اخبار مميزةليبيا

السعيطي: شيطنة الأحوال المدنية إعلاميًا لا تعكس حقيقة ملف التزوير

أكد راشد السعيطي، رئيس مصلحة الأحوال المدنية سابقًا، أن ملف التزوير في منظومة الأحوال المدنية يحتاج إلى معالجة دقيقة ومتوازنة بعيدًا عن التهويل أو ما وصفه بـ«الهجمة الإعلامية» التي تستهدف المصلحة وموظفيها، مشددًا في الوقت نفسه على أن وجود حالات تزوير داخل منظومة الأحوال المدنية أمر لا يمكن إنكاره، وأن المؤسسة نفسها كانت من أوائل الجهات التي حذرت من هذه المخاطر وأبلغت بها الجهات المختصة.

وقال السعيطي، في مداخلة على تلفزيون “المسار” تناول فيها ما ورد في التقرير محل النقاش، ورصدتها صحيفة الساعة 24، إن التقرير يستند في جانب كبير منه إلى منشورات وبيانات صادرة عن النيابة العامة، لكنه يتضمن، بحسب تقديره، عددًا من النقاط التي لا تتطابق بصورة كاملة مع الواقع، خصوصًا في ما يتعلق بالأرقام التي جرى تداولها باعتبارها مؤشرات على التزوير.

وأوضح أن مصلحة الأحوال المدنية بذلت، خلال السنوات الماضية، جهودًا كبيرة على مستوى إداراتها وفروعها وموظفيها، كما عقدت اجتماعات عديدة مع الجهات والمؤسسات ذات العلاقة، وحذرت في مناسبات مختلفة من مخاطر التزوير والتشوهات التي يمكن أن تطال قاعدة البيانات الوطنية.

وأضاف أن بعض التقارير والبيانات التي استندت إليها النيابة العامة في تحركاتها لم تكن لتظهر لولا جهود موظفي الأحوال المدنية أنفسهم، باعتبارهم الجهة التي تتعامل بصورة مباشرة مع البيانات والسجلات وتكتشف جوانب الخلل فيها.

وأشار السعيطي إلى أن التحذيرات من وجود عمليات تزوير لم تبدأ مع تحرك النيابة العامة في السنوات الأخيرة، مؤكدًا أنه شخصيًا كان قد وجه أول تحذير بهذا الشأن عام 2016، وأنه أعد تقريرًا وأحاله إلى النائب العام وسلمه إليه بشكل مباشر عندما كان الأخير يتولى إدارة مكتب التحقيقات.

وقال إن وجود التزوير كان أمرًا معروفًا، وإن الخلاف لا يتعلق بنفي وجوده، وإنما بطريقة توصيف حجمه وتحديد المسؤوليات والأرقام التي يتم تداولها إعلاميًا.

وأضاف: «نحن متفقون على أن هناك تزويرًا، والتزوير ثقافة موجودة، وليس في السجل المدني فقط. معظم المؤسسات قد يوجد فيها بعض الأشخاص ضعاف النفوس، لكن الهجمة الشرسة التي تتعرض لها مؤسسة عريقة حافظت على هوية المجتمع الليبي لأكثر من 70 سنة ليست مبررة».

وانتقد السعيطي طريقة تناول بعض القضايا من جانب النيابة العامة ووسائل الإعلام، خصوصًا ما يتعلق بالموظفين الذين يتم القبض عليهم على خلفية قضايا تزوير، ثم تنتهي قضايا عدد كبير منهم بأحكام قضائية بالبراءة.

وأوضح أن أكثر من 70%، بحسب ما عرضه من واقع القضايا التي أُسندت إلى موظفين في السجل المدني، صدرت بحقهم أحكام بالبراءة من القضاء الليبي، معتبرًا أن هذه النسبة تطرح تساؤلات جدية حول دقة إجراءات الاتهام والتحقيق قبل إحالة الموظفين إلى القضاء.

وقال إن بعض الموظفين تعرضوا للحبس لعدة أشهر، وصلت في بعض الحالات إلى أربعة أو خمسة أشهر، قبل أن تنتهي القضايا إلى البراءة، وهو ما ترتب عليه، بحسب قوله، أضرار نفسية واجتماعية ومهنية كبيرة.

وأكد أن الحديث عن هذه المسألة لا يعني الاعتراض على عمل النيابة العامة في المجال القانوني، وإنما الدعوة إلى قدر أكبر من الدقة في توجيه الاتهامات، بحيث تتم ملاحقة المتورط الحقيقي وعدم تحميل الموظف مسؤولية أخطاء مادية أو إدارية لم تكن مقصودة.

وشدد على أن القضاء الليبي هو الجهة التي تفصل في هذه القضايا، وأن صدور أحكام بالبراءة يجب أن يقابله اهتمام إعلامي مماثل للاهتمام الذي يحظى به خبر القبض على الموظف.

وقال في هذا السياق: «الحملة الممنهجة تتحدث يوم القبض، ولا تتحدث يوم الحكم. عندما يتم القبض على الموظف تُقام الدنيا ولا تقعد، وعندما تنصفه المحكمة وتحكم ببراءته لا يتحدث عنه أحد، لا في وسائل التواصل الاجتماعي ولا في الإعلام».

وأضاف أن عددًا من الموظفين الذين تعرضوا للحبس كانوا، بحسب معرفته بهم خلال سنوات عمله، من الموظفين المشهود لهم بالكفاءة والنزاهة، وأن تغييبهم لعدة أشهر ألحق بهم أضرارًا لا يمكن تجاهلها.

وأكد السعيطي أن من أهم الإشكالات في قراءة تقارير ملف الأحوال المدنية الخلط بين مفهوم «التزوير» وبين مفهوم «التشوهات» الموجودة في قاعدة البيانات.

وأوضح أن وجود تشوه أو اختلاف في البيانات لا يعني بالضرورة أن الواقعة تزوير متعمد، إذ قد تكون بعض الحالات ناتجة عن أخطاء مادية في إدخال البيانات أو أخطاء في الأسماء أو تواريخ الميلاد أو بيانات أفراد الأسرة.

وأشار إلى أن التقارير التي تتناول أرقام التشوهات قد تجمع مختلف أنواع الأخطاء تحت رقم واحد، وهو ما قد يعطي انطباعًا بأن كامل الرقم يمثل حالات تزوير جنائي، في حين أن الواقع أكثر تعقيدًا.

وضرب مثالًا بالفارق بين رقم يقدر بنحو 35 ألف حالة ورقم فعلي لا يتجاوز ثلاثة آلاف حالة، معتبرًا أن الفرق الكبير بين الرقمين يوضح أهمية التدقيق قبل تقديم الأرقام للرأي العام باعتبارها أرقامًا لحالات تزوير.

وقال إن وجود أكثر من مليون حالة مصنفة ضمن «التشوهات» لا يعني أن مليون حالة منها مزورة، موضحًا أن التشوهات قد تشمل أخطاء مادية وازدواجية في البيانات ومشكلات تقنية وأخطاء إدخال، إلى جانب حالات التزوير الحقيقي.

وأشار إلى أن الخطأ في اسم المواطن، مثل إسقاط نقطة من حرف، أو الخطأ في تاريخ الميلاد، قد يؤدي تقنيًا إلى إنشاء رقم وطني آخر، كما أن بعض الأسماء التي يمكن أن تستخدم للذكور والإناث قد تؤدي إلى أخطاء في تحديد الجنس أو مطابقة البيانات.

وأوضح أنه تلقى، حتى بعد مغادرته المصلحة، حالة لمواطن أبلغه بأن أحد أبنائه لديه ثلاثة أرقام وطنية، معتبرًا أن مثل هذه الحالات لا يمكن التعامل معها جميعًا باعتبارها عمليات تزوير متعمد.

وفي المقابل، شدد السعيطي على ضرورة عدم فهم حديثه باعتباره نفيًا للتزوير أو دفاعًا عن كل ما جرى داخل منظومة الأحوال المدنية.

وقال إن التزوير الحقيقي الذي يطال الوثائق أو القيود أو يتم عبر التلاعب المتعمد بالمنظومة بهدف تحقيق منفعة مالية موجود بالفعل، ولا يمكن إنكاره، مؤكدًا ضرورة تطبيق أشد العقوبات على مرتكبيه.

وأشار إلى أن بعض عمليات التزوير ارتبطت بالمزايا والمنح التي قدمتها الدولة للمواطنين، وهو ما فتح المجال أمام بعض ضعاف النفوس لاستغلال هذه البرامج بالتعاون مع أطراف أخرى، بما فيها بعض الجهات المصرفية، لتحقيق مكاسب مادية.

كما أشار إلى وجود نمط آخر يتعلق بالتزوير الورقي، معتبرًا أنه من الأنماط الخطيرة التي جرى ضبط حالات منها، ولا تزال بعض البيانات والوثائق تخضع للمراجعة والتحقق.

واستشهد السعيطي بما سبق أن أثاره في أحد اللقاءات عام 2018، عندما تحدث عن واقعة تتعلق بإضافة نحو 400 ألف رقم وطني إلى منظومة الأحوال المدنية قبل إحدى المنح، ثم شطب هذه الأرقام لاحقًا بعد الاستفادة من الأموال المرتبطة بها.

وأكد أن مثل هذه الوقائع سبق أن أثيرت في وقتها، وأن الحديث عنها لم يكن وليد التقارير الأخيرة، مشيرًا إلى أن بعض المخالفات كانت محل تنبيه ومتابعة منذ سنوات.

كما أشار إلى الظروف الاستثنائية التي عمل فيها موظفو السجل المدني خلال فترات صرف المنح، عندما صدرت تعليمات بإنجاز أعداد ضخمة من المعاملات خلال مدد زمنية قصيرة، وهو ما رفع احتمالات وقوع الأخطاء البشرية.

وأوضح أن بعض الحالات المتعلقة بأرقام وطنية لأفراد من أسر ليبية جاءت نتيجة آلية العمل السريعة، خصوصًا في الفترات التي لم تكن فيها بعض بيانات الجنسية مفتوحة أمام الموظف بالطريقة نفسها المعمول بها لاحقًا، ما أدى في بعض الحالات إلى إدراج أفراد من الأسرة تحت قيد واحد دون التحقق التفصيلي من بعض البيانات.

وأكد أن بعض هذه الحالات كانت أخطاء مادية وليست عمليات تزوير مقصودة، وأن التفريق بين النوعين ضروري قبل اتخاذ إجراءات جنائية بحق الموظف.

وتطرق السعيطي إلى الأرقام المتداولة بشأن عدد المواطنين الليبيين، معتبرًا أن بعض الأرقام الكبيرة التي يتم تداولها لا تنسجم، في تقديره، مع معدلات النمو السكاني الليبي خلال العقود الماضية.

وقال إن خبرته الممتدة لسنوات طويلة في مجال السجل المدني تجعله يرى أن الوصول إلى أرقام تتجاوز عشرة ملايين ليبي يحتاج إلى تفسير ديموغرافي دقيق، بالنظر إلى معدلات المواليد والوفيات والنمو السكاني.

وأشار إلى أن تقديره الشخصي لعدد الليبيين قد يكون في حدود ثمانية ملايين وأربعمائة ألف نسمة في أفضل الفرضيات، مؤكدًا أن هذا الرقم يظل تقديرًا شخصيًا وليس إحصاءً رسميًا.

وأضاف أن الفارق بين الرقم الفعلي للسكان والأرقام الموجودة في بعض قواعد البيانات يمكن أن ينتج عن مجموعة من العوامل، من بينها الأخطاء والتكرار والتشوهات والقيود غير المطابقة للواقع، وليس بالضرورة أن تكون كل الزيادة نتيجة تزوير جنائي.

وأشار السعيطي إلى ما ورد في أحد التقارير بشأن مدينة سرت، حيث جرى الحديث عن وجود نحو 200 أسرة أو حالة محل شبهة، موضحًا أن النيابة العامة عندما أعلنت أسماء الحالات المعنية، تراجعت أسرة واحدة فقط، بحسب ما أورده، لمراجعة بياناتها وتقديم مستنداتها، بينما لم تتضح بصورة مماثلة نتائج بقية الحالات.

واعتبر أن مثل هذه الوقائع تستدعي طرح أسئلة حول مصير الأرقام التي تعلن للرأي العام، وما إذا كانت جميع الحالات التي ترد في التقارير تنتهي إلى إثبات تزوير فعلي أم أن بعضها يسقط بعد المراجعة والتحقيق.

وتساءل السعيطي عن النتائج التي حققها مشروع «الانطلاقة»، مشيرًا إلى أن النيابة العامة تشرف، بحسب ما طرحه، على جانب من العمل المرتبط بمراجعة قاعدة بيانات الأحوال المدنية.

وشدد على أن أي تحديث للمنظومة يجب أن يسبقه استكمال أعمال التحقيق والمراجعة، حتى لا يتم نقل البيانات المشوهة من نظام قديم إلى نظام جديد دون معالجة أسباب الخلل.

وقال إن نقل قاعدة بيانات تحتوي على تشوهات إلى منظومة حديثة لا يحل المشكلة، بل ينقل الخلل نفسه إلى النظام الجديد، ولذلك ينبغي أن تتكامل جهود النيابة العامة ومصلحة الأحوال المدنية للوصول إلى قاعدة بيانات موثوقة قبل اعتمادها كأساس للمرحلة المقبلة.

وانتقد السعيطي ما وصفه بضعف الدعم الذي حصلت عليه مصلحة الأحوال المدنية خلال السنوات الماضية، موضحًا أن المؤسسة كانت مطالبة بتقديم خدمات واسعة للمواطنين في الوقت الذي لم تحصل فيه على الموارد والإمكانات الكافية.

وقال إن الدولة دعمت المصلحة، خلال الفترة التي كان فيها مسؤولًا، بمبلغ يقارب مليونًا وثمانمائة ألف فقط، وفق ما ذكره، مضيفًا أن المنطقة الشرقية، بحسب قوله، لم يصل منها إلى المصلحة دعم مالي منذ عدة أشهر.

وأكد أن تحميل المؤسسة مسؤولية جميع أوجه القصور، مع عدم توفير الإمكانات اللازمة لتحديث بنيتها التقنية وحماية بياناتها، يمثل معادلة غير عادلة.

وأضاف أن المواطن الليبي أصبح يراجع الأحوال المدنية للحصول على الرقم الوطني وغيره من الخدمات الأساسية، بينما تحتاج المؤسسة نفسها إلى دعم مستمر حتى تتمكن من أداء هذه المهام بالشكل المطلوب.

وشدد السعيطي على أن قاعدة بيانات الأحوال المدنية يجب أن تكون مملوكة بالكامل للدولة الليبية، وأن تكون جميع مكوناتها وقطاعاتها تحت سيطرة الدولة، باعتبارها القاعدة الأساسية التي تعتمد عليها مختلف مؤسسات الدولة.

وطالب بأن يتم تأمين الاتصالات بين قطاعات الأحوال المدنية عبر شبكة آمنة ومحمية، بدلًا من الاعتماد على شبكات مفتوحة يمكن اختراقها.

وأشار إلى أن منظومة الأحوال المدنية لم تحصل، بحسب قوله، على التحديث المطلوب لسنوات طويلة، وأن الدولة توقفت خلال فترة معينة عن دعم المنظومة لمدة تقارب سبع سنوات، ما أدى إلى تراكم المشكلات التقنية.

وأوضح أن المصلحة اضطرت في بعض الفترات إلى اقتطاع مبالغ من أبواب أخرى لتغطية اشتراكات وخدمات مرتبطة بالمنظومة، مؤكدًا أن تحديث البنية التحتية التقنية وجدران الحماية «Firewall» يجب أن يكون من أولويات الدولة.

وأكد السعيطي ضرورة الفصل بين اختصاصات مصلحة الأحوال المدنية واختصاصات الجهات الأخرى، خصوصًا عند الحديث عن دخول أجانب إلى منظومة البيانات أو حصولهم على الجنسية الليبية.

وقال إن منح الجنسية ليس من اختصاص مصلحة الأحوال المدنية، وإنما يرتبط بجهات أخرى معنية بالجوازات والجنسية والهجرة، بينما تقتصر مهمة السجل المدني في هذا السياق على تسجيل البيانات وإصدار الوثائق والبيانات التي تعتمد عليها الجهات المختصة في إجراءاتها.

وأضاف أن تحميل مصلحة الأحوال المدنية وحدها مسؤولية كل ما يتعلق بالجنسية أو دخول جنسيات أخرى إلى المنظومة لا يتوافق مع توزيع الاختصاصات بين مؤسسات الدولة.

وأشار إلى أن بعض التقارير، بحسب قراءته، نسبت إلى السجل المدني مسؤولية ملفات ليست من اختصاصه المباشر، وهو ما يستوجب مراجعة دقيقة للمسؤوليات وتحديد الجهة التي اتخذت القرار أو نفذت الإجراء.

وأشار السعيطي إلى أن بعض التقارير السابقة للنيابة العامة تحدثت عن وجود نحو 66 ألف تشوه في منظومات أخرى، من بينها منظومة الجوازات، بعد مقارنتها ببيانات الأحوال المدنية.

واعتبر أن إجراء المقارنة بين قواعد البيانات المختلفة أمر مهم، لكنه يجب أن يشمل التحقيق في التشوهات الموجودة في كل منظومة، لا أن يتم تحميل الأحوال المدنية تلقائيًا مسؤولية كل اختلاف يظهر عند المقارنة.

وقال إن قاعدة بيانات الأحوال المدنية تمثل الركيزة الأساسية لبيانات الدولة، ولذلك فإن أي خلل يظهر عند مقارنتها ببيانات مؤسسة أخرى ينبغي أن يخضع للتحقيق من الجانبين لتحديد مصدر الخلل ومسؤوليته.

وفي جانب آخر، أشاد السعيطي بالجهود التي تبذلها مصلحة الأحوال المدنية للحفاظ على الوثائق والسجلات التاريخية، مشيرًا بصورة خاصة إلى افتتاح دار المحفوظات في بنغازي خلال الفترة الماضية.

واعتبر أن إنشاء دار للمحفوظات وتجهيزها بتقنيات حديثة يمثل خطوة مهمة للحفاظ على الوثائق التي تشكل جزءًا من الذاكرة الوطنية الليبية، خصوصًا السجلات القديمة التي تعود إلى عام 1954 وما تلاه.

وأكد أن المؤسسة لا تقتصر مهمتها على إدارة قاعدة بيانات إلكترونية، وإنما تتحمل مسؤولية المحافظة على الوثائق الأصلية التي تمثل ذاكرة الدولة والمجتمع.

وأوضح أن إنشاء وتجهيز دار المحفوظات في بنغازي تم، بحسب ما ذكره، بإمكانات كبيرة، وأن جانبًا كبيرًا من هذه الإمكانات لم يكن من موازنة الدولة، بل جاء من القيادة العامة، معتبرًا أن ذلك يبرز الحاجة إلى دعم حكومي مباشر ومستمر للمؤسسات المدنية التي تضطلع بمهام تتعلق بالهوية الوطنية.

وأكد السعيطي أن من أبرز النقاط التي يجب التوقف عندها أن التحذير من التزوير لم يأتِ من خارج المؤسسة فقط، بل إن موظفي مصلحة الأحوال المدنية أنفسهم كانوا من أوائل من كشفوا عن المخالفات وأحالوا المعلومات إلى الجهات المختصة.

وقال إن وجود إدارة مختصة بمكافحة التزوير داخل المصلحة، إلى جانب إدارات المباحث والتفتيش والمتابعة، ساهم في اكتشاف عدد من القضايا التي أعلنت عنها النيابة العامة لاحقًا.

وأضاف أن كثيرًا من القضايا التي تناولتها النيابة العامة كانت المصلحة قد سجلتها وقيدتها مسبقًا من خلال إداراتها المختصة، وهو ما يؤكد، بحسب قوله، أن المؤسسة لم تكن تتعامل مع التزوير باعتباره أمرًا يمكن إخفاؤه، وإنما كانت تعمل على اكتشافه ومعالجته.

وأكد السعيطي أن التحدي الأساسي في المرحلة المقبلة يتمثل في إصلاح التشوهات الموجودة في قاعدة البيانات، وتطوير المنظومة تقنيًا، ومحاسبة المتورطين في التزوير الحقيقي، وفي الوقت نفسه حماية الموظفين من الاتهامات غير الدقيقة.

وشدد على أن وجود حالات فساد أو تزوير داخل مؤسسة كبيرة لا يعني أن المؤسسة بأكملها فاسدة، مشيرًا إلى أن مصلحة الأحوال المدنية تضم عددًا كبيرًا من الموظفين الذين يعملون بصورة مهنية ويحافظون على بيانات المواطنين.

وقال إن استعادة ثقة الشارع لا تكون من خلال شيطنة المؤسسة، وإنما من خلال إصلاح الخلل ومحاسبة المسؤول عنه، وإظهار النتائج التي تحققها أعمال المراجعة والتحقيق بصورة واضحة للرأي العام.

واختتم السعيطي بالتأكيد على أن ملف الأحوال المدنية يتجاوز حدود مؤسسة خدمية، لأن قاعدة بياناتها تمثل الأساس الذي تستند إليه مختلف مؤسسات الدولة، الأمنية والخدمية والإدارية.

وأوضح أن أي إصلاح لمنظومة الدولة الرقمية يجب أن يبدأ من قاعدة بيانات الأحوال المدنية، وأن تكون هذه القاعدة مملوكة بالكامل للدولة ومؤمنة تقنيًا، مع وجود آليات واضحة للتدقيق والمراجعة بين مختلف المؤسسات.

وشدد على أن مواجهة التزوير يجب أن تستمر، وأن الحالات المثبتة يجب أن تواجه بالعقوبات القانونية المناسبة، لكنه دعا في الوقت نفسه إلى عدم تحويل الأرقام الأولية أو التشوهات الفنية إلى أحكام نهائية على المؤسسة وموظفيها.

وقال إن المرحلة المقبلة تحتاج إلى تعاون حقيقي بين النيابة العامة ومصلحة الأحوال المدنية وبقية مؤسسات الدولة، للوصول إلى قاعدة بيانات سليمة وموثوقة، وإلى خطاب إعلامي يفرق بين التزوير الجنائي والخطأ المادي، ويعرض للناس نتائج التحقيقات والأحكام القضائية كاملة، بما في ذلك أحكام البراءة، حفاظًا على حق الموظف والمؤسسة والمواطن في معرفة الحقيقة كاملة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى