الفارسي: ليبيا يجب أن تبقى دولة عبور وليست دولة توطين للمهاجرين

قال أستاذ العلوم السياسية والخبير في قضايا المهاجرين، يوسف الفارسي، إن ملف الهجرة غير النظامية أصبح من أكثر الملفات تعقيداً وخطورة، محذراً من تداعيات استمرار السياسات الأوروبية الداعمة للتعامل مع ليبيا باعتبارها دولة عبور واستقبال للمهاجرين.
وأوضح الفارسي في حديث لقناة “ليبيا الحدث”، رصدته “الساعة 24″، أن الموقع الجغرافي لليبيا، باعتبارها بوابة رئيسية نحو جنوب أوروبا، جعلها محوراً للسياسات الأوروبية المتعلقة بالهجرة، مشيراً إلى أن هذه السياسات تثير تساؤلات قانونية وحقوقية متزايدة، خصوصاً في ظل ما وصفه بالانتهاكات التي يتعرض لها المهاجرون داخل الأراضي الليبية.
وأضاف أن ليبيا تحولت خلال السنوات الماضية إلى نقطة رئيسية في مسارات الهجرة القادمة من دول أفريقية عدة، الأمر الذي أدى إلى تفاقم تحديات أمنية وإنسانية واجتماعية، لافتاً إلى أن استمرار تدفق أعداد كبيرة من المهاجرين، في ظل ضعف مؤسسات الدولة والانقسام السياسي والأمني، جعل معالجة الملف أكثر صعوبة.
وأشار الفارسي، إلى أن بعض المناطق، ولا سيما في غرب البلاد، تشهد أوضاعاً أمنية معقدة مرتبطة بملف الهجرة، معتبراً أن انتشار شبكات الاتجار بالبشر والتهريب والاستغلال والابتزاز يمثل أحد أخطر جوانب الأزمة.
وتحدث عن تقارير وشكاوى تتعلق باستغلال بعض المهاجرين وابتزازهم مالياً، بما في ذلك مطالبة أسرهم بدفع أموال مقابل إطلاق سراحهم، محذراً من أن تحول مراكز الإيواء إلى أماكن تُرتكب فيها مثل هذه الممارسات يمثل تطوراً بالغ الخطورة ويستوجب التحقيق والمساءلة.
وفيما يتعلق بالدعم الأوروبي للسياسات المرتبطة بملف الهجرة، تساءل الفارسي، عن جدوى استمرار تمويل بعض البرامج في ليبيا، في ظل الانتقادات المتعلقة بأوضاع المهاجرين والانتهاكات التي قد يتعرضون لها، معتبراً أن معالجة الظاهرة لا يمكن أن تقوم فقط على منع المهاجرين من الوصول إلى أوروبا أو إعادتهم إلى ليبيا.
وأكد أن الدول الأوروبية تدرك خطورة ملف الهجرة بالنسبة إلى ليبيا والمنطقة المتوسطية، لكنها، بحسب رأيه، تواصل التعامل معه من منظور أمني يركز على الحد من تدفقات المهاجرين باتجاه أوروبا، بدلاً من معالجة جذور الظاهرة وأسبابها الاقتصادية والاجتماعية والأمنية في دول المصدر.
وحذر الفارسي، من أن الدفع باتجاه اعتبار ليبيا دولة ثالثة لاستقبال المهاجرين أو توطينهم فيها ستكون له انعكاسات خطيرة على البلاد، مؤكداً أن ليبيا يجب أن تبقى دولة عبور وليست دولة توطين للمهاجرين.
وقال إن تحويل ليبيا إلى بلد لاستقرار أعداد كبيرة من المهاجرين سيزيد الضغوط على مؤسسات الدولة والمجتمع، خصوصاً في ظل الانقسام السياسي والأمني وضعف قدرة السلطات على السيطرة على كامل الأراضي الليبية.
وأضاف أن أي محاولة لفرض هذا التوجه على ليبيا مرفوضة، باعتبار أن قضية توطين المهاجرين ترتبط بشكل مباشر بالأمن القومي والسيادة الليبية، مشدداً على ضرورة أن يكون التعامل مع الملف قائماً على التوافق واحترام القوانين والسيادة الوطنية.
وأشار إلى أن رفض توطين المهاجرين في ليبيا ليس موقفاً جديداً، مؤكداً أن المجتمع الليبي سبق أن عبّر عن رفضه لمثل هذه التوجهات، وأن أي محاولة لفرضها ستواجه برفض شعبي واسع.
وعن الجانب القانوني، أوضح الفارسي، أن التشريعات الليبية تميز بين الدخول القانوني إلى البلاد والدخول عبر طرق غير نظامية، مشيراً إلى أن دخول الأجانب إلى ليبيا بصورة قانونية ووفق الإجراءات المعتمدة لا يمثل مشكلة من حيث المبدأ.
أما الدخول عبر طرق غير نظامية، ولا سيما عبر البحر، فإنه يخضع للقوانين الليبية، ويترتب عليه التعامل مع المخالفات وفق الأطر القانونية المعمول بها، بحسب الفارسي.
كما شدد الفارسي، على أن معالجة ملف الهجرة تحتاج إلى مؤسسات دولة قوية وقادرة على تطبيق القانون، معتبراً أن حالة الانقسام والفوضى الأمنية تمثل أحد أبرز العوامل التي سمحت باستمرار نشاط شبكات التهريب والاتجار بالبشر.
واعتبر الفارسي، أن ضعف قدرة السلطات على فرض القانون في بعض مناطق غرب ليبيا ساهم في تمدد شبكات مرتبطة بملفات الهجرة والتهريب والجريمة المنظمة، مؤكداً أن مواجهة هذه الظاهرة تتطلب مؤسسات أمنية وعسكرية موحدة وقادرة على بسط سيطرتها على كامل الأراضي الليبية.
وأضاف أن معالجة ملف الهجرة لا ينبغي أن تقتصر على الجانب الأمني، بل يجب أن تشمل مكافحة الاتجار بالبشر والتهريب والاستغلال والابتزاز، إلى جانب معالجة الأوضاع داخل مراكز الإيواء وضمان احترام حقوق المهاجرين.
وختم الفارسي، بالتأكيد على أن ملف الهجرة أصبح قضية إقليمية ودولية تتطلب تعاوناً حقيقياً بين ليبيا والاتحاد الأوروبي ودول المصدر والعبور، مع ضرورة ألا تتحول ليبيا إلى حلقة تتحمل وحدها أعباء الأزمة، أو إلى مكان لتوطين أعداد كبيرة من المهاجرين دون توافق ليبي وضمانات قانونية وإنسانية واضحة.









