الحاجي: لا نريد ديمقراطية مؤجلة ولا انتخابات متعجلة

قال إسلام الحاجي إن الترحيب الدولي بالتفاهمات التي توصلت إليها اللجنة المصغرة «4+4»، بمشاركة عشر دول بينها الولايات المتحدة، يمثل دعمًا مهمًا للمسار، لكنه لا يعني بالضرورة أن الاتفاق قادر بمفرده على إنهاء الأزمة السياسية في ليبيا، مشيرًا إلى أن هذا الترحيب جاء قبل نشر مسودة رسمية وقبل خروج الاتفاق بصورة نهائية.
وأضاف الحاجي، في مقابلة مع قناة الوسط، رصدتها صحيفة الساعة 24، أن العديد من الدول التي رحبت بالتفاهمات يبدو أنها اطلعت على مضمونها، رغم عدم نشر الاتفاق رسميًا، معتبرًا أن هذا الدعم يصب في مصلحة البعثة الأممية، إذ إن نجاح اللجنة في الوصول إلى تفاهم بين أهم قوتين مؤثرتين في المشهد الليبي سيعزز دور الأمم المتحدة في إدارة الأزمة.
وأكد أن نجاح أي تفاهم لا يقاس بحجم الدعم الدولي له، وإنما بمدى قبول الأطراف الليبية بنتائجه، محذرًا من أن عدم قبول هذه النتائج قد يعيد البلاد إلى نقطة الصفر، ويضيف تفاهمًا جديدًا إلى أرشيف التفاهمات والاتفاقات السابقة.
وأشار إلى أن تفاهمات «6+6» وغيرها من التفاهمات السابقة أصبحت جزءًا من أرشيف العملية السياسية الليبية، ولذلك فإن المطلوب في المرحلة الحالية ليس مجرد إنتاج مخرجات جديدة، وإنما ضمان تنفيذها والانتقال بها إلى مرحلة الانتخابات.
وقال إن المرحلة التي تلي الإعلان الرسمي عن الاتفاق ستكون الأهم، موضحًا أن الليبيين يعرفون أن الانتخابات أصبحت ضرورة، وأن النقاش يجب أن ينتقل إلى كيفية إجراء الانتخابات، ومن سيحكم البلاد خلالها، ومن سيسلم السلطة بعد ظهور النتائج.
وأضاف أن اعتراض المجلس الأعلى للدولة على لجنة «4+4» يرتبط بطبيعة تشكيلها، إلى جانب الاعتراض المحتمل على نتائجها، موضحًا أن المجلس كان يرى أن اختيار ممثليه في اللجنة يجب أن يتم من داخله، إما عبر التصويت أو من خلال توافق مكوناته على الشخص الذي سيمثله.
وأشار إلى أن هناك أطرافًا كثيرة مستفيدة من عدم الذهاب إلى الانتخابات، وليس فقط مجلس النواب أو المجلس الأعلى للدولة، موضحًا أن جميع الأطراف الموجودة في السلطة التنفيذية أو التشريعية أو السلطات المحلية، والتي تستفيد من استمرار الوضع القائم، ستكون لديها اعتراضات على أي آلية تقرب البلاد من الانتخابات.
وأوضح أن «4+4» لا تمثل اتفاقًا سياسيًا شاملًا لإنهاء الأزمة الليبية، وإنما تتعلق بجزء من الطريق، وهو ملف الانتخابات والقوانين الانتخابية، معتبرًا أن تحريك هذا الملف يمثل خطوة مهمة في ظل الجمود السياسي الطويل.
وحذر من أن الاتفاق على القوانين الانتخابية لا يعني بالضرورة الوصول إلى الانتخابات، لأن الخلاف يمكن أن ينتقل إلى السلطة التنفيذية التي ستتولى تنفيذ الاتفاق وإدارة المرحلة الانتخابية، إضافة إلى الخلاف حول الضمانات اللازمة لقبول النتائج وتسليم السلطة.
وقال إن السؤال لا يتعلق فقط بمن سيجري الانتخابات، وإنما أيضًا بمن سيحكم أثناء الانتخابات، ومن سيسلم السلطة بعدها، معتبرًا أن عدم وجود ضمانات واضحة في الوقت الحالي قد يؤدي إلى تأجيل جديد وإعادة إنتاج الأزمة نفسها التي حدثت في مراحل سابقة.
وأوضح أن خطة الأمم المتحدة بدأت بالمفوضية، ثم انتقلت إلى القوانين الانتخابية، والآن تتجه إلى المرحلة المتعلقة بالسلطة التنفيذية وتوحيد المؤسسات تحت حكومة واحدة، مشيرًا إلى أن هذه الخطوات يفترض أن تقود في النهاية إلى الانتخابات.
وأضاف أن البعثة الأممية لجأت إلى الأطراف الأكثر تأثيرًا على الأرض، باعتبارها تملك السلطة والسلاح والنفوذ والقدرة على التأثير في تنفيذ أي اتفاق، إلى جانب امتلاكها أشكالًا مختلفة من الشرعية، سواء كانت محلية أو دولية.
وقال إن ميزان القوة بين الطرفين ليس متساويًا بالكامل، إلا أن كليهما يمثل قوة أمر واقع لا يمكن تجاوزها عند البحث عن حكومة تنفيذية قادرة على إدارة المرحلة المقبلة.
وأشار إلى أن التأييد الدولي الحالي يتجه نحو ما وصفه بـ«الخطة الأمريكية»، التي تهدف إلى إيجاد حكومة تنفيذية تضم الأطراف الرئيسية في الصراع، مع استمرار وجود المؤسسات التشريعية، بالتوازي مع التفاهم على القوانين الانتخابية.
وأوضح أن وجود قوانين انتخابية متفق عليها يمكن أن يتحول إلى أداة ضغط على مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة في حال حاول أحدهما تعطيل المسار، بحيث يصبح بالإمكان الذهاب إلى الانتخابات حتى مع استمرار الخلافات حول السلطة التنفيذية.
وأضاف أن الحكومة التنفيذية المرتقبة ستكون مرتبطة بالأطراف المؤثرة في الصراع، وهي الأطراف التي تمتلك السلطة والسلاح والمال والنفوذ، إلى جانب الشرعية التي اكتسبتها محليًا أو دوليًا.
وقال إن إمكانية تجاوز مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة في حال رفض أحدهما المسودة ستتوقف على طبيعة الرفض وحجم الضغط الدولي، مشيرًا إلى أن السؤال الأساسي هو ما إذا كانت لجنة «4+4» قد أزالت المبررات القانونية التي يستخدمها الطرفان لتأجيل الانتخابات، أم أنها نقلت الخلاف من خلاف على القوانين إلى خلاف سياسي.
وأكد أنه لا يمكن الانتقال من «ديمقراطية مؤجلة إلى انتخابات متعجلة»، موضحًا أن مجرد تحديد موعد للانتخابات لا يعني أن العملية أصبحت قابلة للتحقيق أو أن النتائج ستكون مقبولة من جميع الأطراف.
وأشار إلى أن الخلاف حول الدستور والعودة إلى دستور 1951 أو النظام الفيدرالي لا يمكن فصله عن موازين القوى القائمة، معتبرًا أن هذه الطروحات لا تحظى بتوافق واسع بين الأطراف الفاعلة والمؤثرة في المشهد الليبي.
وقال إن ليبيا ليست أمام أزمة داخلية فقط، وإنما أمام صراع دولي وإقليمي على النفوذ، مشيرًا إلى وجود الولايات المتحدة وحلفائها من جهة، وروسيا وحلفائها من جهة أخرى، إلى جانب القوى الإقليمية والدولية الأخرى المؤثرة في البلاد.
وأضاف أن الصراع المحلي على السلطة يتداخل مع المصالح الخارجية، وأن هناك قوى ليبية تملك نفوذًا عميقًا وقدرة على التحرك والعرقلة واستخدام القوة، ما يجعل أي مشروع دستوري أو انتخابي بحاجة إلى توافق مع القوى الموجودة على الأرض.
وأوضح أن التصويت على مشروع الدستور لن يؤدي وحده إلى حل الأزمة الليبية، طالما أن موازين القوى الحالية لم تتغير، مشيرًا إلى أن أي دستور جديد سيحتاج إلى توافق سياسي وغطاء دولي حتى يمكن تطبيقه فعليًا.
وبين إن المجتمع الدولي لا يتعامل بالضرورة مع مفهوم المشروع الوطني كما يتصوره الليبيون، وإنما يتعامل مع قوى صراع واضحة في الشرق والغرب، ولذلك فإن الوصول إلى تفاهم عام بشأن الانتخابات يتطلب التعامل مع القوى التي تمتلك نفوذًا فعليًا.
وأشار إلى أن بعض التسريبات المتعلقة بتفاهمات «4+4»، ومنها السماح لمزدوجي الجنسية والعسكريين بالترشح للانتخابات، قد تكون صحيحة، معتبرًا أن مثل هذه البنود مرتبطة بطبيعة موازين القوى الموجودة في ليبيا.
وأوضح أن قضايا ترشح مزدوجي الجنسية والعسكريين سبق أن ظهرت في مخرجات «6+6» والقوانين الانتخابية المرتبطة بانتخابات 2021، ومنها مسألة ما إذا كان العسكري الذي يفوز في الانتخابات مطالبًا بالاستقالة من المؤسسة العسكرية قبل تولي منصبه السياسي.
وأضاف أن المشكلة ليست دائمًا في الاتفاق على النصوص، وإنما في تنفيذها وضمان قبول الأطراف بها، مستشهدًا بتجربة انتخابات 2021 وما رافقها من اعتراضات على القوانين الانتخابية قبل أن تتغير مواقف بعض الأطراف لاحقًا.
وقال إن الضغوط الدولية يمكن أن تدفع مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة إلى التعامل مع القوانين الانتخابية، خصوصًا إذا صدرت قوانين مدعومة دوليًا وترافقت مع حكومة تنفيذية موحدة تحظى بقبول القوى المؤثرة في المشهد الليبي.
وأشار إلى أن الملف الليبي أصبح جزءًا من مساومات دولية أوسع، موضحًا أن الولايات المتحدة وروسيا قد تتعاملان مع ليبيا ضمن حسابات تتجاوز الأزمة الداخلية وتشمل ملفات اقتصادية وسياسية وأمنية في ليبيا وأفريقيا.
وأضاف أن الورقة الليبية يمكن أن تستخدم في عمليات مساومة دولية حول قضايا أخرى، محذرًا من أن استمرار هذا الوضع قد يبقي البلاد داخل دائرة من الصراع يصعب الخروج منها دون وجود مشروع وطني قوي قادر على الدفاع عن مصالح ليبيا.
وأشار إلى أن البعثة الأممية قالت إن بعض التسريبات غير دقيقة، لكنها لم تحسم بشكل واضح مسألة مشاركة الأحزاب، معتبرًا أن عدم حسم هذا الملف يفتح الباب أمام تساؤلات حول طبيعة النظام الانتخابي الذي يجري الإعداد له.
وأوضح أنه يحترم المطالبين بدور أكبر للأحزاب في العملية السياسية، لكنه يرى في المقابل أن الأحزاب الليبية لم تتحول حتى الآن إلى قوة انتخابية حقيقية تمتلك تأثيرًا واسعًا ومستقرًا داخل المجتمع.
وقال إن السؤال لا ينبغي أن يكون فقط حول ما إذا كانت القوانين تخدم الأحزاب، وإنما حول ما إذا كان النظام الانتخابي قادرًا على إنتاج سلطة شرعية حقيقية، محذرًا من تحول القوائم الحزبية إلى وسيلة لشراء المقاعد أو توظيف المال والنفوذ في الانتخابات.
وأضاف أن النظام الفردي يخاطب بدرجة أكبر الواقع الاجتماعي والسياسي الموجود في ليبيا، بما فيه التركيبة القبلية والمناطقية والجهوية ونفوذ السلطات المحلية، مشيرًا إلى أن المرشح الفرد قد يكون أكثر قدرة على حشد الأصوات أو استخدام المال والنفوذ للوصول إلى البرلمان.
وفي المقابل، أوضح أن الأحزاب يفترض أن تكون مشاريع سياسية متكاملة، تمتلك برامج واضحة وقواعد شعبية وأعضاء مؤمنين ببرامجها، وتخوض الانتخابات على أساس مشروع سياسي وليس على أساس الأشخاص فقط.
وأكد أن التجربة الحزبية في ليبيا ما تزال محدودة، ولا توجد حتى الآن أحزاب تمتلك تأثيرًا انتخابيًا واسعًا ومستقرًا، رغم وجود محاولات لنشاط حزبي وتعبئة جماهيرية بشأن عدد من القضايا.
وانتقل الحاجي إلى الأوضاع المعيشية، فقال إن استمرار أزمات الكهرباء والمياه والمحروقات وتراجع القوة الشرائية للدينار الليبي يثير تساؤلات حول السياسات الاقتصادية التي يجري الإعداد لها، خصوصًا فيما يتعلق برفع الدعم.
وتساءل عن كيفية رفع أسعار الوقود في ظل وجود طوابير أمام محطات البنزين، رغم أن ليبيا دولة نفطية، مشيرًا إلى وجود أزمات في البنزين والديزل والمحروقات، إلى جانب انخفاض قيمة الدينار وتراجع القدرة الشرائية وأزمة الكهرباء.
وأضاف أن رفع تعريفة الخدمات في ظل هذه الظروف سيكون أمرًا بالغ الصعوبة، خصوصًا إذا لم تتم معالجة الأزمات القائمة وتحسين مستوى الخدمات الأساسية للمواطنين.
وأكد أن ليبيا دولة غنية بالنفط والموارد، وأن حجم الثروات مقارنة بعدد السكان يمنحها قدرة كبيرة على توفير حياة أفضل للمواطنين، مشيرًا إلى أن المشكلة الأساسية لا تكمن في غياب الموارد، وإنما في إدارة هذه الموارد واستمرار الصراع السياسي الذي يحول دون توظيفها بالشكل الذي يحقق مصلحة الليبيين.









