الديباني: دعم تركيا للمبادرة الأمريكية تحول مهم في الملف الليبي

قال المحلل السياسي عبدالله الديباني إن زيارة وزير الخارجية التركي إلى بنغازي تمثل تحولاً لافتاً في السياسة التركية تجاه الملف الليبي، معتبراً أنها لا تندرج في إطار العلاقات الثنائية فقط، وإنما تعكس انفتاح أنقرة على مختلف القوى الفاعلة في ليبيا، وتوجهها للعب دور الوسيط الإقليمي في مسار توحيد المؤسسات ودعم المبادرة الأمريكية الرامية إلى تحقيق الاستقرار السياسي في البلاد.
وأوضح الديباني، في لقائه مع تلفزيون المسار، رصدته صحيفة الساعة 24، أن زيارة المسؤول التركي إلى بنغازي، بعد زيارته طرابلس، تحمل دلالات سياسية واستراتيجية مهمة، باعتبار أن اللقاء مع القيادة العامة يمثل تحولاً في معالم السياسة الخارجية التركية تجاه الملف الليبي، ويعكس تجاوزاً للانقسام الأيديولوجي السابق والانتقال إلى سياسة أكثر براغماتية تقوم على التعامل مع القوى الفاعلة على الأرض.
وأشار إلى أن تركيا، التي كانت حليفاً أساسياً للسلطات في غرب ليبيا، تتجه اليوم إلى الانفتاح على القيادة العامة والقوى الموجودة في شرق البلاد، انطلاقاً من ارتباط ذلك بمصالحها الاقتصادية والأمنية والإقليمية، مؤكداً أن أنقرة تسعى من خلال هذه السياسة إلى أن تكون طرفاً فاعلاً في كامل التراب الليبي وليس في جزء محدد منه.
وأضاف أن دعم تركيا للمبادرة الأمريكية لا يمكن النظر إليه بمعزل عن التحولات الدولية والإقليمية في الملف الليبي، موضحاً أن أنقرة بدأت تضع نفسها ضمن الأطراف الداعمة للمسار الأمريكي، وهو ما يعكس وجود توجه دولي متزايد للانضمام إلى المبادرة أو دعمها، خصوصاً بعد إعلان تركيا بشكل واضح تأييدها لهذا المسار.
وأكد الديباني أن تركيا تسعى قبل كل شيء إلى تأمين مصالحها الاقتصادية والأمنية، وفي مقدمتها حصتها من المشاريع الاستثمارية وإعادة الإعمار في شرق ليبيا، إلى جانب حماية الاتفاقيات المتعلقة بالتعاون البحري والتنقيب عن الطاقة في شرق المتوسط، وذلك عبر بناء تفاهمات مشتركة مع القيادة العامة التي تسيطر على مناطق واسعة من إقليم برقة.
ولفت إلى أن المصالح التركية لا تقتصر على الجانب الاقتصادي، وإنما تشمل أيضاً ملفات أمن الحدود والهجرة ومكافحة الجريمة المنظمة، خصوصاً في ظل ارتباط شرق ليبيا بمحيط إقليمي يضم مصر والسودان ودولاً أخرى، مشيراً إلى أن أي تفاهم تركي مع القيادة العامة يمكن أن يساهم في حماية المصالح التركية على المستويين الاقتصادي والأمني.
ورأى أن التحركات التركية تأتي في وقت تشهد فيه المنطقة إعادة ترتيب للأوراق الإقليمية والدولية، بالتزامن مع قرب استكمال الاستحقاقات السياسية التي يجري الحديث عنها دولياً، معتبراً أن الانفتاح التركي على القوى الفاعلة في شرق ليبيا قد يؤسس لدور أكبر لأنقرة في ترتيبات المرحلة المقبلة.
وفي السياق ذاته، قال الديباني إن الولايات المتحدة بدأت تعيد ترتيب المشهد السياسي الليبي من خلال التركيز على بناء تحالف دولي واسع لدعم الاستقرار، موضحاً أن واشنطن لا تسعى إلى فرض مسار أمريكي منفرد في ليبيا، وإنما تعمل على جمع الدول المؤثرة والمتدخلة في الملف الليبي ضمن إطار مشترك.
وأشار إلى أن إعلان كل من تركيا وباكستان دعمهما للمبادرة الأمريكية، إلى جانب رغبة الدولتين في لعب دور الوسيط بين الأطراف الليبية، يعكس اتساع دائرة التحالف الدولي الداعم للمسار الجديد، مؤكداً أن هذا التحالف قد يضع الدول التي ترغب في استمرار حالة التأزيم السياسي خارج المعادلة الدولية الجديدة.
وأوضح أن واشنطن تسعى إلى تحقيق الأمن والاستقرار في ليبيا عبر تحالف دولي، وليس من خلال تحرك أمريكي منفرد، مشيراً إلى أن بعض الدول المتدخلة في الشأن الليبي قد لا ترى أن الاستقرار يخدم مصالحها، وبالتالي قد تتردد في الانخراط في هذا المسار.
وأضاف أن الأطراف الليبية الداخلية ستجد نفسها أيضاً أمام معادلة جديدة، بحيث يصبح من يسعى إلى الاستقرار جزءاً من المسار الدولي الداعم للحل، بينما قد تواجه الأطراف التي تتعمد تعطيل التسوية إجراءات وضغوطاً أمريكية، بما في ذلك العقوبات التي تستند إلى التشريعات الأمريكية المتعلقة باستقرار ليبيا.
وفي هذا الإطار، أشار الديباني إلى قانون استقرار ليبيا الصادر عن الكونغرس الأمريكي عام 2021، معتبراً أن واشنطن تملك أدوات قانونية لمعاقبة من يعرقل الاستقرار أو ينهب الثروات الليبية، وأن السياسة الأمريكية الحالية تبدو سياسة ممنهجة تقوم على تحقيق أهداف متدرجة وصولاً إلى تسوية سياسية شاملة.
واعتبر أن الزيارة التركية الأخيرة تمثل مؤشراً واضحاً على توجه أنقرة لتكون جزءاً أصيلاً من عملية الوساطة، بالتوازي مع بدء التحضيرات النهائية للمرحلة المقبلة، مؤكداً أن هذا المسار قد يؤدي إلى خلق زخم جديد في المشهد السياسي الليبي، سواء عبر التقارب بين الأطراف أو من خلال تحركات قد تهدف إلى خلط الأوراق قبل الوصول إلى الترتيبات النهائية.
وحذر الديباني من أن المرحلة المقبلة قد تشهد مزيداً من الأحداث الأمنية والاشتباكات، خصوصاً في المناطق التي تسيطر عليها أو تؤمّنها القيادة العامة، معتبراً أن أي اضطرابات أمنية يمكن أن تؤثر في مسار التسوية أو تستخدمها بعض الأطراف بهدف تحسين مواقعها التفاوضية قبل الدخول في المرحلة النهائية من العملية السياسية.
وأكد أن البيان التركي الواضح بشأن دعم المبادرة الأمريكية يمثل عاملاً مهماً في فهم التحول الجاري، معتبراً أن هناك استراتيجية أمريكية لإعادة هندسة المشهد السياسي الليبي من خلال الاستعانة بالدول الإقليمية الفاعلة، وفي مقدمتها تركيا، بما يسمح بخلق شبكة دولية وإقليمية داعمة لمسار الاستقرار.
وفيما يتعلق بالعلاقة بين المبادرة الأمريكية والمسار الذي تقوده بعثة الأمم المتحدة، أوضح الديباني أن التحركات التركية والأمريكية تبدو متجهة نحو نقاط مشتركة، رغم وجود مسارين مختلفين في الشكل، مؤكداً أن هناك وعياً دولياً متزايداً بأن استمرار حالة «لا سلم ولا حرب» والانقسام الحكومي والمؤسسي لم يعد مقبولاً بالنسبة للمجتمع الدولي.
وأشار إلى أن التطورات الإقليمية والدولية، بما فيها الاضطرابات في الشرق الأوسط والخليج العربي والحرب الروسية في أوكرانيا، دفعت القوى الدولية إلى البحث عن مناطق أكثر استقراراً، معتبراً أن ليبيا تمثل جزءاً مهماً من معادلة الاستقرار الإقليمي والدولي، خصوصاً في ظل المخاوف من اتساع الأزمات الاقتصادية والأمنية.
وأضاف أن الدبلوماسية التركية والأمريكية تعملان على الجمع بين التحركات الميدانية والضغط السياسي، موضحاً أن زيارة وزير الخارجية التركي إلى بنغازي تميزت بالتواصل المباشر مع مختلف الفاعلين على الأرض، معتبراً أن الانفتاح على أطراف الشرق والغرب معاً يمكن أن يساهم في تقريب وجهات النظر وتهيئة الظروف اللازمة للترتيبات السياسية المقبلة.
كما رأى أن التحركات الأمريكية توفر غطاءً سياسياً للضغط الدولي من أجل تمرير التسوية، مؤكداً أن المبادرة الأمريكية لا تبدو منفصلة عن الجهود الأممية، وإنما يمكن أن تتقاطع معها في عدد من الملفات، خصوصاً ما يتعلق بتوحيد المؤسسات وإجراء الانتخابات وإنهاء حالة الانقسام.
وبشأن اجتماعات لجنة «4+4»، أوضح الديباني أنها يمكن أن تشكل جزءاً مهماً من عملية الترتيبات السياسية، معتبراً أن هذه الآلية ظهرت في ظل عدم تحقيق المسارات السابقة النتائج المطلوبة، وأنها تسعى إلى إشراك الأطراف الليبية ذات الصفة السيادية، وفي مقدمتها مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة، إلى جانب المؤسسات المعنية بالانتخابات والترتيبات الأمنية.
وأضاف أن مسار «4+4» يمكن أن يتكامل مع المبادرة الأمريكية، خصوصاً في الملفات المتعلقة بالترتيبات الأمنية والعسكرية وتوحيد المؤسسات، وإنشاء آليات مشتركة لحماية الحدود ومكافحة الجريمة المنظمة، فضلاً عن توحيد آليات العمل بين المؤسسات العسكرية والأمنية في شرق البلاد وغربها.
وأوضح أن المبادرة الأمريكية تتضمن مرحلة مؤقتة يمكن خلالها ترتيب المؤسسات والموارد، وإنشاء هياكل مشتركة للتعامل مع الملفات الأمنية، وصولاً إلى تشكيل حكومة قادرة على قيادة البلاد نحو انتخابات تشريعية باعتبارها مرحلة أولى لحل الإشكالات المتعلقة بالسلطة والمؤسسات الدستورية.
وأشار إلى أن المرحلة المؤقتة يفترض أن تقود لاحقاً إلى مرحلة دائمة من خلال إجراء انتخابات رئاسية وتشريعية، مؤكداً أن الترتيبات السياسية المقبلة يجب أن تكون مرتبطة بجدول واضح للوصول إلى المؤسسات المنتخبة وإنهاء المرحلة الانتقالية.
وفي المقابل، استبعد الديباني إمكانية الحديث في الوقت الراهن عن أسماء محددة لتولي رئاسة الدولة أو رئاسة الحكومة المقبلة، موضحاً أن المبادرة الأمريكية لم تطرح حتى الآن تصوراً مكتوباً أو نهائياً بشأن أسماء شاغلي المناصب السيادية، وإنما تركز بصورة أساسية على توفير الأمن والاستقرار وتهيئة الظروف المناسبة لإعادة ترتيب المشهد السياسي.
وأكد أن الحديث عن رئيس جديد أو رئيس حكومة جديد سابق لأوانه، لأن الأولوية في المرحلة الحالية تتمثل في تثبيت الاستقرار وتوفير البيئة السياسية والأمنية اللازمة، قبل الانتقال إلى مرحلة مناقشة الأسماء وتركيبة السلطة الجديدة.
وحول إمكانية ظهور خطوات تنفيذية للمبادرة الأمريكية خلال الأسابيع أو الأشهر المقبلة، ربط الديباني ذلك بمدى قدرة الحكومة الحالية على السيطرة على الأحداث الأمنية ومنع الاعتداءات على المؤسسات والمنشآت الخدمية والمالية، معتبراً أن نجاح الحكومة في ضبط الوضع قد يمنحها فرصة للاستمرار في المرحلة المقبلة، بينما قد يؤدي فشلها إلى إعادة النظر في موقعها ضمن الترتيبات الجديدة.
وأشار إلى أن الأحداث الأمنية التي شهدتها المنطقة الغربية، ولا سيما الاعتداءات التي طالت مؤسسات ومنشآت حيوية، قد تكون مؤشراً على تغير في موازين القوى والجهات الفاعلة على الأرض، معتبراً أن استمرار هذه التطورات قد يفتح الباب أمام تغيير بعض الأطراف التي يعول عليها في تنفيذ المبادرة الأمريكية.
ورأى أن أي تصعيد أمني جديد على غرار الأحداث التي شهدتها الزاوية يمكن أن يؤثر في خريطة القوى الفاعلة في غرب البلاد، مؤكداً أن قدرة الأطراف الحالية على السيطرة على الوضع ستكون عاملاً مهماً في تحديد موقعها ضمن الترتيبات السياسية المقبلة.
وفي هذا السياق، أشار الديباني إلى أهمية مواقف القيادة العامة بشأن دعم المبادرة الأمريكية، معتبراً أن انخراطها في المسار الدولي الجديد يعزز فرص بناء تحالفات إقليمية قادرة على دعم التسوية الليبية.
ولفت إلى أن التحالفات التي تضم تركيا وباكستان والسعودية يمكن أن تخدم المسار السياسي الليبي، وتنسجم في الوقت ذاته مع التوجه الأمريكي، خصوصاً أن هذه الدول تمتلك علاقات ونفوذاً يمكن توظيفهما في إعادة ترتيب المشهد السياسي ودعم الانتقال إلى مرحلة جديدة.
وختم الديباني بالتأكيد على أن المرحلة المقبلة قد تشهد مزيداً من التحركات السياسية والأمنية بالتوازي مع تقدم المبادرة الأمريكية، مرجحاً أن يتزايد الضغط على الأطراف المحلية والدولية التي تعرقل التسوية، وأن تشهد الفترة المقبلة زخماً أكبر في الترتيبات السياسية والأمنية، بما قد يقود إلى إعادة تشكيل موازين القوى والجهات الفاعلة في المشهد الليبي.









