العيادي: ليبيا مفتاح التوازنات الإقليمية وشريك استراتيجي لأوروبا وفرنسا
أكد المستشار السابق بالبرلمان الأوروبي، عبد الغني العيادي، أن أي زيارة سياسية رفيعة المستوى إلى ليبيا، لا يمكن قراءتها كحدث بروتوكولي معزول، بل يجب فهمها ضمن سياق التحولات الدولية الكبرى وإعادة تشكل التوازنات الجيوسياسية والصراعات والتقاطبات العالمية.
وأوضح العيادي، في حديث لتلفزيون «المسار»، رصدته «الساعة 24»، أن العالم يعيش مرحلة إعادة تموضع للقوى الدولية داخل فضاءات حضارية وسياسية متعددة، مشيراً إلى وجود تنافس ناعم داخل المعسكر الغربي بين الولايات المتحدة وأوروبا، حيث تسعى الأخيرة إلى بلورة رؤية أكثر استقلالية تجاه عدد من الملفات، وفي مقدمتها الملف الليبي.
وأضاف أن الحديث عن قوة فرنسا في المستقبل لا يمكن فصله عن قوة شمال أفريقيا، كما لا يمكن الحديث عن شمال أفريقيا دون ليبيا، باعتبارها دولة محورية تمتلك ثقلاً جيوسياسياً واستراتيجياً يجعلها شريكاً أساسياً في الرؤية الأوروبية الجديدة.
وأشار العيادي، إلى أن المقاربة الغربية تجاه ليبيا تنقسم إلى مسارين؛ الأول تقوده الولايات المتحدة والأمم المتحدة ويرتكز على البناء المؤسسي والقانوني، بينما تعتمد فرنسا وعدد من الدول الأوروبية مقاربة أوسع تجمع بين دعم المؤسسات والحوار السياسي والإصلاحات والمصالحة إلى جانب البعد الاقتصادي والاستثماري.
ولفت إلى أن ليبيا تمثل أهمية متزايدة لفرنسا في ملف الطاقة، خصوصاً في ظل تداعيات الحرب في شرق أوروبا على أمن الطاقة، كما أكد أن الجنوب الليبي يحظى بأولوية خاصة في ملفات مكافحة الإرهاب والهجرة غير النظامية.
وأكد العيادي، أن ليبيا تمثل نقطة ارتكاز بين شمال أفريقيا والساحل والصحراء، ما يجعلها بوابة استراتيجية نحو العمق الأفريقي، في وقت تسعى فيه فرنسا لإعادة صياغة حضورها داخل القارة على أساس الشراكة والندية.
وأضاف أن هناك تحولاً في العقلية السياسية الفرنسية تجاه دول الجنوب، يقوم على قناعة بأن الشراكات المستدامة لا تنجح إلا على أساس احترام السيادة والمصالح المشتركة بعيداً عن المقاربات التقليدية السابقة.
وقال إن فرنسا باتت تدرك أن قوتها مرتبطة بقوة واستقرار حلفائها، وأن استقرار ليبيا يمثل مصلحة مشتركة للطرفين في مجالات الأمن والطاقة والتنمية والتعاون الاقتصادي.
وتوقع العيادي، أن تشهد السنوات المقبلة تحولات مهمة في الملف الليبي، معرباً عن تفاؤله بأن عام 2027 قد يكون عاماً مفصلياً في مسار التسوية السياسية، في ظل تزايد الإرادة الدولية الداعمة للحل الشامل وأوضح أن بعض القيادات الليبية تمتلك “ذكاءً استراتيجياً” يمكنها من استثمار التباينات بين المواقف الأمريكية والأوروبية، معتبراً أن هذه الاختلافات تعكس تبايناً في الأدوات لا في الأهداف.
وأشار العيادي، إلى أن التحركات الفرنسية تندرج ضمن الإطار الأوروبي العام، حيث تتقاطع السياسات داخل الاتحاد الأوروبي حول ملفات الهجرة والأمن والاستقرار في شمال أفريقيا، بما في ذلك ليبيا وفي المقابل، رأى أن المقاربة الأمريكية تتسم بطابع مؤسسي وقانوني يركز على شرعنة الواقع عبر أطر الأمم المتحدة، مع اعتماد على الشرعية الدولية كمدخل أساسي للتعامل مع الأزمة الليبية.
وأضاف أن التحركات الأممية المرتقبة قد تفضي إلى توافق دولي نسبي حول خطة عمل مرحلية، رغم استمرار التباينات بين الأطراف الفاعلة، كما تطرق إلى التنافس الإقليمي بين مصر وتركيا ودول أخرى، معتبراً أنه يظل في إطار منافسة سياسية يمكن أن تكون إيجابية إذا التزمت قواعد السيادة والشفافية.
وختم العيادي، بالتأكيد على أن استمرار الجمود في ليبيا لا يخدم أي طرف دولي، بل يفتح المجال أمام قوى أخرى لإعادة التموضع في شمال أفريقيا، داعياً إلى مقاربة جديدة تقوم على الاستقرار المشترك باعتباره مصلحة متبادلة بين ليبيا وشركائها الدوليين.









