الديباني: استقالة محافظ المركزي تتطلب توضيحات أكثر شفافية للرأي العام

قال القانوني والباحث السياسي عبد الله الديباني إن إعلان محافظ مصرف ليبيا المركزي، ناجي عيسى، اعتذاره عن الاستمرار في منصبه بدعوى وجود «ظروف حساسة»، يطرح تساؤلات واسعة بشأن طبيعة الضغوط التي قد تكون وراء القرار، مؤكداً أن المسؤول عن أعلى مؤسسة مالية في البلاد مطالب بتقديم توضيحات أكثر شفافية للرأي العام الليبي.
وأوضح الديباني، في مداخلة على قناة “ليبيا الحدث” تابعتها صحيفة الساعة24 ، أن استخدام عبارة «ظروف حساسة» دون تحديد طبيعتها أو تقديم تفاصيل بشأنها يجعل الباب مفتوحاً أمام العديد من التأويلات، مشيراً إلى أن طبيعة منصب محافظ المصرف المركزي وحساسية الملفات التي يشرف عليها تفرضان قدراً أكبر من الوضوح أمام المواطنين.
وأضاف أن الاعتذار عن المنصب، في ظل الظروف السياسية والأمنية والاقتصادية التي تمر بها البلاد، لا ينبغي أن يمر دون بيان واضح يشرح للرأي العام الأسباب الحقيقية وراء القرار، خاصة أن المصرف المركزي يدير أموال الدولة ويضطلع بمسؤوليات مباشرة تتعلق بالسيولة والسياسة النقدية والاحتياطيات والحسابات السيادية.
وأشار الديباني إلى تداول عدة روايات بشأن الأسباب المحتملة التي دفعت محافظ المصرف المركزي إلى اتخاذ موقفه، من بينها حديث عن ضغوط مرتبطة بملفات جهاز المخابرات، وأخرى تتصل بقرارات المجلس الرئاسي أو إجراءات مالية مرتبطة بحكومة الوحدة الوطنية المؤقتة، إضافة إلى ما أُثير بشأن تداعيات الأحداث الأمنية الأخيرة في مدينة الزاوية.
وشدد على أن هذه الروايات، وفق ما هو متداول، لم تصدر عن مصادر موثوقة تثبت صحتها، وبالتالي لا يمكن التعامل معها باعتبارها حقائق، لكنه رأى أن غياب التفسير الرسمي لعبارة «الظروف الحساسة» هو ما يسمح بتوسع دائرة التكهنات.
وقال إن السؤال الأساسي الذي ينبغي الإجابة عنه هو: ما طبيعة هذه الظروف؟ وهل تعرض محافظ المصرف المركزي لضغوط أو تهديدات أو ابتزاز؟ ومن هي الجهات التي تقف وراء تلك الضغوط إن كانت موجودة؟
وأكد أن كشف هذه الحقائق لا يتعلق بشخص المحافظ وحده، وإنما يرتبط بمصلحة الدولة واستقرار مؤسساتها المالية، معتبراً أن الشفافية في مثل هذه الملفات من شأنها الحد من الشائعات والتأويلات التي قد تزيد من حالة التوتر.
وتطرق الديباني إلى ما أثير بشأن جهاز المخابرات، موضحاً أن هذا الملف، من وجهة نظره، لا ينبغي اختزاله في أسماء الأشخاص، وإنما يجب التركيز على المؤسسة ذاتها وكفاءاتها وآليات إدارتها.
وقال إن الخلافات حول بعض الأسماء القيادية داخل الجهاز لا ينبغي أن تطغى على أهمية المحافظة على الخبرات والكفاءات الموجودة داخله، داعياً إلى التعامل مع المؤسسات الأمنية باعتبارها مؤسسات دولة، بعيداً عن التجاذبات السياسية والشخصية.
وفي جانب آخر من مداخلته، تناول الديباني مسألة الأحكام القضائية المتعلقة بالقرارات الصادرة عن المجلس الرئاسي، مشيراً إلى أن بعض الأحكام، بحسب ما طرحه، أخذت الصيغة التنفيذية، وأن القضية ترتبط بحسابات سيادية موجودة لدى مصرف ليبيا المركزي.
وأكد أن احترام الأحكام القضائية وتنفيذها يمثلان أساساً من أسس دولة القانون، مشيراً إلى أن أي خلاف حول القرارات أو الاختصاصات ينبغي أن يعالج عبر الأطر القانونية والقضائية، وليس من خلال الضغوط السياسية.
ورأى أن هذا الملف قد يكون أحد العناصر التي يجب بحثها عند محاولة فهم طبيعة الضغوط التي تحدث عنها محافظ المصرف المركزي، مع التأكيد مجدداً على ضرورة توفر معلومات رسمية تثبت وجود صلة مباشرة بين هذه الملفات وقرار الاعتذار.
وتوقف الديباني عند مسيرة ناجي عيسى منذ توليه منصب محافظ مصرف ليبيا المركزي، معتبراً أن الرجل جاء إلى المنصب في أعقاب أزمة وانقسام إداري ومؤسسي داخل المصرف المركزي، وأن وصوله كان نتيجة توافقات سياسية ورعاية أممية هدفت إلى إنهاء الأزمة.
وقال إن المحافظ قدم، منذ توليه مهامه، وعوداً وتصريحات بشأن تحسين الوضع المالي وتوفير السيولة واستقرار سعر الصرف وتطوير التعاملات المصرفية، مشيراً إلى أن المواطنين لمسوا في فترات سابقة تحسناً في توفر السيولة.
لكنه اعتبر أن هذه الخلفية تجعل من الصعب، بحسب رأيه، تقديم المحافظ باعتباره «ضحية» فقط للظروف المحيطة بالمصرف، موضحاً أن المسؤولية تقتضي أيضاً تقديم توضيحات للرأي العام عندما تبدأ الضغوط أو الأزمات في التأثير على أداء المؤسسة.
وأضاف أن المحافظ كان بإمكانه، منذ ظهور الضغوط التي تحدث عنها، إصدار توضيح رسمي يضع المواطنين أمام حقيقة ما يجري، بدلاً من الاكتفاء بعبارة عامة عن «ظروف حساسة».
وشدد الديباني على أن عبارة «الظروف الحساسة» تظل مصطلحاً فضفاضاً لا يكفي لتفسير قرار يتعلق بموقع سيادي بهذه الأهمية.
وأوضح أن المفاهيم القانونية المتعلقة بالقوة القاهرة والظروف الاستثنائية تتطلب شروطاً ومعايير محددة، وأنها تختلف عن مجرد الإشارة العامة إلى وجود ظروف حساسة، داعياً إلى توضيح طبيعة الظروف التي استند إليها المحافظ في موقفه.
وقال إن محافظ مصرف ليبيا المركزي كان من المفترض، في حال وجود مخاطر أو ضغوط حقيقية، أن يخاطب الليبيين بشكل مباشر، وأن يوضح لهم ما الذي دفعه إلى اتخاذ هذا القرار، حتى يتمكن الرأي العام من فهم حقيقة المشهد والوقوف على خلفياته.









