اخبار مميزةليبيا

البوري: أزمة ليبيا ليست نقص الدولار

رأى الخبير المصرفي نعمان البوري أن الأزمة الاقتصادية التي تمر بها ليبيا لا ترتبط أساسًا بنقص الدولار، بقدر ما تعكس أزمة في إدارة الموارد العامة، وضعف الثقة، والسياسة المالية، محذرًا من أن ضخ المزيد من العملة الأجنبية في السوق أو خفض قيمة الدينار مجددًا لن يعالج جذور الأزمة.

وقال البوري، عبر حسابه على «فيسبوك»، إن تقييم صندوق النقد الدولي لليبيا في أبريل 2026 خلص إلى أن العجز المالي الكبير يضغط على سعر الصرف والاحتياطيات والتضخم، وأن تدخلات مصرف ليبيا المركزي لا يمكن أن تشكل حلًا دائمًا بمفردها.

وأكد أن الخطوة الأولى للإصلاح تتمثل في توحيد السياسة المالية، من خلال وجود ميزانية ليبية واحدة، وإيراد نفطي واحد، وإنفاق حكومي موحد يخضع للرقابة والشفافية، مشددًا على أنه لا يمكن للمصرف المركزي الدفاع عن الدينار في ظل توسع الإنفاق العام دون سقف واضح.

ودعا البوري إلى وقف تمويل العجز وخلق النقود، موضحًا أن استمرار الإنفاق الحكومي بما يتجاوز الإيرادات الحقيقية يؤدي في النهاية إلى انتقال الضغوط من الدينار إلى الدولار ثم الأسعار والقوة الشرائية للمواطن.

وفي ملف الدعم، شدد على ضرورة إصلاح منظومة الدعم بدلًا من إلغائها بصورة مفاجئة، مقترحًا تحويل الدعم السلعي إلى دعم نقدي مباشر ومستهدف، مع حماية محدودي الدخل، وتقليص الهدر والتهريب، وإعادة توجيه الموارد نحو الاستثمار والخدمات.

وأشار إلى أن دعم الطاقة، وفق تقديرات صندوق النقد الدولي التي أوردها، يقدر بنحو 20% من الناتج المحلي، فيما تبلغ فاتورة الأجور نحو 30% من الناتج.

وفيما يتعلق بسعر الصرف، قال البوري إن خفض قيمة الدينار بنسبة 14.7% في يناير 2026 إلى 6.3759 دينار للدولار أظهر أن تخفيض قيمة العملة وحده لا يكفي، داعيًا إلى العمل تدريجيًا للوصول إلى سعر صرف موحد وقابل للاستدامة.

وشدد على أن توحيد سعر الصرف يجب أن يكون نتيجة للإصلاح وليس بديلًا عنه، مؤكدًا ضرورة معالجة أسباب الفجوة بين السعر الرسمي والسوق الموازية.

كما دعا إلى إعادة هيكلة قطاع النفط وإدارة عائداته بصورة مختلفة، معتبرًا أن ارتفاع الإنتاج النفطي وأسعار النفط نسبيًا يمثل فرصة أمام ليبيا، لكن استخدام الإيرادات الإضافية لزيادة الإنفاق الجاري قد يعيد إنتاج الأزمة عند تراجع الأسعار.

واقترح تقسيم الإيرادات النفطية إلى ثلاثة مسارات رئيسية، تشمل الإنفاق الجاري الضروري، وإنشاء صندوق للاستقرار والاحتياطي، وتخصيص جزء للاستثمار التنموي، مع عدم استخدام الإيرادات النفطية الاستثنائية لتمويل زيادات دائمة في الرواتب والمصروفات.

وأكد البوري أن ليبيا بحاجة إلى تحويل النفط من مصدر لتمويل الدولة إلى محرك للاقتصاد، عبر توجيه الاستثمارات إلى قطاعات الكهرباء والطاقة المتجددة، والبنية التحتية، والزراعة والصناعات الغذائية، واللوجستيات والموانئ، والسياحة، والاتصالات والتكنولوجيا، والخدمات المالية، والصناعات المرتبطة بالنفط والغاز.

وأضاف أن ذلك يتطلب أيضًا تقليص هيمنة الدولة وتهيئة بيئة أفضل للقطاع الخاص، بما يسمح بتحويل جزء من العائدات النفطية إلى استثمارات منتجة تساهم في خلق مصادر دخل خارج القطاع النفطي.

وفي القطاع المصرفي، دعا البوري إلى تفعيل دور المصارف في تمويل الشركات والمشروعات الإنتاجية بدل اقتصارها على صرف الرواتب وتمويل الاستهلاك، مشيرًا إلى أهمية التكنولوجيا المالية والمدفوعات الرقمية والتقييم الائتماني والسجلات الائتمانية في تسهيل حصول القطاع الخاص على التمويل.

كما شدد على أهمية استقلالية مصرف ليبيا المركزي، خصوصًا في ظل ما وصفه باستقالة المحافظ ناجي عيسى التي أُعلن عنها في 10 أغسطس 2026، مؤكدًا ضرورة أن يكون المصرف مؤسسة مهنية مستقلة وألا يتحول إلى أداة لتمويل الحكومة أو طرف في الصراع السياسي.

وأوضح أن مهام المصرف المركزي ينبغي أن تتركز على استقرار الأسعار، وحماية الاحتياطيات، وضمان سلامة القطاع المصرفي، وانتهاج سياسة نقدية مستقلة.

وختم البوري بالتأكيد على أن ليبيا لا تحتاج فقط إلى إصلاح اقتصادي، بل إلى «عقد اقتصادي جديد» بين الدولة والمواطن، ينتقل بالاقتصاد من نموذج يعتمد على النفط لتمويل الرواتب والدعم والاستهلاك والاستيراد، إلى نموذج يقوم على توظيف عائدات النفط في الاستقرار المالي والاستثمار، ودعم القطاع الخاص والإنتاج والصادرات وخلق فرص العمل وتنويع الاقتصاد.

وحذر من أن خفض قيمة الدينار مرة ثالثة، دون تغيير حجم الإنفاق الحكومي وطريقة إدارة النفط والدعم والمصارف، لن يكون سوى تأجيل للأزمة وليس حلًا لها.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى