ليبيا

عمر بواسعيدة: اجتماع «4+4» انتقل من إدارة أزمة إلى هندسة الحل السياسي

 

أكد المحلل السياسي عمر بواسعيدة أن الاجتماع السابع للجنة «4+4» يمثل تحولًا نوعيًا في مسار العملية السياسية الليبية، موضحًا أنه لم يعد يقتصر على إدارة الأزمة أو معالجة الانسداد السياسي، بل انتقل إلى مرحلة «هندسة حل سياسي» قائم على آليات تنفيذية واضحة تستند إلى توافقات محلية مدعومة بزخم دولي، وعلى رأسه الدعم الأمريكي، بما يعزز فرص الوصول إلى تسوية سياسية شاملة.

وأوضح بواسعيدة، خلال مع تلفزيون المسار رصدته “الساعة24″، أن ما يميز الجولة الحالية هو توافر إرادة محلية ودولية متزامنة للدفع بالملف الليبي إلى الأمام، مشيرًا إلى أن الولايات المتحدة تقود حراكًا دبلوماسيًا يهدف إلى خلق حالة من التوافق بين الفاعلين المحليين والدوليين، في ظل المتغيرات الإقليمية المتسارعة التي تشهدها منطقة البحر المتوسط، والتي تجعل من تحقيق الاستقرار في ليبيا أولوية دولية.

وأضاف أن مختلف الأطراف باتت تدرك أن المنطقة تحتاج إلى قدر من الهدوء والاستقرار، وهو ما يستوجب معالجة جذور الأزمة السياسية الليبية بصورة عملية، لافتًا إلى أن هذا المسار بدأ بالفعل عبر خطوات متتالية شملت التوصل إلى موازنة موحدة بعد أكثر من ثلاثة عشر عامًا من الانقسام، معربا عن أمله بالانتقال إلى معالجة الملفات الأمنية والعسكرية، وصولًا إلى اللقاءات السياسية الجارية، التي وصفها بأنها خطوات عملية حقيقية تعكس تقدمًا ملموسًا على الأرض بدعم من المجتمع الدولي.

وأشار إلى أن الاجتماعات الحالية تجاوزت الطابع النظري، وأصبحت تركز على العمل المباشر مع الأطراف الفاعلة، بما في ذلك ممثلون عن مجلس النواب وحكومة الوحدة الوطنية، معتبرًا أن هذه المؤشرات تعكس وجود رغبة حقيقية وزخم سياسي متزايد لإنجاز تسوية، رغم استمرار بعض العقبات والخلافات، مؤكدًا أن تلك التحديات لا تعني تعطل المسار السياسي، بل إن ما تحقق خلال الفترة الماضية يعكس تقدمًا يمكن البناء عليه خلال المرحلة المقبلة.

ورأى بواسعيدة أن الإعلان المرتقب عن نتائج الاجتماعات المقبلة قد يشكل مؤشرًا على توصل الأطراف إلى تفاهمات سيتم الإعلان عنها رسميًا، تمهيدًا للانتقال إلى مرحلة أكثر عملية في تنفيذ مخرجات الحوار السياسي.

وفيما يتعلق بملف المفوضية الوطنية العليا للانتخابات، شدد بواسعيدة على أن تشكيل مجلس المفوضية يمثل حجر الأساس لأي مرحلة انتقالية جديدة، باعتبارها الجهة المسؤولة عن إدارة العملية الانتخابية وإنتاج سلطة تشريعية وتنفيذية تتمتع بالشرعية الشعبية، مؤكدًا أن أي انتقال سياسي ناجح يبدأ أولًا بوجود مفوضية مستقلة تحظى بتوافق جميع الأطراف السياسية.

وأوضح أن استكمال تشكيل المفوضية سيؤدي إلى إنهاء واحدة من أبرز الذرائع التي استخدمتها الأطراف المتنافسة خلال السنوات الماضية لتعطيل العملية السياسية، مبينًا أن التوافق على مجلس المفوضية سيتيح الانتقال إلى إعداد القوانين الانتخابية القابلة للتنفيذ، ثم تحديد موعد الانتخابات واستكمال الإجراءات الفنية اللازمة.

وأضاف أن الضغوط الدولية، إلى جانب توافق أعضاء لجنة «4+4»، أسهما في تحقيق تقدم سريع بشأن آلية اختيار مجلس المفوضية، مشيرًا إلى أن اختيار رئيس المفوضية سيكون الخطوة التالية بعد الاتفاق على الآلية، خاصة أن المنصب يتطلب شخصية ذات خبرة قانونية وفنية قادرة على قيادة المؤسسة خلال المرحلة المقبلة، يلي ذلك استكمال تشكيل مجلس الإدارة، بما يسمح للمفوضية بالبدء في تنفيذ اختصاصاتها.

وأكد أن وجود مفوضية مكتملة التشكيل سيمنح العملية الانتخابية شرعية أكبر، ويحد من الطعون والتشكيك في نتائجها، كما سيمثل جسرًا آمنًا للانتقال من المراحل الانتقالية المتعاقبة إلى مرحلة دائمة قائمة على انتخابات رئاسية وبرلمانية تنهي حالة الانقسام السياسي.

وفي حديثه عن المبادرة الأمريكية، اعتبر بواسعيدة أنها تمثل فرصة حقيقية لكسر حالة الجمود السياسي، موضحًا أن واشنطن أبدت رغبة واضحة في تحقيق تقدم ملموس في الملف الليبي ضمن أولويات الإدارة الأمريكية، خاصة في ظل التوترات الإقليمية المتصاعدة، والحاجة إلى تحقيق إنجازات سياسية في عدد من الملفات الدولية.

وأوضح أن ليبيا تعد من أكثر الملفات قابلية للوصول إلى تسوية، خاصة مع الحاجة إلى ترسيخ الاستقرار في حوض البحر المتوسط والعمق الإفريقي، إضافة إلى ارتباط الملف الليبي بأمن الطاقة والتداعيات الناتجة عن الحرب الروسية الأوكرانية والأزمات المتصاعدة في منطقة الشرق الأوسط، وهي عوامل دفعت القوى الدولية إلى تكثيف جهودها لإيجاد حل سياسي مستدام.

وأضاف أن المبادرة الأمريكية تمتلك أدوات ضغط سياسية ودبلوماسية واقتصادية وأمنية قادرة على دعم العملية السياسية، مشيرًا إلى أنها تستند إلى شراكة مع الأمم المتحدة، وإلى توافق دولي متزايد على ضرورة إنهاء الأزمة الليبية عبر حل يستند إلى توافق داخلي يضمن تنفيذ مخرجات الحوار السياسي بصورة فعلية.

وحول السيناريو المتوقع في حال نجاح اجتماع تونس، أوضح بواسعيدة أن الأولوية تتمثل في التوصل إلى اتفاق نهائي بشأن تشكيل المفوضية الوطنية العليا للانتخابات، باعتبارها الخطوة الأولى نحو استكمال بقية الاستحقاقات السياسية.

وأشار إلى أن المفوضية، بعد تشكيلها، ستتولى تنفيذ القوانين والقاعدة الدستورية التي يتم التوافق عليها، قبل الانتقال إلى تنظيم الانتخابات البرلمانية والرئاسية، بالتزامن مع تشكيل حكومة تنفيذية موحدة ذات مهام محددة ومؤقتة، تتولى تنفيذ مخرجات الاتفاق السياسي والإشراف على المرحلة الانتقالية حتى إجراء الانتخابات.

وختم بواسعيدة بالتأكيد على أن نجاح اجتماعات لجنة «4+4» في الانتقال من مرحلة المشاورات إلى مرحلة التفاهمات العملية سيقود إلى تشكيل حكومة موحدة وإنجاز الاستحقاقات الانتخابية، بما يفتح الباب أمام إنهاء المراحل الانتقالية وإرساء مؤسسات دائمة تستند إلى الشرعية الانتخابية، وهو ما سينعكس إيجابًا على استقرار الدولة وتحسين الأوضاع العامة في البلاد.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى