الدينالي: التوافق على آلية تعيين رئيس جديد للمفوضية خطوة إيجابية

قال المحلل السياسي سعد الدينالي إن التوافق على آلية تعيين رئيس جديد للمفوضية الوطنية العليا للانتخابات يمثل خطوة إيجابية، معرباً عن أمله في أن يتم تطبيقها فعلياً على أرض الواقع، بعد أشهر من المفاوضات وتعثر الاتفاق السابق بشأن تعيين رئيس المفوضية.
وأوضح الدينالي، في تصريحات لقناة «الوسط»، أن الآمال معلقة على اللجنة المصغرة، التي اعتبر أن لقاءاتها قد تكون أكثر جدوى من الاجتماعات الموسعة بين مجلسي النواب والدولة، والتي لم تنتج، بحسب تقديره، نتائج إيجابية ملموسة على أرض الواقع، مشيراً إلى أن اللجنة المصغرة واجهت بدورها عراقيل حقيقية، ما أدى إلى عقد عدد من الجلسات التفاوضية والتشاورية بهدف إيجاد حلول للمشكلات المطروحة أمامها.
واشار إلى أن التوصل إلى طريقة أو آلية لاختيار رئيس المفوضية يمثل أمراً إيجابياً يمكن البناء عليه، رغم أن البعثة الأممية لم تكشف في بيانها عن تفاصيل هذه الآلية أو طريقة الاختيار، معرباً عن أمله في نجاح الخطوة والوصول إلى حل لإحدى العقد المطروحة أمام لجنة «4+4».
ورأى الدينالي أن المشكلات الأخرى تظل أكثر تعقيداً، وفي مقدمتها القوانين الانتخابية، ولا سيما ما يتعلق بالانتخابات الرئاسية، وترتيب إجراء الانتخابات الرئاسية والبرلمانية، أو إجرائهما بالتزامن، موضحاً أن هذه الملفات تحتاج إلى كثير من التنازلات والتفاهمات حتى يتمكن المسار السياسي من الانتقال إلى مراحل الإعداد والاستعداد للعملية الانتخابية، سواء للانتخابات التشريعية أو الرئاسية.
وقال إن الليبيين يعولون كثيراً على جهود البعثة الأممية، رغم العراقيل الموجودة، محذراً في الوقت ذاته من أن ليبيا لم يعد لديها الكثير من الوقت، ولا مساحة كافية للمناورة والمناكفات السياسية، باعتبار أن البلاد باتت، بحسب تقديره، على شفير الهاوية، في ظل الانقسام السياسي والتناحر القائم، إلى جانب تغول جهات وصفها بالفاسدة في أركان الدولة.
وشدد على أن إيجاد عملية توافقية تفضي إلى مرحلة مستقرة بات أمراً ملحاً، بما يسمح بإعادة بناء أركان الدولة وإيجاد أرضية متينة وحقيقية يمكن من خلالها ضمان عدم انهيارها، محذراً من أن استمرار الوضع الراهن قد يقود الجميع إلى خانة الخاسرين.
كما انتقد الدينالي التكتم على تفاصيل النقاشات الجارية وعدم الإعلان عن نتائج أو مخرجات رسمية، خصوصاً ما يتعلق بآلية اختيار رئيس جديد للمفوضية، معتبراً أن ذلك أبقى الباب مفتوحاً أمام تساؤلات بشأن مدى تحقيق اختراق حقيقي في هذا الملف، وقدرة الأطراف على تجاوز خلافاتها حول الإطار القانوني المنظم للانتخابات.
وأوضح أن غياب الشفافية يمثل مشكلة متكررة، سواء من جانب البعثة الأممية أو الأطراف الليبية المشاركة في المفاوضات والحوارات الجارية، مرجحاً أن يكون التكتم هدفه تقليل ردود الفعل من الأطراف السياسية غير الراغبة في دفع العملية السياسية إلى الأمام، ومنع وصول المعلومات إليها حتى لا تستغلها في عرقلة ما يجري من حوارات.
وأكد أن الليبيين، باعتبارهم مواطنين ومتابعين للشأن العام، من حقهم معرفة الآليات التي سترسم مستقبل البلاد، خصوصاً في هذه المرحلة الحرجة والحساسة التي تتطلب قدراً كبيراً من الوضوح والتوضيحات، إلى جانب توفير ضمانات لإنجاح المبادرات والمسارات المطروحة، بما يسمح للمواطنين بالدفاع عن أي مسار يرون فيه بصيص أمل لإخراج البلاد من مأزقها الخطير.
وأشار الدينالي إلى أن ليبيا تمر حالياً بعدة أزمات، في ظل نقص كبير في المعلومات المتاحة للمتابعين للشأن العام بشأن التحركات التي تقودها البعثة الأممية، وكذلك المبعوث الأميركي والمبادرة التي تُعرف بالمبادرة الأميركية، معتبراً أن حالة الغموض والخلط أصبحت تجعل من الصعب على المواطن الليبي فهم هذه المسارات والتمييز بينها، ومعرفة أيها أقرب إلى النجاح وأيها أكثر جدية وفاعلية.
وشدد على ضرورة تحقيق الشفافية وإظهار النتائج بصورة واضحة وجلية، حتى يتمكن المواطنون من معرفة المسار الذي تسير فيه البلاد، وتحديد النقاط التي يمكن دعمها والدفع باتجاهها للوصول إلى مرحلة من مراحل النجاح.
وقال إن هناك مبادرة تقودها الأمم المتحدة، إلى جانب المبادرة الأميركية، معتبراً أن بين المسارين قدراً كبيراً من التوافق والتكامل، وهو أمر إيجابي، لكنه أشار في المقابل إلى وجود تحركات أخرى وأخبار عن تدخل أطراف دولية إضافية ومحاولات لجمع رؤساء المجالس الثلاثة في إحدى العواصم الأوروبية في هذا التوقيت.
واعتبر الدينالي أن فتح مسار جديد بالتوازي مع المسارين الأممي والأميركي قد يؤدي إلى التشويش عليهما، مؤكداً أن هذا الأمر غير مرغوب فيه في هذه المرحلة الحساسة، وداعياً المسؤولين والسياسيين الموجودين على الساحة السياسية الليبية إلى إدراك أن البلاد لا تحتمل مزيداً من المناكفات والنزاعات السياسية القائمة على المصالح الشخصية أو الأيديولوجية.
وحذر من أن تعدد المبادرات بالصيغة الحالية قد لا يخدم حل الأزمة الليبية، معتبراً أن هذه التحركات قد تُفهم باعتبارها محاولات لإيقاف أي عجلة بدأت في التحرك، إذ إن أي طرف يشعر بأنه أصبح خارج دائرة الملعب السياسي قد يسعى إلى تعطيل أي حل سياسي، حتى وإن كان هذا الحل يمكن أن يقود البلاد إلى الخروج من أزمتها الراهنة.
وأضاف أن الأزمة التي تمر بها ليبيا خطيرة جداً، معتبراً أن غياب المسؤولية والحس الوطني لدى العديد من الأطراف السياسية الموجودة على المشهد يدفعها إلى التخريب وفتح مسارات أخرى تشوش على المسارات القائمة حالياً.
وأشار الدينالي إلى أن الليبيين انتظروا طويلاً حتى تقدم الأجسام السياسية القائمة حلولاً للأزمة، معتبراً أن هذه الأجسام فشلت فشلاً ذريعاً في إيجاد أي حل أو منفذ للأزمة، بل أصبحت، بحسب تقديره، تخلق مشكلات وأزمات أخرى بهدف تعطيل أي حراك سياسي يحصل.
وأكد أنه لا يشعر بالتفاؤل عندما يرى هذه الأجسام تحاول حالياً التوافق أو التفاهم أو خلق تقارب فيما بينها، معتبراً أن ذلك قد يكون مؤشراً على رغبتها في إفساد المشهد السياسي بعدما شعرت بالخطر الحقيقي وخروجها من دائرة التأثير والملعب السياسي، والسعي إلى تخريب المشهد بالكامل وإبقاء البلاد في الحلقة المفرغة نفسها.
وفيما يتعلق بالدور الأميركي، قال الدينالي إن اقتراب الولايات المتحدة من الملف الليبي يمثل عاملاً مهماً لتسريع العملية السياسية، معتبراً أن على الليبيين الاستفادة من هذا التقارب بما يخدم المصلحة الوطنية، ويدفع نحو تحقيق حل سياسي واستقرار حقيقي في البلاد.
وأضاف أن تقارب الأطراف الليبية، إلى جانب المسارين الأممي والأميركي، يمثل أمراً إيجابياً يمكن أن يقود في نهاية المطاف إلى حل، مؤكداً أن المهم هو الوصول إلى حل يخدم ليبيا، سواء جاء عبر المسار الأممي أو المبادرة الأميركية أو من خلال تقارب الأجسام السياسية الليبية.
وشدد الدينالي على ضرورة تحليل المشهد الليبي وتحديد المشكلات والعراقيل الحقيقية التي تقف أمام نجاح أي مسار سياسي، مشيراً إلى وجود عوامل واقعية على الأرض، من بينها القوى الفاعلة التي تمتلك السلاح والقدرة على التأثير والتغيير، إلى جانب الأطراف التي تمتلك الشرعية الدولية أو الشرعية الداخلية، وكذلك الأجسام الموجودة حالياً والقوى التي تفرض حضورها بقوة السلاح أو المال أو غيرهما.
ورأى أن هذه المعطيات أصبحت واقعاً لا يمكن تجاهله، داعياً إلى التعامل معها بعقلانية، لأن أي حل لن يكون ممكناً، في تقديره، من دون موافقة الأطراف الفاعلة التي تملك القدرة على إفساد أو تخريب أي مشهد سياسي لا تكون جزءاً منه.
وقال إن المطلوب هو إيجاد صيغة تجمع جميع هذه الأطراف في إطار واحد للخروج بحل سياسي، معتبراً أن هذا ما تحاول مبادرة المبعوث الأميركي القيام به، وهو أمر مهم ينبغي الدفع به إلى الأمام، بالتوازي مع المطالبة بضمانات حقيقية.
وأشار الدينالي إلى ضرورة أن يضغط الليبيون، سواء كانوا مواطنين أو سياسيين أو متابعين للشأن العام، باتجاه وضع الضمانات والخطوط التي يريدونها لأي مسار سياسي في ليبيا، مع عدم الوقوف عند مثاليات لا يمكن تطبيقها على أرض الواقع.
وأضاف أن الجميع يطمح إلى إقامة دولة مدنية، لكن وجود السلاح وقوى تسيطر على الأرض وقادرة على التأثير في المشهد السياسي وتعطيل الانتخابات وإعادة البلاد إلى نقطة الصفر، يجعل تجاهل هذه القوى أو إقصاءها أمراً غير عقلاني، بحسب تقديره.
وأكد أن رفض إدماج الأشخاص أو الأجسام الموجودة في المشهد لمجرد وجود شبهات أو اتهامات بحقهم قد يكون مفهوماً من الناحية النظرية، لكنه غير قابل للتنفيذ على أرض الواقع، مشدداً على ضرورة التعامل مع الموجودين فعلياً في المشهد السياسي وإدماجهم في العملية السياسية.
ودعا إلى استغلال الحضور الأميركي في الملف الليبي لإشراك جميع الأطراف والخروج بحل سياسي، معتبراً أن هذا المسار هو الحل الأفضل، بدلاً من الرفض أو مقاطعة العملية السياسية.
وقال إن المصلحة الوطنية تقتضي بناء الدولة وتحقيق الاستقرار السياسي الحقيقي وإعادة بناء مؤسساتها، وهو ما يتطلب قدراً كبيراً من العقلانية في المرحلة الحالية، والاستفادة من إقبال الولايات المتحدة على الملف الليبي ومحاولة إيجاد حلول.
وحذر الدينالي من أن التمسك بالنظريات والمثاليات ورفض التعامل مع الواقع القائم لن يؤدي إلى حل، بل قد يزيد من تدخل الأطراف الدولية في الملف الليبي ويفتح المجال أمام الأجندات الدولية للتغلغل بصورة أكبر.
وشدد على ضرورة خلق بيئة سياسية يمكن التعامل معها، وتشكيل تيارات وطنية مدنية قادرة على منافسة القوى الموجودة سياسياً وتحقيق جزء من أهدافها وطموحاتها، محذراً من رفع شعارات كبيرة وجميلة من دون امتلاك أدوات واقعية لتحقيقها.









