اخبار مميزةليبيا

الغرياني: المجتمع الدولي يعتبر مخرجات «4+4» أفضل صيغة للتسوية في ليبيا 

قال الناشط السياسي عبدالله الغرياني إن مخرجات لجنة «4+4» تعد أفضل ما أمكن التوصل إليه خلال السنوات الماضية من عمر الأزمة السياسية الليبية، مؤكداً أن اللجنة عملت بصورة مكثفة على مدى نحو شهرين إلى شهرين ونصف، منذ أول لقاءاتها في روما مروراً باجتماعاتها في تونس، بمشاركة ممثلين عن مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة، وانتهت إلى وثيقة عالجت أبرز نقاط الخلاف التي عطلت العملية السياسية والانتخابات في ليبيا.

وأوضح الغرياني، خلال لقائه مع قناة «ليبيا الحدث»، رصدته “الساعة24″، أن لجنة «4+4» عقدت لقاءات متتالية ومكثفة بمشاركة أربعة ممثلين عن مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة، وأن المخرج الذي توصلت إليه اللجنة جاء بعد نقاشات وتباحث ودراسة امتدت لأسابيع، معتبراً أن الوثيقة تمثل أفضل صيغة أمكن الوصول إليها بعد سنوات من الإخفاق في العملية السياسية وإجهاض الانتخابات التي كان مقرراً إجراؤها في ديسمبر 2021.

وأشار إلى أن تداعيات الانقسام السياسي الذي أعقب تعثر الانتخابات أدت إلى استمرار الخلاف حول الشرعية بين مجلس النواب والحكومة الموجودة في طرابلس، في وقت ظلت فيه الشرعية الدولية معترفة بالكيانات الموجودة في طرابلس، وعلى رأسها الحكومة الوحدة الوطنية المؤقتة، إلى جانب المؤسسات الأخرى التي جاءت عبر التفاهمات السياسية السابقة واتفاق جنيف.

وأضاف أن القضايا المحورية طوال السنوات الست الماضية تمثلت في القوانين الانتخابية وتغيير مجلس إدارة المفوضية الوطنية العليا للانتخابات، معتبراً أن وثيقة «4+4» أنجزت ما تعذر على الأطراف إنجازه خلال تلك السنوات، إذ تناولت القوانين الانتخابية والمفوضية وغيرها من الملفات محل الخلاف.

وأكد الغرياني أن مجلسي النواب والأعلى للدولة، إذا انفردا بالعملية السياسية، لن يتمكنا من إنتاج توافق مماثل لما خرجت به لجنة «4+4»، مستشهداً بفشل لجنة «6+6» في تحقيق إنجاز توافقي نهائي، إضافة إلى عدم تمكن المجلسين طوال السنوات الماضية من تقديم خطوات تشريعية أو قانونية أو مبادرات ترسم ملامح المستقبل السياسي للبلاد.

وقال إن ليبيا وصلت إلى مرحلة انهيار حقيقي للمؤسسات جراء الانقسام السياسي، مشيراً إلى وجود نحو 30 وزيراً في غرب البلاد ونحو 30 وزيراً في شرقها، إلى جانب استمرار الانقسام في مؤسسات الدولة، معتبراً أن هذه الأوضاع تعكس حجم الأزمة التي تعيشها البلاد.

وفي السياق ذاته، لفت الغرياني إلى أن المبادرة الأمريكية عالجت جوانب من الأزمة في إطارها العسكري والمالي، بما في ذلك ما يعرف بالتوافق المالي، معتبراً أن ليبيا تقف حالياً أمام تحدٍ كبير ومرحلة مفصلية في تاريخ العملية السياسية.

وأضاف أنه كان من المتوقع أن تؤدي المهلة التي امتدت طوال شهر سبتمبر إلى توافق حقيقي بشأن وثيقة «4+4»، إلا أن ما صدر عن المجلس الأعلى للدولة لم يكن إشارة إيجابية إلى وجود نية حقيقية للتوافق أو تمرير الوثيقة، خصوصاً بعد سحب ممثلي المجلس في اللجنة المصغرة وسحب عضوياتهم، معتبراً أن هذه الخطوة حملت طابعاً تصعيدياً ولم تكن إيجابية.

وفي المقابل، قال إن مجلس النواب لم يتخذ الخطوة ذاتها، بل اتجه إلى الموافقة على المخرجات ودعمها، معتبراً أن النقطة الإيجابية الأبرز في هذه المسألة تتمثل في الدعم الدولي الذي حظيت به الوثيقة منذ توقيعها.

وأوضح أن مجلس الأمن رحب باتفاق اللجنة المصغرة، باعتباره الجهة التي أوكلت إلى البعثة الأممية الإشراف على المسار السياسي، مشيراً إلى أن البعثة تعمل في إطار التكليف الصادر إليها من مجلس الأمن.

وأضاف أن إعلان رئيس مجلس النواب تأييده لمخرجات «4+4» أعقبه موقف واضح من الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، الذي أشاد بهذه الخطوة، معتبراً أن ذلك يعكس وجود دعم دولي للمضي في تنفيذ الوثيقة.

ورداً بشأن عما إذا كانت الإشادة الدولية كافية، موضح الغرياني أن ليبيا تقف أمام مرحلة تتطلب تغييراً في الشرعيات، سواء على مستوى الحكومة في طرابلس أو المجلس الرئاسي أو بقية الأجسام الموجودة في المشهد السياسي.

وأكد أن جميع الأجسام الموجودة حالياً تستند إلى شرعية دولية، بينما لا توجد شرعية داخلية ناتجة عن انتخابات، مشيراً إلى أن الانتخابات أُجهضت، وأن مدد المؤسسات والأجسام القائمة تم تمديدها عبر اتفاقات سياسية أشرف عليها المجتمع الدولي.

ولفت إلى أن تلك الاتفاقات، سواء اتفاق جنيف أو اتفاق الصخيرات أو خارطة الطريق السياسية الشاملة، لم تنجح في تنفيذ الاستحقاقات التي نصت عليها، الأمر الذي أبقى ليبيا في دائرة انتقالية مفتوحة.

وقال الغرياني إن الشرعية الدولية كانت دائماً العامل الفاصل في المراحل السياسية السابقة، وإن الحكومات والأجسام السياسية القائمة استندت إلى قرارات ومظلة مجلس الأمن والأمم المتحدة، معتبراً أن ليبيا تدخل حالياً مرحلة يمكن وصفها بمرحلة سقوط بعض الأجسام السياسية، وأن من يعرقل العملية السياسية سيخرج منها، مشيراً إلى أن هناك أصواتاً قد تعارض الوثيقة لأسباب يعتبرها منطقية، وأخرى وطنية تدفع باتجاه تعزيزها وتطويرها.

وفي هذا الإطار، انتقد الغرياني تصريحات رئيس حكومة الوحدة عبدالحميد الدبيبة، معتبراً أنها تمثل إشارات غير إيجابية في ظل الحاجة إلى توافق وطني، مشيراً إلى أن خروج رئيس الحكومة في مؤتمرات أو جلسات بخطاب يتضمن هجوماً على الطرف الآخر لا يخدم حالة التوافق.

وأضاف أن هذا النوع من التصريحات قد ينعكس سلباً على رئيس الحكومة المؤقتة، مؤكداً أن المواقف الصادرة عنه مراقبة من الأطراف المحلية والإقليمية والدولية.

وشدد على أن تعزيز حالة السلام في ليبيا أصبح مطلباً إقليمياً ودولياً، موضحاً أن الأطراف الإقليمية والدولية باتت تتوافق على ضرورة إخراج ليبيا من حالة الاضطرابات التي تعيشها منذ ما يقارب عقداً، والتي أسهمت في تنامي الهجرة غير النظامية، ونشاط العصابات المسلحة على الحدود الجنوبية، فضلاً عن عودة بعض التيارات المتطرفة إلى النشاط.

وأشار إلى أن المسار السياسي يتجه بصورة متزايدة نحو المجتمع الدولي، لافتاً إلى وجود محطة مهمة في 15 أكتوبر، وإلى أن الإشارات الصادرة في هذا السياق كانت واضحة بشأن عدم التخلي عن اتفاق «4+4» أو التراجع عنه، مع إمكانية تطويره وفتح باب المشاركة أمام أطراف أخرى.

وأوضح أن هناك طرحاً لتشكيل لجنة وطنية بصيغة «15+15+15» بإجمالي 45 عضواً، بهدف إجراء حوار وطني يعزز حالة التوافق حول الوثيقة، إلى جانب وجود توجه مباشر نحو مجلس الأمن.

وأكد أن وثيقة «4+4» حظيت منذ توقيعها بترحيب من أطراف محلية قوية ونافذة في المشهد السياسي والعسكري والأمني الليبي، مشيراً إلى وجود مواقف داعمة لها من القيادة العامة في بنغازي، ومن أطراف سياسية في شرق البلاد وغربها، ومن شخصيات تفاعلت مع المسودة ومسار التهدئة.

وأضاف أن التفاهمات لم تقتصر على الجانب السياسي، بل شملت أيضاً المسارات العسكرية والاقتصادية، مشيراً إلى ما تحقق في مسار «3+3» العسكري، وإلى وجود تفاهمات في بقية المسارات.

ورأى الغرياني أن الوثيقة لا يمكن تعطيلها بدوافع مرتبطة بالتمديد أو بالمواقف التصعيدية التي لا تزال تصدر عن رئيس الحكومة المؤقتة عبدالحميد الدبيبة، معتبراً أن مواقفه وتصريحاته وتحشيداته وخطابه تجاه خصومه لا تنسجم مع حالة التهدئة والسلام المطلوبة.

وقال إن خطاب الدبيبة مستمر منذ بداية توليه السلطة، وإن هناك أحياناً تضارباً بين ما يعلنه نهاراً وما يجري من خطوات أو مواقف في أوقات أخرى، مشيراً إلى أن هذا التضارب أدى في مراحل سابقة إلى خلافات بينه وبين المجلس الرئاسي، قبل أن يحدث تقارب وتوافق بينهما.

ولفت إلى أن موقف رئيس المجلس الرئاسي من التصعيد الحكومي، ووجود عضو المجلس الرئاسي موسى الكوني في مراسم توقيع الاتفاق يوم 31 أغسطس، يمثلان مؤشرين على حجم التباين داخل المؤسسات القائمة، مشيراً إلى أن غياب أعضاء اللجنة الممثلين للحكومة في بعض الخطوات يعطي إشارة إلى وجود أطراف داخل السلطة قد تتحرك خارج التوجه العام.

واعتبر الغرياني أن رئيس الحكومة يدرك أن المرحلة السياسية الحالية تقترب من نهايتها، وأن الأكسجين الدولي الذي تستند إليه الحكومة لن يستمر إلى ما لا نهاية، موضحاً أن قوة الحكومة ورئيسها خلال السنوات الماضية استندت بصورة أساسية إلى الشرعية الدولية.

وأشار إلى أن المجتمع الدولي أرسل إشارات واضحة منذ توقيع وثيقة «4+4» بشأن ضرورة تغيير المشهد السياسي، مستشهداً بترحيب مجلس الأمن بالاتفاق بعد وقت قصير من إعلانه، وتشديده على ضرورة تنفيذ ما تم الاتفاق عليه.

كما لفت إلى أن تأييد رئيس مجلس النواب للوثيقة، سواء جاء نتيجة ضغط إقليمي أو بمبادرة منه، تزامن مع إدراك دولي بأن المجتمع الدولي يراقب الاتفاق، مشيراً إلى أن ترحيب الأمين العام للأمم المتحدة بخطوة مجلس النواب يمثل حالة لافتة في سياق التفاهمات السياسية الليبية.

وأوضح أن غوتيريش دعم ضرورة قيام السلطات الليبية بتنفيذ ما ورد في الوثيقة، باعتبارها تعزز حالة السلم وتتضمن معالجة للنقاط الخلافية الرئيسية، مؤكداً أن اللجنة صاغت ما اختلفت عليه الأطراف خلال نحو عشر سنوات، خصوصاً القوانين الانتخابية والمفوضية الوطنية العليا للانتخابات.

وأضاف أن الاتفاق حسم جانباً مهماً من معضلة الانتخابات، إذ وضع القوانين المنظمة لها وحدد الجهة التي تشرف على تنفيذها، وهي المفوضية، مشيراً إلى أن التوافق داخل اللجنة على هذه الملفات يطرح تساؤلات حول مبررات رفض المجلس الأعلى للدولة تمرير الاتفاق.

وقال الغرياني إن البعثة الأممية قد تلجأ، في حال استمرار الرفض، إلى الحصول على موافقات فردية من أعضاء المجلس الأعلى للدولة، متسائلاً عن مدى وضوح المبررات التي يستند إليها المجلس في رفض الوثيقة.

وانتقد في هذا السياق الأزمة التي شهدها المجلس الأعلى للدولة في فندق المهاري، معتبراً أنها مثلت محاولة لتغيير قيادة المجلس وإسقاط خالد المشري وإيصال محمد تكالة إلى رئاسته، واصفاً ما جرى بأنه «انقلاب النهاري»، ومشيراً إلى الجدل الذي رافق جلسة المجلس وما تلاها من اتهامات ومواقف متبادلة.

وربط الغرياني بين مواقف المجلس الأعلى للدولة والحكومة في طرابلس، معتبراً أن هناك حالة من الارتباط السياسي بينهما، وقال إن بعض الخطوات التي اتخذها المجلس في أوقات سابقة عززت الحالة التصعيدية التي يعيشها رئيس الحكومة المؤقتة.

وفيما يتعلق بالمجلس الرئاسي، رأى الغرياني أن نفوذه تأثر بموقف المجلس الأعلى للدولة، مشيراً إلى أن عدداً من أعضاء المجلس الأعلى للدولة أصبحوا خارج المجلس أو لم يعودوا متوافقين مع رئاسته، وهو ما يعكس حجم الخلافات داخل هذه المؤسسة.

وأكد أن ليبيا رهنت مسارها السياسي لهذه الأجسام التشريعية لفترة طويلة، مشيراً إلى أن البلاد تشهد واحدة من أطول فترات عمل المؤسسات التشريعية في تاريخها، إذ تجاوز عمر هذه الأجسام 14 أو 15 عاماً في إشارة إلى طول الفترة التي استمرت خلالها المؤسسات الانتقالية.

وأوضح أن هذه السنوات حملت المواطنين الليبيين تبعات الإخفاقات السياسية، وأثرت سلباً في التنمية والبناء، مشيراً إلى أن استمرار الخلاف السياسي انعكس على الملفات الاقتصادية والأمنية والاجتماعية.

وانتقد تصريحات رئيس الحكومة المؤقتة بشأن وقف المرتبات أو محاربة الأطراف الأخرى، معتبراً أن ما يجري بين المؤسسات لا يمكن اعتباره مجرد خلاف سياسي عادي، مشيراً إلى أن مجلس النواب يملك الحق في عقد جلساته واستكمال النصاب ومناقشة القضايا المتعلقة بالسلطة التشريعية، وأن تغيير رئاسة المجلس، في حال استيفاء الإجراءات القانونية، يمثل جزءاً من طبيعة العمل النيابي والديمقراطي.

وقال إن طول عمر هذه المؤسسات لا يعني إلغاء طبيعة العمل النيابي، لكنه شدد في الوقت ذاته على أن استمرارها لهذه المدة الطويلة يمثل مشكلة سياسية في حد ذاته.

وفي المقابل، أشار الغرياني إلى أن المفارقة تتمثل في أن عبدالحميد الدبيبة دخل المشهد السياسي باعتباره حلاً للأزمة، بعد مسارات برلين، بينما أصبح لاحقاً جزءاً من المشكلة السياسية.

وأوضح أن الأطراف الرئيسية التي شاركت في مساري برلين الأول والثاني كانت تسعى إلى استمرار عملية السلام، مشيراً إلى استمرار دعم القيادة العامة للمسار السياسي، بينما تغيرت أطراف أخرى كان يفترض أن تساند التسوية.

وأضاف أن هناك اتهامات رافقت وصول بعض الأطراف إلى مواقعها، من بينها اتهامات بشراء الأصوات ودفع الأموال، مؤكداً أن هذه الوقائع كانت جزءاً من الجدل الذي رافق تشكيل المؤسسات القائمة.

وأشار إلى أن من أولى الخطوات التي اتخذها الدبيبة عند توليه رئاسة الحكومة الوحدة الوطنية، وقف مرتبات القوات المسلحة، معتبراً أن ذلك كان إجراءً سلبياً تجاه قوات تؤدي مهامها في حماية الحدود والأراضي الليبية، وأن المفارقة تتمثل في أن حكومة جاءت باعتبارها حلاً أصبحت طرفاً في التعطيل.

وقال الغرياني إن الدبيبة عندما دخل طرابلس وجد فيها واقعاً أمنياً تسيطر عليه مجموعات مسلحة، مشيراً إلى أن الحكومة عملت على إعادة تشكيل التوازنات السياسية والعسكرية والأمنية في العاصمة، وإبعاد مجموعات مسلحة من خارج طرابلس، قبل أن تستفرد بالمشهد داخل العاصمة وتفرض حالة من الولاء السياسي في غرب البلاد.

وأضاف أن الحكومة المؤقتة دخلت في مواجهات وتوترات مع قيادات في الزاوية، مشيراً إلى أن بعض الشخصيات التي تحدث معها في شهر رمضان الماضي هي ذاتها التي عادت إلى المشهد لاحقاً، وأن الخطاب والمواقف لم تتغير كثيراً، بينما استمرت الدعوات إلى وقف الصراع.

وأشار إلى أن الأوضاع في الزاوية عادت إلى الاقتتال والأحداث التي شهدتها البلاد خلال السنوات الماضية، معتبراً أن بعض الأطراف تبحث حالياً عمن يتدخل لوقف التصعيد أو فك الاشتباك.

وفيما يتعلق بالثقة السياسية، قال الغرياني إن المشكلة لا تتعلق فقط بفقدان رئيس الحكومة المؤقتة الثقة في حلفائه السابقين، وإنما بسياسة عامة تقوم على عدم الثقة، معتبراً أن أي عمل سياسي لا يمكن أن يستمر في ظل غياب الثقة بين الأطراف.

وأكد أن هذا الأمر لا يقتصر على ليبيا، بل إن جميع الأنظمة السياسية والديمقراطيات تقوم على وجود حد أدنى من الثقة والتعامل بين المؤسسات والأطراف السياسية، مشيراً إلى أن غياب هذه الثقة أصبح أحد أسباب تعثر العملية السياسية الليبية.

وأوضح أن القيادة العامة أعلنت في مارس الماضي دعمها للمبادرة والمسار السياسي، وأن اللجنة أعلنت على نحو مباشر عن جهودها، كما عقد القائد العام اجتماعاً مع أعضاء لجنة «4+4» وأكد دعم جهودها، من دون تدخل مباشر في تفاصيل عملها.

وأضاف أن تنازلات عديدة قدمت في مسار القوانين الانتخابية من أجل دفع العملية السياسية خطوة إلى الأمام وتأسيس سلطة جديدة وواقع سياسي جديد، مشيراً إلى أن طبيعة التسوية السياسية تفرض مشاركة الأطراف القوية والفاعلة على الأرض.

وأكد أن دعم الأطراف القوية على الأرض لا يعني بالضرورة الانحياز لطرف بعينه، وإنما يرتبط بطبيعة التسويات السياسية في ليبيا منذ عام 2014، والتي كانت تتطلب إشراك الأطراف السياسية والعسكرية والأمنية الفاعلة.

وقال إن المبادرة الأمريكية أخذت في الاعتبار هذه القوى الفاعلة ورسمت إطاراً لتشكيل السلطة التنفيذية، ولذلك فإن وجود هذه الأطراف ضمن التسوية أمر طبيعي في ظل طبيعة الأزمة الليبية.

وأشار الغرياني إلى أن المسألة تجاوزت في رأيه الأطراف المحلية، خصوصاً أن ليبيا تشهد في الوقت نفسه توترات وتسويات متعددة، معتبراً أن التطورات الدولية الأخيرة تؤكد أن القوى الكبرى تتدخل بصورة مباشرة أو غير مباشرة في تسويات الأزمات الإقليمية.

واستشهد بما جرى في قطاع غزة بعد الدعم الأمريكي لمبادرة السلام، وبالتدخل الأمريكي في سوريا والعراق ولبنان، معتبراً أن وصول الإدارة الأمريكية إلى هذه المناطق وحسم بعض الملفات السياسية فيها يعكس تغيراً في طبيعة الدور الأمريكي.

وأضاف أن وصول هذا الدور إلى شمال أفريقيا وليبيا يعني أن بعض السيناريوهات الدولية قد تتكرر، لكنه شدد على أن ذلك لا يعني بالضرورة وجود وصاية معلنة أو فرض مباشر، وإنما يعكس طبيعة الدور الأمريكي الحالي.

وأكد أن الإدارة الأمريكية تتحرك ضمن إطار مجلس الأمن والمنظومة الدولية، وأن ما يتم الاتفاق عليه أو العمل عليه يكون مطروحاً أمام الدول دائمة العضوية في المجلس، مشيراً إلى أن المبادرة الأمريكية تعمل ضمن إطار أممي ودولي أوسع.

ولفت إلى أهمية المواقف الروسية، مشيراً إلى لقاء نائب القائد العام مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، وكذلك لقاءات جرت في موسكو مع نائب وزير الخارجية الروسي، معتبراً أن هذه التحركات تمثل مؤشرات على انخراط الفاعلين الدوليين في دعم المسار السياسي الليبي.

وقال إن هذه الأطراف تقف خلف جهود المبعوثة الأممية هانا تيته، التي اعتبرها انعكاساً لمجلس الأمن والمنظومة الدولية في ليبيا، مشيراً إلى أن أي دعم روسي أو أمريكي أو دولي لمسار يؤدي إلى انتخابات يمثل عاملاً مهماً في دفع التسوية السياسية.

وأوضح أن المسألة تجاوزت قدرة الأطراف المحلية على تعطيلها، وأن ليبيا تتجه نحو تسوية سياسية وتأسيس حكومة قوية ومجلس رئاسي قوي، استناداً إلى ما تم الاتفاق عليه في المسارات المختلفة.

وأشار إلى وجود انقسام داخلي داخل السلطة التنفيذية نفسها، معتبراً أن بعض الأطراف أصبحت تتحرك خارج التوجه العام، وأن ممثلي الحكومة في لجنة «4+4» لم يكونوا حاضرين في جميع التحركات التي جرت خلال الفترة الأخيرة.

وفيما يتعلق بدور البعثة الأممية، قال الغرياني إنها تمثل انعكاساً لمجلس الأمن والمنظومة الدولية، وإنها أداة تنفيذية للمجلس، بينما تستند مرجعيتها العامة إلى مجلس الأمن والأمين العام للأمم المتحدة، وتتحرك سياسياً ضمن التوجهات التي تحددها الدول دائمة العضوية في المجلس.

وأضاف أن البعثة لم تعارض المبادرة الأمريكية، باعتبار أن الولايات المتحدة دولة عضو في مجلس الأمن، مشيراً إلى أن التسويات الدولية قد تتم أحياناً خارج المجلس ثم تجد طريقها لاحقاً إلى الإطار الأممي.

وأوضح أن تضارب المصالح بين الدول الكبرى موجود في مناطق مختلفة، مستشهداً بالخلافات الفرنسية الروسية في النيجر ومالي، لكنه رأى أن هذه الدول يمكن أن تتقاطع مصالحها في جغرافيا معينة، حتى إذا كانت متعارضة في جغرافيا أخرى، بسبب أهمية المنطقة والأطراف الموجودة فيها.

وأشار إلى التجربة السورية، حيث توجد قاعدة روسية في طرطوس، في وقت تملك فيه الولايات المتحدة نفوذاً وعلاقات مع أطراف أخرى، معتبراً أن وجود تضارب في المصالح بين الدول لا يمنعها من التوافق عندما يتعلق الأمر بتسوية أزمة في جغرافيا محددة.

وأكد الغرياني أن نائب القائد العام عزز، من خلال تحركاته ولقاءاته الدولية، فكرة أن المؤسسة العسكرية الليبية قادرة على التعبير عن نفسها وأن تكون قوة فاعلة في شمال أفريقيا، مشيراً إلى إمكانية أن تكون ليبيا ضمن الدول التي تراهن عليها المنطقة، إلى جانب مصر والجزائر، لاستعادة دورها الاستراتيجي.

وأضاف أن لقاء نائب القائد العام مع الرئيس فلاديمير بوتين، الذي أشار إلى أنه جرى قبل نحو شهر ونصف، لا يمكن تجاهله أو عدم قراءته في سياقه الدولي، معتبراً أنه يعكس رغبة في بناء علاقات مع مختلف الأطراف الدولية وعدم الدخول في خصومة مع أي دولة.

وقال إن الرسالة الأساسية من هذه التحركات تتمثل في أن ليبيا تريد حلاً، وأنها تدعم أي إطار يؤدي إلى إنهاء الأزمة وتوحيد المؤسسات، مشيراً إلى البيانات والمواقف الصادرة عن القيادة العامة والقائد العام، وإلى الجهود المبذولة لدعم أي مسار يؤدي إلى التهدئة والتوافق.

وأشار إلى أن المنظومة الدولية قد تتفق في جغرافيا وتختلف في أخرى، مستشهداً بالحرب في أوكرانيا ومحاولات الولايات المتحدة أن تكون جزءاً من التسوية، ودفع الأطراف نحو الحوار والتفاوض، معتبراً أن هذه التجارب الدولية يجب أن تؤخذ في الاعتبار عند تحليل الأزمة الليبية.

وأكد أن الأزمة الليبية نفسها نشأت في إطار دولي منذ إسقاط النظام السابق، مشيراً إلى دور جامعة الدول العربية والمنظومة الدولية، ثم نشوء شرعيات سياسية جديدة استمدت جانباً من قوتها من الاعتراف الدولي، وبالتالي فإن مجلس الأمن يبقى طرفاً أساسياً في أي تسوية نهائية.

وأضاف أن المجتمع الدولي قد يجد أمامه منتجاً سياسياً جاهزاً يتمثل في مخرجات لجنة «4+4»، يمكن طرحه أمام مجلس الأمن لدعمه ومنحه الشرعية الدولية اللازمة للتنفيذ.

وفي المقابل، شدد الغرياني على أن بعض الأطراف المحلية تحتاج إلى تدخل إقليمي ودولي لوقف حالة الفوضى، مشيراً إلى وجود دول إقليمية ودولية فاعلة في طرابلس، من بينها تركيا التي قال إنها تدعم جهود السلام في ليبيا وتربطها علاقات استراتيجية مع البلاد.

واستشهد بزيارة وزير الخارجية التركي هاكان فيدان إلى طرابلس، قائلاً إن الاشتباكات في الزاوية توقفت خلال وجوده، وإنه دعا إلى وقف تلك الممارسات، قبل أن يصدر رئيس حكومة الوحدة الوطنية المؤقتة بياناً في اليوم التالي، وتتحرك أطراف كانت تقود الاشتباكات إلى طرابلس لتسوية الخلاف.

ورأى أن هذه الواقعة تؤكد وجود أطراف إقليمية قادرة على الضغط والتأثير ووقف الفوضى في غرب البلاد، معتبراً أن بعض الدول الإقليمية تستطيع لعب دور في تهدئة الصراع ودفع العملية السياسية.

وفي الوقت نفسه، قال إن هناك تدخلات إقليمية أخرى تحاول دفع مجلسي النواب والدولة إلى رفض اتفاق «4+4» لتحقيق أهداف معينة، مشيراً إلى أن بعض الدول تراهن على استمرار حالة الفوضى في ليبيا لما توفره من حضور ونفوذ ومصالح.

وأضاف أن استمرار الأزمة الليبية يسمح لبعض الأطراف الإقليمية والدولية بالحفاظ على مواقعها وتأثيرها، بينما يؤدي استمرار الانقسام إلى إطالة أمد الأزمة.

وأوضح أن أي عملية لتشكيل سلطة جديدة تحتاج إلى مراحل واستحقاقات وترتيبات واضحة، تشمل تحديد شكل السلطة ورئاستها ووزرائها والمحاصصة وآليات العمل، مشيراً إلى وجود بروتوكولات وترتيبات سياسية تحكم عملية تشكيل السلطة ومضمونها.

وفي ختام حديثه، رفض الغرياني وصف مواقف رئيس الحكومة المؤقتة بأنها تعني بالضرورة أنه لا يزال قادراً على تعطيل المسار، معتبراً أنها تمثل «النفس الأخير» لاستمرار وجوده في المشهد السياسي، وأن ما يستند إليه من دعم هو منظومة دولية بدأت بالفعل في إعلان موقفها من الواقع الليبي.

وأكد أن المجتمع الدولي اعتبر اتفاق اللجنة المصغرة «أفضل ما يمكن الوصول إليه»، ودعا إلى دعمه وتنفيذه واستمراره، مشيراً إلى إعلان مجلس النواب دعمه لمخرجات «4+4»، وإلى موقف الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش الذي رحب بالاتفاق ودعم ضرورة تنفيذ ما ورد فيه.

وقال إن استمرار الضغط الدولي قد يؤدي إلى تضمين الاتفاق ضمن المسار الرسمي، لأن المجتمع الدولي لا يتعامل فقط مع ما تريده الأطراف، وإنما ينظر إلى مستوى الإنجاز وإمكانية التنفيذ والقدرة على تحقيق النتائج.

وأضاف أن القوى الدولية تبحث عن أطراف قوية وقادرة على التحالف والتنفيذ والعمل المشترك، معتبراً أن هذا هو العامل الذي سيحدد شكل المرحلة المقبلة، وأن المواقف التصعيدية الأخيرة لا تعكس قدرة حقيقية على تعطيل المسار بقدر ما تعكس اقتراب نهاية الدور السياسي لبعض الأطراف في المرحلة المقبلة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى