ولبابة: مصلحة الشعب الليبي تقتضي استعادة الاستقرار والسلام وإنهاء الانقسام

قال الباحث في شؤون أفريقيا والشرق الأوسط ولبابة سالم إن استمرار التوتر والانقسام داخل البلاد لا يقتصر تأثيره على الليبيين، بل ينعكس بصورة مباشرة على دول الجوار، وفي مقدمتها تونس، باعتبار أن الأمن القومي التونسي يبدأ من استقرار ليبيا.
وأوضح سالم، في لقائه مع قناة Express FM التونسية، رصدته “الساعة24″، أن استهداف المنشآت النفطية في مدينة الزاوية يمثل تطوراً بالغ الخطورة بالنسبة إلى دول المنطقة، خصوصاً أن الزاوية لا تبعد سوى نحو 100 كيلومتر عن الحدود التونسية ونحو 40 كيلومتراً عن طرابلس، ما يجعل أي توتر أمني فيها ذا تداعيات مباشرة على المحيط الإقليمي.
وأشار إلى أن مصفاة الزاوية، التي تنتج نحو 120 ألف برميل يومياً تعرضت للاستهداف باستخدام طائرات مسيّرة، معتبراً أن طبيعة السلاح المستخدم تكشف عن امتلاك المجموعات المسلحة في ليبيا قدرات تسليحية متقدمة، وهو ما يزيد من خطورة التوتر بالنسبة إلى دول الجوار.
وأكد أن تونس والجزائر ومصر، باعتبارها من دول الجوار الليبي، عقدت أكثر من اجتماع لبحث تطورات الأزمة الليبية، مشدداً على ضرورة أن تتحرك هذه الدول للمساهمة في احتواء الأوضاع والبحث عن حلول تفضي، في الحد الأدنى، إلى تهدئة التوتر بين مختلف الأطراف الليبية.
وفي قراءته للمشهد الليبي، أوضح سالم أن الأزمة يمكن تبسيطها من خلال مجموعة من التطورات المتزامنة، في مقدمتها استقالة محافظ مصرف ليبيا المركزي ناجي عيسى، الذي لم يعد دوره مقتصراً على إدارة السياسة النقدية وحركة الأموال، بل أصبح له حضور سياسي واضح خلال الفترة الأخيرة.
وبيّن أن عيسى شارك في اتصالات ولقاءات مع مستشار الرئيس الأميركي مسعد بولس ومع وزارة الخزانة الأميركية، في إطار الجهود الرامية إلى توحيد الإنفاق بين شرق ليبيا وغربها من خلال مصرف ليبيا المركزي، وربط ذلك بمساعي توحيد مؤسسات الدولة وإنهاء حالة الانقسام المستمرة منذ سنوات.
ولفت إلى أن استقالة محافظ المصرف المركزي لا يمكن النظر إليها باعتبارها مسألة تقنية أو مالية فقط، خصوصاً أن الاستقالة لم تكن قد حُسمت بشكل نهائي في ذلك الوقت، بينما استُدعي المحافظ إلى البرلمان لمناقشة ملابساتها، وهو ما يعكس أهمية موقعه ودوره في المشهد السياسي والاقتصادي الليبي.
وأضاف أن هذه التطورات الاقتصادية والسياسية تزامنت مع اضطرابات شهدها غرب ليبيا، من بينها اعتصامات وتحركات احتجاجية وعصيان مدني في بعض المناطق، فضلاً عن تطورات أمنية أخرى.
ورأى سالم أن هذه الأحداث المتزامنة تأتي في ظل تحركات دولية وإقليمية مكثفة، من بينها زيارة وزير الخارجية التركي هاكان فيدان إلى ليبيا، والتي شملت طرابلس وبنغازي، حيث التقى مسؤولين في الجانبين، كما توجه بعد ذلك إلى مصر.
وأوضح أن التحرك التركي يعكس محاولة أنقرة لعب دور في تهدئة التوتر بين الأطراف الليبية، مشيراً إلى أن السياسة التركية شهدت تحولاً واضحاً خلال السنوات الأخيرة، بعدما كانت في مواجهة مفتوحة مع القائد العام، المشير خليفة حفتر وتدعم حكومة عبد الحميد الدبيبة، قبل أن تنفتح على المنطقة الشرقية وتكثف اتصالاتها مع مختلف الأطراف.
وأشار إلى أن زيارة القائد العام، المشير خليفة حفتر، إلى أنقرة أكثر من مرة خلال الفترة الماضية تعكس بدورها هذا التحول، موضحاً أن تركيا تمتلك مصالح اقتصادية واستراتيجية واسعة في ليبيا، حيث تعمل مئات الشركات التركية في البلاد، سواء في المنطقة الغربية أو الشرقية، وبالتالي فإن استقرار ليبيا يمثل مصلحة مباشرة لأنقرة.
وأكد أن الدول لا تتحرك في الملفات الخارجية بدافع سياسي فقط، وإنما تبحث أيضاً عن مصالحها الاقتصادية والاستراتيجية، وهو ما ينطبق على تركيا التي تسعى إلى الحفاظ على حضورها وعلاقاتها في مختلف مناطق ليبيا.
وفي السياق ذاته، أشار سالم إلى التحرك الأميركي عبر مستشار الرئيس الأميركي مسعد بولس، والذي يركز على توحيد المؤسسات الليبية، موضحاً أن المسار الأميركي يتقاطع مع ملفات اقتصادية ومالية، لكنه في الوقت نفسه يحمل أبعاداً سياسية مرتبطة بمحاولة معالجة الانقسام الليبي.
غير أنه لفت إلى وجود أطراف داخل ليبيا وخارجها لا ترغب في توحيد مؤسسات الدولة، لأن استمرار الانقسام يحقق لها مصالح مباشرة، سواء عبر بناء شبكات نفوذ سياسية وأمنية أو تحقيق مكاسب اقتصادية ومالية.
وأوضح أن تراجع قيمة الدينار الليبي وارتفاع سعر الدولار يمثلان أحد مظاهر الأزمة الاقتصادية، مشيراً إلى أن سعر الدولار بلغ تسعة دنانير في السوق، معتبراً أن هذه التطورات تؤكد حجم الضغوط الاقتصادية التي يعيشها المواطن الليبي.
وأضاف أن هناك قوى خارجية لا يساعدها استقرار ليبيا وتوحيد مؤسساتها، ولذلك تسعى إلى إبقاء حالة الارتباك قائمة، بالتزامن مع وجود مراكز نفوذ داخلية تستفيد من استمرار الانقسام، سواء مالياً أو سياسياً، من خلال شبكات مرتبطة بالنفط والموارد والأنشطة الاقتصادية المختلفة.
وأكد أن ليبيا دولة غنية بثرواتها الطبيعية، وهو ما يجعل الصراع على مواردها أحد العوامل التي تفسر استمرار بعض شبكات النفوذ، مشيراً إلى أن أطرافاً داخلية تحقق استفادة مادية من استمرار الوضع القائم ومن حالة الانقسام بين المؤسسات.
ورأى أن مسألة توحيد المؤسسات الليبية أصبحت اليوم موضع اهتمام من أطراف قوية داخل البلاد ومن قوى إقليمية ودولية، إلا أن هذه المساعي تصطدم بمصالح المستفيدين من الانقسام، ما يجعل الوصول إلى تسوية شاملة أكثر تعقيداً.
وشدد سالم على أن استهداف منشآت الطاقة في الزاوية يجب ألا يُنظر إليه بمعزل عن المشهد الليبي العام، خصوصاً أن استخدام الطائرات المسيّرة في هذه العمليات يكشف عن مستوى التسليح الذي وصلت إليه بعض المجموعات المسلحة، ويطرح مخاوف إضافية بالنسبة إلى دول الجوار التي ترتبط أمنياً واقتصادياً باستقرار ليبيا.
وأكد في ختام حديثه أن سلامة ليبيا تمثل جزءاً أساسياً من سلامة تونس، مشدداً على أن الأمن القومي التونسي يبدأ من ليبيا وطرابلس، وأن استمرار الانقسام والصراعات المسلحة لا يمكن أن يبقى شأناً داخلياً ليبياً فقط، بل ستكون له انعكاسات على دول المنطقة.
وأعرب سالم عن أمله في أن تنجح الأطراف الليبية والإقليمية والدولية في إنهاء حالة الانقسام وإعادة توحيد مؤسسات الدولة، مؤكداً أن مصلحة الشعب الليبي تقتضي استعادة الاستقرار والسلام وإنهاء حالة الانقسام بين الشرق والغرب، بما يضمن حماية موارد البلاد ويعيد بناء مؤسساتها على أسس موحدة.









