المزريقي: توحيد مؤسسات الدولة مدخل لحل الأزمة الليبية

أكد الكاتب الصحفي، صهيب المزريقي، أن تجاوز الأزمة الليبية يتطلب إرادة وطنية جامعة، ومساراً سياسياً توافقياً يضع المصلحة العليا للدولة والشعب فوق الحسابات السياسية والحزبية والفصائلية والتدخلات الخارجية، مشدداً على أن مستقبل ليبيا يجب أن يصنعه الليبيون أنفسهم.
وقال المزريقي، في حديث لقناة “الجزائرية الدولية”، ورصدته “الساعة 24” إن جلسات الحوار المنعقدة في العاصمة التونسية برعاية الأمم المتحدة تأتي في مرحلة دقيقة من تاريخ ليبيا، وفي ظل حاجة ملحة إلى توحيد المسارات السياسية والمؤسساتية ومعالجة الأزمة بمختلف أبعادها السياسية، والاقتصادية والاجتماعية والأمنية.
وأوضح أن أهمية هذه التحركات تكمن في قدرتها، إذا توافرت الإرادة الوطنية، على الدفع نحو خارطة طريق جديدة تخرج البلاد من حالة الانقسام، مؤكداً أن أي مسار تفاوضي ترعاه الأمم المتحدة ينبغي أن يكون ليبياً في جوهره، على أن يقتصر الدور الدولي على الرعاية والتيسير وضمان تنفيذ ما يتوافق عليه الليبيون.
وشدد المزريقي، على أن الفرقاء السياسيين مطالبون بأن يكونوا تعبيراً حقيقياً عن إرادة المجتمع الليبي، بعيداً عن التدخلات الإقليمية والدولية، معتبراً أن القرار الوطني يجب أن يصنع داخل ليبيا وبما يخدم مصالح الليبيين أولاً.
وأضاف أن المدخل الأساسي للخروج من الأزمة يتمثل في توحيد مؤسسات الدولة، وفي مقدمتها المؤسسات السيادية والعسكرية، إلى جانب التوافق على خارطة سياسية جديدة يضعها الليبيون بمشاركة مختلف الأطراف والقوى، بما يمهد لإعادة بناء مؤسسات الدولة ومراكز النفوذ السيادي على أسس وطنية.
وأشار إلى أن الوصول إلى انتخابات حرة ونزيهة، يشارك فيها جميع الليبيين وتعبّر نتائجها عن الإرادة الشعبية، يمثل خطوة أساسية لإنهاء الانقسام وفتح الطريق أمام مرحلة جديدة من الاستقرار السياسي، مؤكداً في الوقت ذاته ضرورة أن يجري ذلك ضمن إطار دستوري يحظى بتوافق مختلف مكونات المجتمع الليبي.
ورأى المزريقي، أن الأزمة الليبية لا يمكن اختزالها في الخلاف بين الحكومات أو القوى السياسية، باعتبار أنها تتداخل فيها عوامل إقليمية واجتماعية وقبلية وأمنية واقتصادية، فضلاً عن اختلاف التوجهات والأيديولوجيات بين الأطراف الفاعلة، الأمر الذي يجعل الحل المستدام مرتبطاً بتغليب منطق الدولة والمصلحة الوطنية.
وفي الجانب الاقتصادي، أكد المزريقي، أن الثروة النفطية تمثل عاملاً جامعاً ومدخلاً أساسياً لمعالجة الأزمة، محذراً من أن أي اعتداءات أو اضطرابات تستهدف المنشآت النفطية ومصادر الثروة الليبية لا تمثل اعتداءً على قطاع اقتصادي فحسب، وإنما قد تستهدف الدولة من الداخل، وتضعف الاقتصاد الوطني وتزيد من حدة التوتر السياسي والأمني.
وقال إن ليبيا أمام مسارين؛ الأول يتمثل في توحيد مؤسساتها السياسية والسيادية والعسكرية، وتوحيد المسارات السياسية والتفاوضية، بما يهيئ الظروف لإجراء الانتخابات وإرساء الإطار الدستوري واستكمال بناء مؤسسات الدولة، بينما يتمثل المسار الثاني في استمرار التدخلات الخارجية، بما قد يقود إلى مزيد من التمزق والانقسام.
وحذر المزريقي، من استمرار نقل الصراعات الدولية والإقليمية إلى الداخل الليبي، مشيراً إلى أن موقع ليبيا ومواردها يجعلها عرضة لتنافس مراكز نفوذ تسعى إلى التأثير في قرارها الوطني أو التحكم في مقدراتها، مؤكداً أن حماية الثروة الليبية يجب أن تكون جزءاً أساسياً من حماية السيادة والاستقلال.
كما أشار إلى التحديات الأمنية والاجتماعية التي تواجه البلاد، ومن بينها الهجرة غير النظامية وتدفق المخدرات ووجود جماعات متطرفة وإرهابية، معتبراً أن هذه الملفات لا ينبغي التعامل معها باعتبارها قضايا أمنية منفصلة، بل ضمن رؤية وطنية شاملة تحمي المجتمع الليبي وتعزز تماسكه.
وأكد المزريقي، أن احترام السيادة الليبية وإرادة الشعب يجب أن يكونا أساس أي مسار يتعلق بمستقبل البلاد، داعياً الجهات الدولية والدول الراغبة في الانخراط في الشأن الليبي إلى احترام خيارات الليبيين والابتعاد عن فرض الوصاية أو التدخل في القضايا السيادية.
ودعا في هذا السياق إلى تعزيز التشاور مع دول الجوار، وفي مقدمتها مصر وتونس والجزائر، بالنظر إلى ارتباط أمن هذه الدول واستقرارها باستقرار ليبيا، مشيراً إلى أهمية الأطر التشاورية التي تجمع دول الجوار في دعم وحدة الدولة الليبية والحفاظ على مقدراتها.
وشدد المزريقي، على أن المصالحة الوطنية الحقيقية تظل شرطاً أساسياً لتجاوز الأزمة، داعياً إلى تجاوز الاعتبارات السياسية والحزبية والفصائلية والذاتية الضيقة، والعمل على بناء توافق وطني يشمل مختلف مكونات المجتمع الليبي، بما فيها القوى السياسية، والمدنية والاجتماعية والقبائل.
واختتم المزريقي، بالتأكيد على أن ليبيا تمتلك الموارد والإمكانات التي تؤهلها لبناء دولة مستقرة وقادرة على حماية مصالحها، إلا أن تحقيق ذلك يتطلب قراراً وطنياً مستقلاً، ومؤسسات موحدة، ومساراً سياسياً توافقياً، وإرادة حقيقية لتغليب المصلحة العليا للدولة والشعب على جميع الحسابات السياسية والإقليمية والخارجية.









