثل محاولة للانطلاق من جديد، فإنه رأى أنها تفتقر إلى الواقعية السياسية في ظل تعدد المبادرات المطروحة حالياً، سواء تلك المرتبطة بالحوار المهيكل أو لجنة “4+4” أو المبادرة الأمريكية، متسائلاً عن المرجعية الفعلية التي ستُعتمد لإدارة المرحلة المقبلة.
ورأى امطيريد، أن الحوار المهيكل كان من الأجدر أن يركز على التواصل المباشر مع الأطراف صاحبة القرار والنفوذ في شرق البلاد وغربها، باعتبار أن أي تسوية حقيقية تتطلب إشراك القوى المؤثرة بشكل مباشر، بدلاً من الاكتفاء بإعادة إنتاج مسارات سبق أن أخفقت في إنهاء الأزمة.
وفي سياق متصل، أعرب امطيريد، عن تشككه في إمكانية تنفيذ مخرجات الحوار المهيكل على أرض الواقع، رغم إقراره بأن بعض المقترحات الواردة في المسودة تتضمن أفكاراً يمكن أن تسهم في معالجة عدد من جوانب الأزمة الليبية، مؤكداً أن المشكلة الأساسية تكمن في تنفيذ التوصيات.
وأوضح أن بعض البنود التي تضمنتها المسودة استوقفت اهتمامه، خاصة ما يتعلق بتوسيع صلاحيات المجلس الرئاسي ومنحه اختصاصات أوسع في الملفات السيادية، معتبراً أن وجود قيادة موحدة بصلاحيات واضحة خلال المرحلة الانتقالية قد يسهم في معالجة عدد من الإشكاليات، لا سيما ما يتعلق بصفة القائد الأعلى للجيش وإدارة الملفات المرتبطة بأمن الحدود.
وفي الوقت نفسه، شدد امطيريد، على ضرورة قراءة هذه المقترحات في ضوء الواقع السياسي القائم، موضحاً أن منح صلاحيات واسعة لجهة واحدة قد يبدو منطقياً من الناحية النظرية، لكنه يحتاج إلى بيئة سياسية ومؤسساتية قادرة على ضمان تطبيقه عملياً.
وأضاف أن ما أثار تساؤلاته هو أن المسودة بدأت بالحديث عن أدوار مجلسي النواب والدولة واللجان المنبثقة عنهما، ثم انتقلت لاحقاً إلى طرح مجلس سياسي بصلاحيات واسعة تتجاوز عملياً أدوار المجلسين، وهو ما يثير تساؤلات حول طبيعة العلاقة بين المؤسسات القائمة والهيكل الجديد المقترح.
واعتبر امطيريد، أن جوهر الأزمة الليبية يتمثل في استمرار الاعتماد على اللجان والمسارات الانتقالية المتكررة، متسائلاً عن جدوى إنشاء لجان جديدة كلما تعثر تنفيذ استحقاق سياسي أو مؤسسي، في وقت لم تتمكن فيه اللجان السابقة من تحقيق النتائج المرجوة.
ولفت إلى أن ليبيا ما زالت تدور في فلك المسارات ذاتها منذ سنوات، بدءاً من اتفاق الصخيرات مروراً بجنيف وما تبعهما من أجسام انتقالية ومبادرات سياسية، دون الوصول إلى الانتخابات التي يفترض أن تمثل الهدف النهائي لكل هذه الترتيبات.
كما تساءل امطيريد، عن مصير اللجان التي أنشئت سابقاً لمتابعة تنفيذ الاتفاقات السياسية، مشيراً إلى أن العديد منها انتهى إلى مجرد توصيات لم تجد طريقها إلى التطبيق، الأمر الذي يثير مخاوف من تكرار السيناريو نفسه مع مخرجات الحوار المهيكل.
وأشار إلى أن المقترحات المطروحة تتضمن آليات تسمح بنقل بعض الصلاحيات من مجلسي النواب والدولة، إلى المجلس الرئاسي أو إلى لجان أخرى في حال تعثر التنفيذ، معتبراً أن ذلك قد يؤدي إلى دورة جديدة من إعادة تدوير الأجسام واللجان بدلاً من معالجة جذور الأزمة.
وتوقف امطيريد، عند مواقف الأطراف المسيطرة على المشهد السياسي، متسائلاً عن مدى استعداد حكومة الوحدة المؤقتة والقوى الفاعلة في غرب البلاد للقبول بهذه المخرجات، خاصة في ظل استمرار الحكومة الحالية في أداء مهامها وسعي بعض الأطراف إلى الاحتفاظ بمواقعها ضمن ترتيبات المرحلة المقبلة.
ورأى أن أي مسار سياسي جديد لا يمكن أن ينجح دون الأخذ في الاعتبار موازين القوى الفعلية ومواقف الجهات المؤثرة على الأرض، لأن نجاح المبادرات يرتبط بمدى التزام الأطراف الرئيسية بها وقبولها لمخرجاتها.
كما أشار امطيريد، إلى أن عدداً من الملفات التي تناولتها توصيات الحوار المهيكل شهدت بالفعل خطوات عملية خلال السنوات الأخيرة، من بينها الترتيبات الأمنية والتنسيق بين المؤسسات العسكرية في الشرق والغرب، فضلاً عن التفاهمات المتعلقة بالميزانية الموحدة والاتفاقات المالية التي تم التوصل إليها في لقاءات سابقة.
ورأى أن هذه الإنجازات كان ينبغي أن تحظى بحضور أكبر داخل مخرجات الحوار وأن يتم البناء عليها وتطويرها، بدلاً من إطلاق مسارات جديدة قد تستغرق وقتاً طويلاً قبل الوصول إلى مرحلة التنفيذ.
وشدد امطيريد، على أن الإشكالية الأساسية لا تكمن في مضمون مسودة الحوار المهيكل، بل في الكيفية التي يمكن من خلالها تحويل هذه المخرجات إلى خطوات عملية ملموسة، معتبراً أن الظروف الحالية والأدوات المقترحة لا توفر ضمانات كافية لتحقيق ذلك.
وفي تقييمه لمستقبل هذه المخرجات، رجّح امطيريد، أن يذهب الجزء الأكبر منها إلى التهميش خلال المرحلة المقبلة، معتبراً أن البعثة الأممية ستتعامل معها بوصفها توصيات استشارية يمكن الاستفادة من بعض عناصرها فقط، بينما سيركز العمل السياسي الفعلي على ملفات محددة تتعلق بإعادة تشكيل المجلس الرئاسي وتوحيد السلطة التنفيذية بين الشرق والغرب.
وأوضح أن لجنة الحوار المهيكل وضعت أمام البعثة الأممية حزمة واسعة من المقترحات المتعلقة بتوزيع الثروة والتنمية وصلاحيات المؤسسات وآليات الوصول إلى الانتخابات ومدة ولاية السلطة التنفيذية المقبلة، إلى جانب مقترحات تنص على تعهدات كتابية من المسؤولين الذين سيتولون المناصب التنفيذية بعدم الترشح في الانتخابات اللاحقة.
ورأى امطيريد، أن المبعوثة الأممية، هانا تيتيه، ستعرض هذه التوصيات أمام مجلس الأمن خلال إحاطتها المقبلة، لكنه استبعد أن يتم تبني جميع المخرجات بصورة مباشرة، مرجحاً الاكتفاء بعرض عام لها مع التركيز على القضايا التي تحظى بإجماع ودعم أكبر.
وأضاف أن البعثة ستناقش المخرجات مع اللجنة المصغرة والأجسام السياسية المختلفة في شرق البلاد وغربها، إلا أن الإشكالية الرئيسية ستبقى مرتبطة بآليات التنفيذ، متوقعاً أن تواجه هذه الآليات اعتراضات قد تدفع إلى إعادة النظر فيها مجدداً.
وأكد امطيريد، أن المرحلة المقبلة ستشهد، نقل بعض الاختصاصات من الحوار المهيكل إلى اللجنة المصغرة بما يسمح بإعادة ترتيب الأولويات السياسية والتركيز على ملفات محددة، وهو ما سيؤدي عملياً إلى تجاوز جزء كبير من التوصيات الحالية.
وتوقع أن ينصب الاهتمام الدولي على مسألتين أساسيتين هما إعادة هيكلة المجلس الرئاسي وتشكيل حكومة موحدة أو مدمجة بين الشرق والغرب، بينما ستبقى بقية المقترحات في إطار الأفكار غير المفعلة.
كما أشار امطيريد، إلى أن البعثة الأممية تتعامل بصورة أساسية مع الأطراف السياسية والعسكرية الأكثر نفوذاً على الأرض، وهو النهج ذاته الذي تتبعه الولايات المتحدة في مقاربتها للملف الليبي، موضحاً أن التحركات الأمريكية الأخيرة سرعت من وتيرة بعض المسارات السياسية وأثرت بشكل مباشر على عمل البعثة الأممية.
وأضاف أن البعثة وجدت نفسها أمام واقع سياسي جديد فرضته التحركات الدولية، ما دفعها إلى إنهاء أعمال الحوار المهيكل والانتقال إلى مرحلة الاستفادة الانتقائية من توصياته، على غرار ما حدث مع لجان استشارية سابقة قُدمت فيها مقترحات عديدة لم يُعمل إلا بجزء محدود منها.
وفي هذا السياق، رجّح امطيريد، أن يتم الأخذ ببعض الأفكار المتعلقة بإعادة هيكلة المجلس الرئاسي، بما في ذلك تقليص عدد نواب الرئيس وتسمية نائب واحد بالتوافق بين الأطراف الرئيسية، إلى جانب المضي نحو حكومة موحدة تمثل أولوية لدى الأطراف الدولية المنخرطة في الملف الليبي.
ورأى أن تنفيذ هذه الخطوات قد يتم عبر ضغوط دولية مباشرة أو من خلال تفاهمات تُبنى على التحركات الأمريكية الجارية، معتبراً أن هذه المعطيات ستكون الأكثر تأثيراً في تحديد شكل المرحلة المقبلة.
واعتبر امطيريد، أن المبادرة الأمريكية بقيادة مسعد بولس، تمتلك فرصاً أكبر لتحقيق نتائج ملموسة، لأنها تعتمد على التواصل المباشر مع القوى الفاعلة على الأرض، بخلاف المسارات التقليدية التي اعتمدت على الحوارات واللجان السياسية المطولة دون أن تتمكن من إنهاء الأزمة.
وختم امطيريد، بالتأكيد على أن الأزمة الليبية تتجه نحو مقاربة سياسية مختلفة عن المسارات السابقة، مرجحاً أن تكون المبادرة الأمريكية صاحبة التأثير الأكبر في رسم ملامح المرحلة المقبلة، فيما ستظل مخرجات الحوار المهيكل حاضرة في حدود معينة دون أن تتحول إلى الإطار الرئيسي للحل السياسي المنتظر.









