التومي: حكومة الدبيبة عاجزة عن إخراج المرتزقة.. والزاوية كشفت فشلها الأمني

قال الناشط السياسي مصعب التومي إن حكومة الوحدة الوطنية المؤقتة لم تنجح في تنفيذ أبرز الالتزامات التي قامت على أساسها، وفي مقدمتها إخراج المرتزقة، وتحقيق المصالحة الوطنية، وتوحيد البلاد، والوصول إلى الانتخابات، مؤكداً أن استمرار وجود القوات الأجنبية والمرتزقة، بالتزامن مع عجز الحكومة عن بسط الأمن في عدد من المناطق، يعكس فشلاً واضحاً في إدارة المرحلة.
وأوضح التومي، في لقاء مع قناة الوسط، ورصدته “الساعة 24” أن حكومة عبدالحميد الدبيبة جاءت في الأصل على أساس مجموعة من الالتزامات الواضحة، من بينها إخراج المرتزقة ووقف إطلاق النار ودعم المصالحة الوطنية والتحضير للانتخابات، إلا أن هذه الملفات لم تشهد تقدماً حقيقياً خلال السنوات الماضية.
وأشار إلى أن وزيرة الخارجية السابقة نجلاء المنقوش تحدثت خلال فترة عملها عن إخراج المرتزقة وإعادتهم إلى البلدان التي قدموا منها، لكن هذا الملف لم يستمر على مستوى الخطاب الحكومي، معتبراً أن المواطن الليبي لم يرَ نتائج ملموسة لهذه الوعود.
وانتقد التومي الحديث عن عقود أبرمت مع سوريين أو عن وجود مرتزقة جرى إدخالهم إلى البلاد في فترات سابقة، مؤكداً أن بعض العناصر السورية الموجودة في ليبيا وصلت خلال الحرب في طرابلس وفي مراحل سابقة على حكومة الدبيبة، لكنه رأى أن الحكومة الحالية لم تقدم تفسيراً واضحاً حول استمرار وجودهم أو آليات إخراجهم.
وأضاف أن حكومة الدبيبة لم تتمكن من توحيد البلاد أو بسط نفوذها على كامل الأراضي الليبية، مشيراً إلى أن مناطق مثل طرابلس والزاوية لا تزال تشهد مظاهر نفوذ مسلح خارج إطار الدولة، الأمر الذي يضعف الحديث عن قيام حكومة موحدة قادرة على تنفيذ قراراتها في جميع أنحاء البلاد.
وشدد التومي على أن الحكومة لا تستطيع ممارسة سيطرة فعلية على جميع المناطق الواقعة ضمن نطاق نفوذها، متسائلاً عن مدى قدرتها على تنفيذ أي قرار يتعلق بالمرتزقة أو القوات المسلحة في ظل وجود تشكيلات مسلحة تتمتع بنفوذ كبير على الأرض.
وفي رده على التساؤلات المتعلقة بعدد المرتزقة وموقف الحكومة منهم، اعتبر التومي أن خروج عناصر أجنبية مسلحة إلى الشوارع داخل العاصمة أو غيرها من المناطق يطرح مسألة سيادة الدولة بصورة مباشرة، متسائلاً عن كيفية بقاء هؤلاء في البلاد واستخدامهم السلاح علناً إذا كانت الدولة تتمتع بالقدرة الكاملة على بسط سلطتها.
وأكد أن المواطنين يريدون معرفة عدد هذه العناصر، ومن المسؤول عن إدخالها، ولماذا لا يتم ترحيلها، مشيراً إلى أن استمرار الملف بهذه الصورة يزيد من مخاوف الليبيين بشأن الأمن والسيادة، ويجعل الحكومة مطالبة بتقديم معلومات واضحة بدلاً من ترك الأمر للتكهنات.
ورفض التومي اعتبار طرح هذه الأسئلة دفاعاً عن المرتزقة، مؤكداً أن موقفه يتمثل في ضرورة إخراج أي عناصر أجنبية مسلحة من ليبيا، سواء كانوا سوريين أو غيرهم، مشيراً كذلك إلى وجود ليبيين في سوريا والعراق ارتبطت أسماؤهم بقضايا إرهابية، ومعتبراً أن من يوجد خارج ليبيا في مثل هذه الملفات يجب التعامل معه وفق القانون وإعادته إلى بلاده.
وأوضح أن موقفه من هذا الملف لا يعني الدعوة إلى التعامل العنيف مع الموجودين داخل البلاد، وإنما يطالب الدولة بتحمل مسؤوليتها وإيجاد آلية واضحة للترحيل والتعامل القانوني معهم.
وانتقل التومي إلى الوضع الأمني في الزاوية، مؤكداً أن المدينة تعيش منذ سنوات حالة معقدة من التوترات والانقسامات المسلحة، وأن الأزمة الحالية لا يمكن اختزالها في حكومة الدبيبة وحدها، بل لها جذور تعود إلى سنوات سابقة.
وقال إن الزاوية تمثل إحدى بوابات طرابلس الغربية، ولها وزن اجتماعي وجغرافي مهم، إلا أن التوترات بين الزاوية وورشفانة خلال مراحل سابقة أدت إلى إغلاق الطرق وفرض مسارات طويلة على المواطنين، حيث كان الانتقال الذي لا يتجاوز عشرات الكيلومترات يتحول إلى رحلة تصل إلى مئات الكيلومترات، ما تسبب في معاناة كبيرة للسكان.
وأضاف أن بعض الصراعات السابقة ارتبطت بمحاولات قوى محلية فرض نفوذها على طرابلس ومؤسساتها، وأن ما حدث في الزاوية لا يمكن فصله عن واقع انتشار التشكيلات المسلحة وتعدد القوى المتنافسة داخل المنطقة الغربية.
وأكد التومي أن تحميل أبناء الزاوية وحدهم مسؤولية الانتهاكات أو الجرائم التي تقع في المنطقة أمر غير منصف، مشيراً إلى أن مختلف المدن والمناطق الغربية تضم تشكيلات مسلحة ومخالفات أمنية، وأنه لا يجوز التعامل مع أي مدينة باعتبارها مسؤولة وحدها عن الظاهرة.
ودعا إلى النظر إلى الزاوية باعتبارها مدينة ليبية تضم مواطنين يريدون الأمن والاستقرار، مؤكداً أن سكانها لا ينبغي أن يتحملوا وحدهم نتائج تصرفات مجموعات مسلحة أو شخصيات بعينها.
وفي الوقت ذاته، انتقد التومي ازدواجية الخطاب لدى بعض الأطراف التي تتحدث عن بناء الدولة المدنية ومحاربة العسكرة، متسائلاً عن المشاريع والنتائج التي قدمتها هذه القوى للمواطنين في مناطق نفوذها، وقال إن من يرفض المشروع العسكري مطالب أيضاً بإظهار نموذج مدني ناجح على الأرض.
وأوضح أن الليبيين الذين خرجوا في 2011 كانوا يتطلعون إلى دولة، وليس إلى استمرار الانقسام أو تكرار الصراع المسلح، مشدداً على أن النتيجة المطلوبة يجب أن تكون دولة فيها شرطة وأجهزة أمنية ومؤسسات قادرة على حماية المواطن.
وفي تعليقه على الاشتباكات الأخيرة في الزاوية، قال التومي إن الأوضاع الأمنية لا يمكن وصفها بالطبيعية بعد سقوط نحو عشرين قتيلاً مشيراً إلى أن المنطقة الغربية عموماً شهدت مواجهات متعددة بين تشكيلات مسلحة تنتمي إلى مدن ومناطق مختلفة.
وأضاف أن بعض التشكيلات في مناطق مثل العجيلات والجمال وصرمان وصبراتة وغيرها قد تتورط في صراعات أو مخالفات، لكن ذلك لا يعني تحميل سكان تلك المناطق المسؤولية الجماعية، مؤكداً ضرورة التفريق بين المواطنين والتشكيلات المسلحة.
وانتقد التومي تأخر الحكومة في اتخاذ موقف واضح خلال الاشتباكات، مشيراً إلى أن تحركاتها جاءت بعد انتهاء المواجهات، حين تعرضت منشآت مرتبطة بمصفاة الزاوية وخزانات الوقود للقصف، وهو ما زاد من خطورة الوضع بسبب وجود مواد قابلة للاشتعال بالقرب من مناطق مأهولة بالسكان.
وأكد أن طريقة تعامل الحكومة مع الأحداث أثارت أسئلة كبيرة، خصوصاً بعد صدور بيانات تتوعد باستخدام القوة ضد الجهات التي تهدد الأمن، ثم ظهور تحركات عسكرية وأمنية لاحقة لم تكن واضحة الأهداف بالنسبة للمواطنين، الأمر الذي جعل المشهد أكثر تعقيداً.
وأشار إلى أن تصريحات الحكومة وتهديداتها باستخدام القوة لم ترفق بتوضيح كافٍ حول الجهة المستهدفة أو طبيعة الترتيبات الأمنية التي ستُتخذ في الزاوية، ما زاد من حالة الغموض لدى السكان.
كما انتقد استمرار الخطاب الذي يربط جميع الأزمات في ليبيا بالقائد العام المشير خليفة حفتر خصوصاً مع إثبات نجاح مشروع المشير في بناء دولة امنة ومستقرة في الشرق، واعتبر خطاب المعارضين يقدم حلاً للمواطنين، وطالب الأطراف السياسية بإظهار نتائج حقيقية في مناطق نفوذها بدلاً من الاكتفاء بإلقاء المسؤولية على خصومها.
وشدد التومي على أنه لا ينتمي إلى أي طرف مسلح، وأنه يطالب ببناء دولة مدنية فيها شرطة وأجهزة أمنية ومؤسسات قانونية، لكنه في المقابل يرفض استخدام شعار الدولة المدنية لتبرير استمرار التشكيلات المسلحة أو غياب سلطة الدولة.
ورأى أن المواطن في الزاوية، كما في بنغازي وطرابلس والجنوب وسائر المناطق، يحتاج إلى الأمن والخدمات والقدرة على التحرك والعمل دون خوف، مؤكداً أن معيار نجاح أي مشروع سياسي هو ما يقدمه للناس على الأرض وليس شعاراته.
وفيما يتعلق بمبادرة مسعد بولس، اعتبر التومي أن التطورات الأمنية في الزاوية يمكن أن تؤثر في المشهد السياسي المقبل، ورجّح أن تكون للأحداث تداعيات على موقع بعض الأطراف في أي تسوية مستقبلية.
وقال إن حكومة الدبيبة حاولت منذ البداية تقديم نفسها باعتبارها قادرة على إدارة المشهد في المنطقة الغربية، إلا أن الوقائع على الأرض أظهرت استمرار نفوذ التشكيلات المسلحة وعدم قدرة الحكومة على فرض سيطرتها الكاملة حتى داخل بعض المناطق القريبة من العاصمة.
وأضاف أن الحكومة لم تتمكن من فرض الأمن حتى في مناطق تقع ضمن نطاق نفوذها المباشر، مشيراً إلى أن جرائم وقتلاً وسرقات لا تزال تحدث في طرابلس، وهو ما يتناقض مع الخطاب الذي يقدم الحكومة باعتبارها قادرة على تحقيق الأمن والاستقرار.
وأكد أن الدبيبة قد يحاول تفكيك القوى المعارضة له في المنطقة الغربية عبر أدوات مختلفة، من بينها التفاهمات أو الأموال أو المناصب، إلا أن ذلك لا يعالج جذور الأزمة وإنما يؤجلها.
ورأى التومي أن ما يحدث في الزاوية قد يكون في مصلحة حكومة الدبيبة إذا أدى إلى إضعاف الأصوات المعارضة لها في المنطقة الغربية، معتبراً أن الأحداث قد تُستخدم لتقديم صورة مفادها أن المنطقة تحتاج إلى ترتيبات سياسية وأمنية جديدة.
وأشار إلى أن استمرار الاضطرابات قد يهدف، في تقديره، إلى إعادة تشكيل موازين القوى في المنطقة الغربية قبل أي تفاوض على حكومة جديدة أو ترتيبات سياسية مقبلة، بما يسمح للأطراف الأكثر نفوذاً بفرض شروطها.
وفي ختام حديثه، أكد التومي أن معالجة ملف المرتزقة والأمن في الزاوية وبقية المناطق لا يمكن أن تتم من خلال البيانات أو تغيير المسؤولين فقط، وإنما تحتاج إلى سلطة قادرة على تنفيذ قراراتها، وإلى آلية وطنية واضحة لإخراج القوات الأجنبية والتشكيلات المسلحة من المشهد، وإعادة بناء مؤسسات أمنية موحدة تخضع للدولة والقانون. كما شدد على أن أي تسوية سياسية مقبلة لن تكون قابلة للاستمرار ما لم تعالج واقع القوة المسلحة والانقسام المؤسسي وتضمن للمواطن الليبي حقه في الأمن والاستقرار.









