طلوبة: محافظ المركزي مظلوم ومخطئ في الوقت نفسه

قال أستاذ الاقتصاد بجامعة مصراتة عبد اللطيف طلوبة إن استقالة محافظ مصرف ليبيا المركزي ناجي عيسى تمثل «جرس إنذار نهائي» بشأن قدرة الاقتصاد الليبي على الاستمرار في ظل اتساع الإنفاق العام وتزايد الطلب على النقد الأجنبي، محذرًا من أن عائدات النفط لم تعد كافية لتغطية متطلبات الدولة والمجتمع.
وأوضح طلوبة، في مداخلة على قناة الوسط، تابعتها صحيفة الساعة24، أن مشكلة الاقتصاد الليبي لا يمكن اختزالها في السياسة النقدية أو أداء مصرف ليبيا المركزي، معتبرًا أنها أزمة اقتصادية عميقة تعود إلى ترسخ الاقتصاد الريعي وتفاقمه بعد عام 2011، مع اعتماد البلاد بصورة أساسية على النفط كمصدر للدخل والثروة والنشاط الاقتصادي.
وأشار إلى أن المؤسسات الحكومية بمختلف مستوياتها تطالب بميزانيات تفوق قدرة المصرف المركزي على توفيرها، بالتزامن مع اتساع الاستهلاك والإنفاق العام والطلب على العملات الأجنبية، فضلًا عن ارتفاع فاتورة المرتبات نتيجة زيادة أعداد العاملين في القطاع العام.
وقال طلوبة إن تحميل المصرف المركزي مسؤولية معالجة هذه الاختلالات يحوّل المحافظ إلى «كبش فداء» لمشكلات تتجاوز صلاحيات المؤسسة النقدية، مشيرًا إلى أن السلطتين التشريعية والحكومات تتحملان جانبًا من المسؤولية عن ضبط الإنفاق ووضع سقوف له، إلى جانب معالجة الارتفاع المستمر في فاتورة المرتبات.
وأضاف أن عجز الإيرادات النفطية عن مواكبة متطلبات الإنفاق المتزايدة أعاد إلى الواجهة التحذيرات السابقة بشأن حدود قدرة الاقتصاد الليبي على الاستمرار بالاعتماد على مورد واحد، معتبرًا أن استمرار هذا النهج يضع الدينار والاقتصاد أمام ضغوط متزايدة.
وفي تقييمه لأداء ناجي عيسى، قال طلوبة إن المحافظ أصاب في محاولته توفير النقد الأجنبي للأغراض الشخصية والاعتمادات والتحويلات، وهي إجراءات وفرت قدرًا من الارتياح للمواطن، لكنها لم تكن، من الناحية الاقتصادية، كافية أو سليمة من دون سياسة واضحة تحدد أولويات استخدام النقد الأجنبي والكميات المتاحة منه.
وانتقد طلوبة عدم إتاحة تفاصيل كافية للرأي العام بشأن حجم الإنفاق واستخدامات النقد الأجنبي، معتبرًا أن النشرات التي أصدرها المصرف المركزي افتقرت إلى معلومات كان ينبغي أن تكون متاحة للمواطنين وأجهزة الدولة، خصوصًا في ظل ارتفاع الإنفاق على الوقود وغيره من البنود.
كما انتقد عدم توسيع دائرة اتخاذ القرار داخل المصرف المركزي، معتبرًا أن المحافظ كان عليه تفعيل مجلس الإدارة والإعلان بصورة منتظمة عن اجتماعاته ومحاضره وقراراته، بدلًا من تحمل المسؤولية بصورة منفردة، لأن القرارات المتعلقة بالاقتصاد الليبي، وفق تقديره، تتجاوز مسؤولية شخص واحد.
وفيما يتعلق بارتفاع سعر الدولار، قال طلوبة إن السوق الموازية شديدة الحساسية تجاه التطورات السياسية والاقتصادية، وإن الدينار كان يفقد جزءًا من قيمته خلال الأشهر السابقة للاستقالة، مع ارتفاع سعر الدولار من نحو ثمانية دنانير إلى قرابة 8.75 دينار، قبل أن يتجاوز تسعة دنانير عقب إعلان الاستقالة.
وأوضح أن الارتفاع الحاد في الساعات الأولى يمكن أن يكون مؤقتًا، مشيرًا إلى أن السوق بدأت في التراجع بعد موجة الارتفاع الأولى، لكنه حذر من أن عودة الدولار إلى مستويات سابقة لن تتحقق بسهولة من دون إجراءات عملية تضمن دعم قيمة الدينار، خاصة أن العملة كانت تتراجع حتى في ظل استمرار المحافظ في منصبه.
وفي تقييمه لمسؤولية ناجي عيسى عن الوضع النقدي، قال طلوبة إن المحافظ «مظلوم ومخطئ في الوقت نفسه»، موضحًا أنه تعرض لضغوط من الحكومتين وأجهزة الدولة المختلفة، في ظل توجه عام نحو زيادة الإنفاق دون النظر بصورة كافية إلى تداعياته الاقتصادية.
وأضاف أن جهات أخرى لم تؤد أدوارها بصورة كافية، ومن بينها أجهزة الرقابة الإدارية ومصلحة الجمارك وإدارة الضرائب، مشيرًا إلى أن الإيرادات الضريبية في ليبيا لا تتجاوز، وفق تقديره، نسبة ضئيلة جدًا من الناتج، وهو ما يزيد الضغط على مصرف ليبيا المركزي.
وفي المقابل، حمل طلوبة المحافظ جانبًا من المسؤولية، معتبرًا أنه تحمل هذه الأعباء لمدة عامين من دون إعلان واضح عن المختنقات التي تواجه المصرف أو طرح خطط وسياسات لمعالجتها، حتى وصل في النهاية إلى تقديم استقالته.
وأشار إلى أن اتفاق الإنفاق الموحد الذي جرى التوصل إليه في أبريل كان يمكن أن يمثل نقطة تحول، لكن عدم صدور ميزانية أو خطة إنفاق واضحة بعد الاتفاق جعله، وفق تقديره، «مجرد حبر على ورق»، معتبرًا أن المحافظ كان ينبغي أن يوضح للرأي العام عدم قابلية الاتفاق للتنفيذ أو عدم الالتزام به.
واختتم طلوبة تصريحاته بالتأكيد على أن معالجة الأزمة الاقتصادية الليبية لا يمكن أن يتولاها مصرف ليبيا المركزي منفردًا، مهما كانت قدراته، داعيًا إلى تعاون فعلي بين المصرف والسلطتين التشريعية والتنفيذية وبقية المؤسسات الاقتصادية، لأن حجم الاختلالات الحالية يتجاوز قدرة أي مؤسسة أو مسؤول واحد على معالجتها.









