الديباني: توافقات لجنة «4+4» إحباط لمحاولات عرقلة المسار السياسي

قال المحلل السياسي عبدالله الديباني إن استمرار اجتماعات لجنة «4+4» والتوافقات التي توصلت إليها، ولا سيما بشأن آلية اختيار رئيس المفوضية الوطنية العليا للانتخابات، يمثل نجاحاً أولياً في مواجهة الشائعات والمحاولات الرامية إلى إفشال التوافق السياسي أو عرقلة انتقاله إلى مرحلة التنفيذ، معتبراً أن ما تحقق داخل اللجنة يعكس جدية الأطراف المشاركة في مواصلة النقاشات والمساعي الرامية إلى معالجة الملفات الخلافية.
وأوضح الديباني، في لقائه مع قناة «المسار»، رصدته “الساعة24″، أن الاجتماع الثامن للجنة يؤكد تجاوز عدد من العراقيل التي كانت تعترض طريق التوافق، مشيراً إلى أن الاتفاق بشأن اختيار رئيس المفوضية جاء بعيداً عن الصراع على النفوذ والمحاصصة السياسية الضيقة، واستند إلى معايير الكفاءة والشروط الموضوعية التي تتناسب مع طبيعة عمل المفوضية ودورها في الإشراف على المسار الانتخابي، سواء على المستوى المحلي أو في الانتخابات العامة الرئاسية والبرلمانية.
وأضاف أن استمرار اجتماعات اللجنة وما يصدر عنها من تفاهمات يمثل بحد ذاته مؤشراً إيجابياً على إمكانية استدامة التوافق، لافتاً إلى أن البيانات والمواقف الصادرة عن البعثة الأممية أظهرت جدية الأطراف في مواصلة اجتماعاتها بمسؤولية، ومن دون انسحابات أو عرقلة، وهو ما اعتبره دليلاً على وجود شريك وطني يمكن التوصل معه إلى تفاهمات بشأن القضايا العالقة.
وأعرب الديباني عن أمله في أن يقود التوافق حول المفوضية إلى إنهاء الإشكالية المتعلقة بتشكيلها، والانتقال بعد ذلك إلى ملفات أوسع، وفي مقدمتها توحيد السلطة التنفيذية والمؤسسات الحكومية، معتبراً أن استمرار الانقسام التنفيذي والسياسي أسهم في تعميق الأزمات القائمة داخل البلاد.
وفي هذا السياق، أشار إلى أن المواطن الليبي بات يواجه تداعيات مباشرة للأزمة السياسية، من خلال تراجع الاستقرار المجتمعي، وانتشار تشكيلات غير المسؤولة، إلى جانب تفاقم الفساد والأزمات المرتبطة بالكهرباء والمياه وغيرها من الملفات الخدمية، مؤكداً أن الأولوية بالنسبة للمواطن تتمثل في تحقيق الاستقرار وتحسين ظروف الحياة، وليس فقط في الدخول في نقاشات متواصلة حول آليات اختيار رئيس المفوضية أو موعد الانتخابات.
ورأى الديباني أن قضية اختيار رئيس المفوضية الوطنية العليا للانتخابات لا ينبغي أن تتحول إلى «العقدة الرئيسية» في المشهد السياسي الليبي، متسائلاً عن أسباب التركيز الكبير عليها، وما إذا كانت بالفعل تمثل العقبة التي تحول دون حل بقية الملفات.
وبيّن أن المفوضية لم تكن في السابق تمثل إشكالية بهذا الحجم، بل كانت تحظى بدعم البعثة الأممية، خصوصاً خلال مراحل تنظيم الانتخابات البلدية، موضحاً أن الخلاف بدأ عندما ظهرت شواغر في عضوية مجلس إدارة المفوضية، حيث طُرحت مقترحات لاستكمال هذه الشواغر أمام مجلسي النواب والدولة.
وأضاف أن مجلس الدولة ومجلس النواب تأخرا لسنوات في معالجة هذه الشواغر، قبل أن يتطور الخلاف إلى مطالبة مجلس الدولة بتغيير مجلس إدارة المفوضية بالكامل، بينما كانت المسألة في بدايتها مرتبطة باستكمال المقاعد الشاغرة، خاصة تلك التي ترتبط بمناطق برقة وفزان.
وأكد الديباني أن هذه التطورات جعلت ملف المفوضية أكثر أهمية في المرحلة الراهنة، خصوصاً مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية، مشدداً على ضرورة أن تكون المفوضية بعيدة عن التجاذبات السياسية وألا تتحول إلى جزء من الصراع بين المؤسسات والأطراف السياسية.
وفي معرض رده على ما طرحه المستشار والباحث في شؤون الأمن القومي رمزي الرميح، بشأن ضرورة احترام مبدأ الفصل بين السلطات وعدم تجاوز الاختصاصات القانونية لمجلس النواب ومجلس الدولة، قال الديباني إنه يتفق مع بعض ما طرحه، لكنه يختلف معه في مجمل الرؤية، مؤكداً أن البعثة الأممية لم تكن في البداية صاحبة المبادرة لتغيير مجلس إدارة المفوضية، وإنما كانت تدفع باتجاه استكمال الشواغر القائمة.
وأشار إلى أن مجلسي الدولة والنواب تجاهلا ملف الشواغر لسنوات طويلة، معتبراً أن الخلاف بينهما ظل عاملاً رئيسياً في تعطيل معالجة الملف، وأن الصراع بين المؤسسات السياسية انعكس بصورة مباشرة على المسار الانتخابي.
وتساءل الديباني عن البدائل المطروحة أمام الليبيين إذا تم رفض المبادرات والتحركات القائمة، قائلاً إن من يرفض مجلس النواب ومجلس الدولة والمبادرة الأمريكية وغيرها من المسارات مطالب بتقديم مبادرة بديلة ومشروع واضح لمعالجة الأزمات الليبية، سواء السياسية أو الاقتصادية أو الاجتماعية.
وانتقد في الوقت نفسه أداء الأحزاب والنخب السياسية، متسائلاً عما إذا كانت هذه القوى قد قدمت مشاريع عملية قادرة على الوصول إلى الشارع الليبي والضغط على المؤسسات السياسية من أجل التوافق، أو طرحت حلولاً واضحة للأزمات المتراكمة التي تعاني منها البلاد.
وفيما يتعلق بالمبادرة الأمريكية، رفض الديباني التعامل معها باعتبارها تدخلاً خارجياً ينبغي رفضه بصورة مطلقة، معتبراً أن الواقع الليبي يفرض التعامل مع المبادرات المطروحة وفقاً لما يمكن أن تقدمه من حلول عملية، لا وفقاً لمصدرها فقط.
وأكد أن المبادرة الأمريكية، من وجهة نظره، تتعامل مع ثلاث أزمات رئيسية في ليبيا، تتمثل في الأزمة السيادية، والأزمة الاقتصادية، والأزمة العسكرية والأمنية، مشيراً إلى أن الجانب الاقتصادي شهد خطوات مرتبطة بتوزيع الإيرادات والشفافية في التعامل مع الموارد، إلى جانب إجراءات تتعلق بمصرف ليبيا المركزي والاعتمادات والسيولة وسوق العملات.
كما أشار إلى وجود تحركات باتجاه توحيد المؤسسة العسكرية بين شرق البلاد وغربها، من خلال تشكيل قوة مشتركة تتولى حماية الحدود ومواجهة الهجرة غير النظامية والجريمة المنظمة، إلى جانب تأمين المنشآت والمناطق الحيوية، معتبراً أن هذه التطورات تمثل مؤشرات على وجود مسار عملي يمكن البناء عليه.
ورأى أن المرحلة الحالية تتطلب التركيز على توحيد المؤسسات التنفيذية والعسكرية والأمنية، بدلاً من الاكتفاء بإدارة الخلافات السياسية، مؤكداً أن المبادرة الأمريكية تتجه إلى مرحلة انتقالية تهدف إلى إعداد الظروف المناسبة لإجراء انتخابات برلمانية، وتوحيد المؤسسات، ودعم الاستقرار الأمني والاقتصادي.
واستشهد الديباني بعدد من التجارب الدولية التي قال إنها أظهرت قدرة المبادرات الأمريكية على لعب دور حاسم في إنهاء أزمات معقدة، مستحضراً تجربة البوسنة والهرسك واتفاق دايتون، معتبراً أن نجاح المبادرات لا يرتبط دائماً بمدى قبولها من جانب جميع النخب، وإنما بقدرتها على التعامل مع القوى الفاعلة على الأرض والوصول إلى تسوية قابلة للتنفيذ.
وأشار إلى أن اتفاق الصخيرات، رغم أهميته، لم ينجح في إنهاء الانقسام الليبي بصورة نهائية، معتبراً أن المشكلة الأساسية في ليبيا لا تكمن فقط في نقص المبادرات، وإنما في غياب القدرة على تنفيذ الاتفاقات والتفاهمات التي يتم التوصل إليها.
وفي السياق ذاته، رفض الديباني تحويل النقاش حول المبادرة الأمريكية إلى خلافات شخصية أو اتهامات متبادلة، مؤكداً أنه ينطلق في تقييمه من الواقع السياسي الليبي وليس من الاصطفاف مع أي طرف خارجي، ومشدداً على ضرورة التعامل مع التطورات القائمة بواقعية.
كما استعرض ما قال إنه مضمون مشروع «استقرار ليبيا» الذي أقره مجلس النواب الأمريكي عام 2021، مشيراً إلى أنه يتضمن التأكيد على وحدة الأراضي الليبية واستقرارها، ورفض أي مسار يؤدي إلى تقسيم البلاد أو إنشاء حكومات موازية، إلى جانب فرض إجراءات ضد من يهددون السلام والاستقرار أو ينهبون الموارد والثروات الليبية أو يرتكبون انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان.
وأضاف أن المشروع الأمريكي يتضمن كذلك الدفع نحو توحيد المؤسسات الليبية، ومنها مصرف ليبيا المركزي والمؤسسات المالية والحكومية، باعتبار أن الانقسام المؤسسي أحد عوامل عدم الاستقرار، إلى جانب دعم إجراء انتخابات حرة وذات مصداقية، ودعم بناء مؤسسات ديمقراطية ومؤسسات المجتمع المدني، وكذلك توحيد المؤسسة العسكرية.
وفي رده على الجدل المتعلق بآلية اختيار مجلس إدارة المفوضية الوطنية العليا للانتخابات، أكد الديباني أن دور اللجنة يمكن أن ينحصر في اختيار أو ترشيح الأسماء وفق معايير محددة، على أن تكون الكلمة النهائية لمجلس النواب بالتوافق مع مجلس الدولة، بما يحافظ على الإطار القانوني للاختصاصات.
واعتبر أن التوافقات التي حققتها لجنة «4+4» تستحق النظر بإيجابية، داعياً إلى البناء عليها وعدم تجاهلها، خصوصاً في ظل الحاجة إلى تحريك المياه الراكدة في المسار السياسي الليبي.
وفي ختام حديثه، شدد الديباني على أن إحاطة البعثة الأممية المرتقبة أمام مجلس الأمن تتزامن مع التطورات التي شهدتها لجنة «4+4»، معتبراً أن ما تحقق داخل اللجنة يمكن أن يشكل أساساً للبناء على بقية مسارات المبادرة الأمريكية، بما في ذلك ما يتعلق بالتعاون العسكري والأمني وتوحيد المؤسسات، مؤكداً أن المرحلة الراهنة تتطلب جمع المبادرات والمسارات المختلفة ضمن إطار عملي يقود إلى الاستقرار، بدلاً من إبقاء البلاد في دائرة الانقسام والتجاذبات السياسية.









