ليبيا

اللافي: اتفاق 4+4 ومبادرة بولس يسيران الي توحيد المؤسسات والانتخابات

قال الباحث القانوني والسياسي محمد اللافي إن لجنة «4+4» تستند في عملها إلى الاتفاقيات السابقة المتعلقة بالمسار السياسي الليبي، مشيراً إلى أن ليبيا ما تزال خاضعة لرعاية الأمم المتحدة في إطار معالجة النزاعات السياسية بالوسائل السلمية، وأن وجود البعثة الأممية والتوافقات الدولية والتدخلات الخارجية في الأزمة الليبية يرتبط بمحاولات الوصول إلى حل سياسي للانقسام القائم.

وأوضح اللافي، خلال لقائه مع قناة «ليبيا الحدث»، أن مجلس النواب يمضي في مسار ثابت لتدعيم وترسيخ ما تم التوصل إليه داخل لجنة «4+4»، إضافة إلى القوانين التي جرى إعدادها وتضمينها، مشيراً إلى أن المجلس أعلن عقد جلسة يوم 16 من الشهر الجاري في خطوة استباقية تهدف إلى تكثيف دعمه لعمل اللجنة، وتضمين ما تم الاتفاق عليه ضمن الإعلان الدستوري، وإعادة تثبيت هذا الاتفاق ضمن الإطار السياسي والقانوني لمعالجة الأزمة الليبية.

وأضاف أن المشكلة الأساسية التي تعاني منها ليبيا طوال السنوات العشر أو أكثر الماضية تتمثل في استمرار الخصام السياسي بين مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة، معتبراً أن مجلس النواب بدأ يدرك أن بقاءه في المشهد السياسي لن يستمر من دون انتخابات وإعادة هيكلة الدولة بالشكل الصحيح.

وأشار اللافي إلى أن ليبيا تعيش منذ نحو 12 أو 13 عاماً الصراع السياسي ذاته بين الأجسام التشريعية، موضحاً أن القوانين واللوائح التي صدرت خلال هذه السنوات لم تنجح، من وجهة نظره، في إنهاء حالة الانقسام أو الوصول إلى تسوية سياسية نهائية.

وفي السياق ذاته، قال إن البعثة الأممية منحت لجنة «4+4» منذ أبريل الماضي وحتى سبتمبر نحو خمسة أو ستة أشهر للاطلاع على مخرجاتها وما تم الاتفاق عليه، معتبراً أن هذه الفترة كانت كافية لإتاحة فرصة أمام الأطراف لكسب مزيد من الوقت بشأن الاتفاق، من دون أن تفرض البعثة الأممية مدة زمنية محددة لحسم النقاط الخلافية، ولا سيما موقف المجلس الأعلى للدولة.

ورأى اللافي أنه في حال الوصول إلى نقطة يتضح فيها أن المجلس الأعلى للدولة غير قادر على تقديم حجج أو أفكار يمكن تضمينها في الاتفاق السياسي ومخرجات لجنة «4+4»، فإن اجتماع مجلس الأمن في نهاية أكتوبر المقبل سيكون حاسماً في هذا الخلاف، وقد يدفع باتجاه اعتماد اتفاق «4+4» ضمن المسار السياسي.

وأضاف أن قيام مجلس النواب، في 16 من الشهر الجاري، بتضمين وثيقة الاتفاق ضمن الإعلان الدستوري سيمنحه أسبقية في عملية التفاوض، باعتباره طرفاً مؤيداً للاتفاق وباحثاً عن حل للأزمة السياسية، فضلاً عن امتلاكه السلطة التشريعية، بينما يملك المجلس الأعلى للدولة سلطة استشارية وفق الاتفاقات السابقة.

وقال اللافي إن الليبيين «ملّوا من هذه الاتفاقات»، معتبراً أن المجتمع الدولي أيضاً أصبح مرهقاً من التجارب السياسية المتكررة في ليبيا، وأن الخلافات السابقة تحولت إلى وسيلة للمماطلة واستنزاف سيادة الدولة الليبية، مضيفاً أن استمرار التوافقات والاتفاقيات والتدخل المباشر للبعثة الأممية يمثل عاملاً يضعف سيادة الدولة.

وأكد أنه لا يشك في وطنية المجلسين، لكنه يرى أن ما جرى خلال السنوات الـ12 أو الـ14 الماضية يقدم دليلاً على أن الجسمين التشريعيين في ليبيا لم يقدما ما يكفي للمواطن، مشيراً إلى أن المجلس الأعلى للدولة ظل في فترة من الفترات يؤدي دوراً تشريعياً، في حين لم تتمكن الأجسام التشريعية المتعاقبة من تقديم إنجازات ملموسة للمواطنين.

وأوضح أن المواطن الليبي يبحث عن قوت يومه، والوقود، والسيولة النقدية، والبنية التحتية الحقيقية، مشدداً على أن موقفه لا يأتي دفاعاً نرجسياً عن أي طرف، وإنما انطلاقاً مما يراه ضرورياً لتحقيق تطلعات المواطن الليبي وتوفير سبل الحياة.

وفي هذا الإطار، أشار اللافي إلى أن القيادة العامة للجيش الليبي حققت نتائج في الملفات التي أوكلت إليها، لافتاً إلى الإنجازات والوقائع الموجودة في إقليمي برقة وفزان، معتبراً أن ذلك يعطي أملاً بوجود أطراف تبحث عن بناء دولة تتمتع بالسيادة والاستقلالية.

وأضاف أن التجاذبات السياسية بين مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة عمقت الأزمة الليبية، متسائلاً عن الحل الذي يمكن تقديمه للمواطن في ظل استمرار هذه التجاذبات وعدم قدرة الأجسام السياسية على تقديم حلول ملموسة.

وأكد اللافي أن أساس المشكلة يكمن في مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة، معتبراً أن استمرار الخلاف بين المجلسين ساهم في تعطيل أي اتفاق سياسي، رغم أن السلطة التشريعية يفترض أن تكون معنية بإعداد القوانين التي تتوافق مع مصلحة المواطن وتنظم حياته اليومية، إلى جانب تنظيم عمل مؤسسات الدولة وإداراتها.

وقال إن ليبيا تعاملت على مدى 14 أو 16 عاماً مع هذين المجلسين، سواء في إطار السلطة التشريعية أو غيرها من الأدوار، من دون أن ينتهي الخلاف بينهما، واصفاً المسار السياسي بأنه «ماراثون طويل» أدى إلى حالة من الإرهاق وفقدان الأمل في إمكانية الوصول إلى اتفاق سياسي بين الجسمين التشريعيين.

وأوضح اللافي أن المجتمع الدولي والدول المنخرطة في الملف الليبي تبحث قبل كل شيء عن مصالحها، وكذلك الأطراف الإقليمية والدولية التي ترتبط مصالحها بما يمكن أن تحققه من موارد ومكاسب اقتصادية.

وأشار إلى أن الولايات المتحدة تبحث عن الاستقرار في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، ومن ضمنها ليبيا، في ظل أزمة مضيق هرمز والصراع بين إيران ودول الخليج والولايات المتحدة، فضلاً عن تداعيات التوترات التي شهدتها المنطقة خلال الفترة الماضية، معتبراً أن واشنطن لديها مصالح في الحصول على النفط الليبي دون مشكلات.

كما لفت إلى أن منطقة البحر الأبيض المتوسط، بما فيها فلسطين وجنوب أوروبا وإيطاليا، ترتبط بمصالح تتعلق بالطاقة، موضحاً أن إيطاليا تبحث عن ضمان وصول الغاز من دون إشكالات أو صراعات عسكرية قد تهدد اقتصادها أو إمداداتها.

وأضاف أن هذه المصالح الدولية كانت من بين العوامل التي أسهمت في الدفع باتجاه اتفاق «4+4»، معتبراً أنه يتكامل كذلك مع مبادرة المبعوث الأمريكي مسعد بولس، وأن المسارين يتحركان في الاتجاه ذاته.

ورأى اللافي أن المطلوب هو الوصول إلى توافق حقيقي داخل لجنة «4+4»، والعمل على إنشاء حكومة موحدة، إلى جانب تشكيل مجلس رئاسي جديد أو إعادة تشكيل المجلس القائم وفق التطورات الأخيرة، مع تضمين مخرجات لجنة «4+4» في الإعلان الدستوري من جانب مجلس النواب.

وشدد على أن استمرار المماطلة وعدم الوصول إلى حل سياسي سريع ينعكس بصورة مباشرة على حياة المواطن الليبي، الذي يعاني في الحصول على احتياجاته الأساسية، مشيراً إلى استمرار الأزمات الاقتصادية، وشح الوقود ومشتقاته النفطية، إلى جانب انقطاع الكهرباء على فترات متفاوتة.

وأكد أن هذه الملفات الاقتصادية تمثل أولوية بالنسبة للمواطن الذي يبحث عن حياة معيشية مستقرة، في ظل استمرار الانقسام السياسي والتجاذبات بين المجلسين.

وفي ملف آخر، قال اللافي إن الانقسام طال المؤسسة القضائية أيضاً، مشيراً إلى أن لجنة «4+4» والبعثة الأممية تناولتا هذا الملف، وشددتا على ضرورة توحيد المؤسسة القضائية وعدم المساس بها أو إدخالها في التجاذبات السياسية.

وأضاف أنه لا يمكن إجراء انتخابات في ليبيا في ظل استمرار انقسام القضاء ووجود مؤسسات قضائية في بنغازي وطرابلس، معتبراً أن هذه الملفات من القضايا الشائكة التي نوقشت وحددت ضمن أعمال لجنة «4+4» وحظيت باهتمام البعثة الأممية.

وأعرب عن انتظار صدور ما تم الاتفاق عليه داخل اللجنة خلال الأيام المقبلة، ولا سيما مع نهاية أكتوبر، سواء عبر اعتماد المخرجات أو تضمينها في قرار صادر عن مجلس الأمن، معتبراً أن ذلك يمكن أن يعيد الثقة في المسار الأممي وقدرة البعثة على الوصول إلى حل سلمي وسياسي للأزمة الليبية.

وانتقل اللافي إلى تقييم التجارب السابقة للبعثة الأممية والتدخلات الدولية في ليبيا، قائلاً إن الليبيين لديهم «تجربة مريرة» مع المسارات الأممية والتدخلات الدولية منذ سنوات، مستشهداً بما جرى خلال عامي 2020 و2021، واتفاق برلين والمسار الذي كان يفترض أن يقود إلى الانتخابات، قبل أن تتعثر تلك الترتيبات.

وأشار إلى أن التطورات التي أعقبت اتفاق برلين، ولا سيما ما ارتبط بحكومة الوحدة الوطنية المؤقتة برئاسة عبد الحميد الدبيبة، مثلت نقطة مفصلية في مسار الأزمة، معتبراً أن حكومة الوحدة الوطنية المؤقتة التي كان يفترض أن تكون جزءاً من الحل تحولت إلى أحد عناصر الأزمة السياسية والانقسام المؤسسي.

وأوضح أن ليبيا تقف حالياً أمام محطة جديدة تتمثل في وثيقة لجنة «4+4»، معتبراً أن مبادرة المبعوث الأمريكي مسعد بولس تتحرك إلى جانبها وبشكل متوازٍ، وأن هناك تقاطعاً بين المبادرتين في عدد من النقاط.

وقال إن موعد 30 أكتوبر المقبل قد يكون محطة حاسمة بالنسبة للبعثة الأممية، من خلال طرح أو اعتماد اتفاق «4+4» باعتباره أحد الحلول السياسية المطروحة، مشيراً إلى إمكانية فرض عقوبات على الأطراف التي تعرقل تنفيذ الاتفاق.

وفي المقابل، رفض اللافي التقليل من أهمية المبادرة الأمريكية، مؤكداً أن الولايات المتحدة دولة ذات نفوذ كبير على المستوى الدولي، ولها دور أساسي داخل مجلس الأمن والجمعية العامة للأمم المتحدة، فضلاً عن قدرتها على التأثير في القرارات الدولية، ولذلك يصعب أن تتجاهل الأطراف الدولية مبادرة مسعد بولس.

وأضاف أن المبادرة الأمريكية ترتبط أيضاً بمصالح الولايات المتحدة، التي تبحث عن حلفاء جدد في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بما يخدم اقتصادها ومصالحها الاستراتيجية، مؤكداً أن واشنطن لا تريد استمرار الإشكالات والصراعات المسلحة في ليبيا.

وقال إن ليبيا عانت منذ عام 2011 من الانقسامات والصراعات المسلحة، مشيراً إلى أن استمرار المواجهات العسكرية والتشكيلات المسلحة يمثل أحد أبرز أسباب الأزمة، منتقداً في الوقت نفسه وجود أطراف تتحدث عن رفض حكم العسكر في الوقت الذي توجد فيه مجموعات مسلحة تستخدم السلاح وتفرض نفوذها في غرب البلاد.

وأشار اللافي إلى أن عبد الحميد الدبيبة، الذي كان يفترض أن يكون جزءاً من الحل، أصبح طرفاً رئيسياً في استمرار الانقسام السياسي والمؤسسي، مضيفاً أن سنوات مرت منذ توليه رئاسة حكومة الوحدة الوطنية المؤقتة، فيما استمرت الخلافات حول المناصب السيادية والمؤسسات.

وختم اللافي بالتأكيد على أن مختلف المسارات والحوارات الجارية، بما فيها لجنة «4+4» والمبادرات الدولية، تبحث في النهاية عن هدف واحد يتمثل في توحيد المؤسسات الليبية وإنهاء الانقسام، بما يمهد للوصول إلى انتخابات عامة ووضع حد للمرحلة الانتقالية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى