الديباني: المسار السياسي أمام استحقاقات دستورية وانتخابية وتوحيد للمؤسسات

قال الباحث السياسي عبد الله الديباني إن التطورات الأخيرة في المسار السياسي الليبي تشير إلى ضرورة الانتقال من مرحلة الموافقات والتوافقات إلى مرحلة اتخاذ خطوات وإجراءات فعلية لتنفيذ المخرجات التي جرى التوافق عليها.
وأوضح الديباني في مداخلة على قناة “ليبيا الحدث”، رصدتها صحيفة الساعة 24، أن موافقة مجلس النواب، إلى جانب مواقف أعضاء سابقين رحبوا بمخرجات لجنة «4+4»، تشكل، بحسب تقديره، أرضية للبدء في تنفيذ الإجراءات القانونية والدستورية المرتبطة بهذه المخرجات.
وأشار إلى أن من أبرز الاستحقاقات المطروحة تعديل الإعلان الدستوري بما يتيح تمديد الفترة المحددة في الاتفاق لمدة 24 شهراً، إلى جانب إجراء تعديلات على القوانين الانتخابية، ولا سيما القانونين المتعلقين بانتخاب رئيس الدولة وانتخاب مجلس الأمة.
وأضاف أن المسار المتعلق بالقانون الخاص بانتخاب مجلس الأمة يتضمن العودة إلى قانون عام 2014، مع إدخال تعديلات تتعلق بمشاركة الأحزاب بصورة فردية.
وأكد الديباني أن المسؤولية في المرحلة الحالية لا تقع على عاتق مجلس النواب وحده، بل تتطلب، وفق رؤيته، تعاوناً بين مجلس النواب ومجلس الدولة لاستكمال الإجراءات المطلوبة.
وأوضح أن مجلس الدولة سيكون معنياً بالتوافق مع مجلس النواب بشأن التعديل الدستوري، باعتبار أن الاتفاقات السياسية الأخيرة أعادت طرح دور المؤتمر الوطني بصيغة استشارية، مع منحه بعض الصلاحيات المحددة.
وبيّن أن هذه الصلاحيات، وفق ما ورد في الاتفاق، تشمل التوافق على الإعلان الدستوري والمشاركة في ترتيبات المناصب السيادية، إضافة إلى ما يتعلق بمجلس إدارة بعض المؤسسات وتحديد رئيسه ونائبه، مشيراً إلى أن أسماء محددة جرى التوصية بها في هذا السياق.
وقال الديباني إن هذه الخطوات، من وجهة نظره، ذات طبيعة إجرائية وليست سياسية بالمعنى المباشر، باعتبار أنها تمثل إجراءات تمهّد للوصول إلى الاستحقاق الانتخابي.
وأشار الباحث السياسي إلى وجود ترحيب دولي بالتطورات المتعلقة بمخرجات لجنة «4+4»، مستشهداً بمواقف أممية رحبت بالموافقة التي جرت داخل مجلس النواب.
ورأى أن الدعم الدولي لهذه المخرجات لا يعني انتهاء الأدوار والمبادرات الدولية السابقة، بل إن بعضها، بحسب قراءته، أصبح جزءاً من المسار الجديد.
وأضاف أن الحديث عن انتهاء المبادرة الأمريكية أو «موتها سريرياً»، كما يردد بعض المعارضين لها، لا يتطابق، في تقديره، مع التصريحات التي صدرت عن المسؤولين المرتبطين بها.
وأوضح أن تصريحات عرّاب المبادرة الأمريكية خلال مؤتمر للإعلام العربي ركزت على التكامل بين المسارات المختلفة، وعلى ضرورة المضي نحو توحيد المؤسسات وإنهاء العراقيل القانونية التي حالت دون إجراء الانتخابات في موعدها السابق.
ورأى الديباني أن المشهد السياسي الليبي يتحرك حالياً عبر مسارين متوازيين ومتكاملين.
وقال إن المسار الأول، المرتبط بالمبادرة الأمريكية، يركز بصورة أساسية على توحيد السلطة التنفيذية والمؤسسات السيادية، بينما يركز المسار الآخر، المرتبط بمخرجات لجنة «4+4»، على استكمال القاعدة القانونية والدستورية اللازمة للانتخابات ودعم عمل المفوضية الوطنية العليا للانتخابات وتوسيع المشاركة السياسية.
وأكد أن المبادرة الأمريكية، بحسب قراءته، ليست مساراً منفصلاً عن مخرجات «4+4»، بل إن عناصر منها أصبحت، وفق تقديره، مضمّنة في الصيغة التي خرجت بها اللجنة.
وأشار إلى أن توحيد المؤسسات وإجراء الانتخابات يحتاجان إلى إطار دستوري وقانوني واضح، لافتاً إلى أن مدة الـ24 شهراً المطروحة لا تعني بالضرورة انتظار نهاية هذه المدة لإجراء الانتخابات، وإنما يمكن أن تتضمن مراحل متتابعة تشمل توحيد المؤسسات ومعالجة ملف المناصب السيادية والاستعداد للاستحقاق الانتخابي.
وتطرق الديباني إلى الجدل الدائر بشأن شكل السلطة التنفيذية المقبلة، معتبراً أن الحديث المتداول عن تشكيل مجلس رئاسي جديد أو حكومة جديدة لا يستند، حتى الآن، إلى صيغة نهائية معلنة.
وأشار إلى وجود تصورات متعددة بشأن شكل السلطة التنفيذية، من بينها نموذج يقوم على رئيس مؤقت ورئيس حكومة، أو نماذج أخرى تعيد طرح فكرة المجلس الرئاسي متعدد الأعضاء ورئيس حكومة ونواب له.
واعتبر أن تداول هذه السيناريوهات قبل حسم الإطار الرسمي قد يؤدي إلى خلط الأوراق، مشيراً إلى أن الأطراف السياسية المختلفة تسعى، بحسب رؤيته، إلى التأثير في شكل الترتيبات المقبلة وضمان حضورها فيها.
وأكد أن المسار النهائي للسلطة التنفيذية لم يُحسم بعد، وأن ما يجري تداوله بشأن تفاصيل تشكيلها يبقى في إطار التصورات والنقاشات السياسية إلى حين التوصل إلى صيغة متوافق عليها.
وحذر الديباني من تصاعد الخطاب الرافض للاتفاقات السياسية، مشيراً إلى تصريحات صدرت عن شخصيات دينية وسياسية حذرت من تمرير بعض التفاهمات ولوّحت باحتمال اندلاع مواجهات مسلحة في حال تنفيذها.
واعتبر أن مثل هذه التصريحات يمكن أن تسهم في إعادة إنتاج خطاب التصعيد، داعياً إلى التعامل مع الخلافات السياسية من خلال الحوار والتوافق بدلاً من التهديد باستخدام القوة.
وأشار إلى أن التجربة الليبية منذ عام 2014 شهدت صراعات مسلحة وانقسامات مؤسساتية عميقة، وأن إعادة إنتاج هذه الأوضاع ستكون، بحسب تقديره، عائقاً أمام أي مسار يهدف إلى توحيد المؤسسات والوصول إلى الانتخابات.
واستعرض الديباني بصورة مختصرة خلفية الانقسام السياسي والمؤسساتي الذي بدأ يتعمق منذ عام 2014، مشيراً إلى أن الصراع آنذاك ارتبط بانقسامات سياسية وعسكرية ومؤسسات موازية.
وأوضح أن تلك المرحلة شهدت مواجهات مسلحة في طرابلس، وانقساماً بين مؤسسات السلطة، وظهور حكومات وأجسام سياسية متنافسة، الأمر الذي أدى إلى استمرار حالة الانقسام لسنوات.
وأضاف أن الصراع لم يكن مقتصراً على المؤسسات السياسية، بل امتد إلى المؤسسات الاقتصادية والمالية، وهو ما أدى، وفق حديثه، إلى تعقيد عملية إدارة الموارد العامة وتوزيع الإيرادات.
وشدد الديباني على أن معارضة أي اتفاق أو مبادرة سياسية لا تكفي وحدها، داعياً القوى والتيارات المعارضة إلى تقديم مشاريع وبدائل واضحة يمكن مناقشتها.
وقال إن المعارضة السياسية، وفق تصوره، ينبغي أن تقوم على طرح أسباب الرفض وتقديم بديل قابل للتطبيق، بدلاً من الاكتفاء برفض المسارات المطروحة أو الدخول في سجالات متبادلة.
وأضاف أن الوصول إلى تسوية سياسية يتطلب من مختلف الأطراف تقديم تنازلات متبادلة بهدف حماية وحدة البلاد وإنهاء حالة الانقسام.
وأكد أن السياسة، في تقديره، تقوم في كثير من الأحيان على تحقيق الممكن والمكاسب المتاحة، وعلى التوصل إلى تسويات بين الأطراف المختلفة، وليس بالضرورة تحقيق جميع الأهداف التي يطرحها كل طرف بصورة كاملة.
وأكد الديباني أن الحفاظ على وحدة ليبيا يمثل، بحسب موقفه الذي عبّر عنه خلال المداخلة، أولوية أساسية في المرحلة الحالية.
وأشار إلى أن ملف توحيد المؤسسات يرتبط بصورة مباشرة بقضايا توزيع الموارد والإيرادات والمناصب السيادية، معتبراً أن معالجة هذه الملفات تمثل جزءاً أساسياً من أي تسوية سياسية شاملة.
وتحدث عن ضرورة تحقيق توزيع عادل للموارد والحقوق بين المناطق والأقاليم التاريخية في ليبيا، معتبراً أن المطالبة بمعالجة المركزية وتوزيع الإيرادات لا ينبغي أن تُفسر تلقائياً باعتبارها دعوة إلى تقسيم البلاد.
وأضاف أن التجارب المتعلقة بإدارة الموارد وإعادة الإعمار أظهرت، بحسب رأيه، أهمية وجود مؤسسات موحدة قادرة على إدارة الأموال العامة وتوجيهها نحو التنمية في مختلف المدن والمناطق.
ودعا الديباني إلى تجاوز السجالات المرتبطة بأحداث السنوات الماضية، معتبراً أن استمرار تبادل الاتهامات لن يؤدي إلى معالجة الأزمة السياسية الراهنة.
وأشار إلى أن ليبيا شهدت منذ عام 2011 سلسلة طويلة من الصراعات والانقسامات، وأن استمرار استحضارها في كل جولة سياسية قد يحول دون الوصول إلى تسوية.
وأكد أن المطلوب في المرحلة الحالية هو التعامل مع الواقع السياسي كما هو، والعمل على بناء توافقات تسمح بتوحيد المؤسسات والتهيئة لإجراء الانتخابات.
وفي سياق حديثه عن المبادرة الأمريكية، أشار الديباني إلى ما وصفه بالسند القانوني والسياسي الذي تستند إليه، لافتاً إلى قانون «استقرار ليبيا» الصادر عن الكونغرس الأمريكي.
وقال إن القانون يتضمن، بحسب عرضه، بنوداً تتعلق بالشفافية والاستقرار المالي، وحماية المؤسسات المالية، والتوزيع العادل لعائدات النفط، وتوحيد المؤسسات، والحفاظ على وحدة ليبيا.
كما أشار إلى وجود بنود تتعلق بالعقوبات على الأشخاص أو الجهات التي يمكن أن تُعتبر مهددة لوحدة البلاد أو متورطة في الفساد أو عرقلة الشفافية داخل المؤسسات المالية.
وتحدث الديباني عن تصريحات أمريكية سابقة بشأن إمكانية فرض عقوبات على شخصيات ليبية في حال استمرار عرقلة مسار توحيد المؤسسات أو وحدة البلاد، معتبراً أن هذه الرسائل تعكس وجود ضغط دولي باتجاه استكمال المسار السياسي.
وخلص الديباني إلى أن المسار الحالي، وفق قراءته، يتجه نحو إعادة ترتيب السلطة التنفيذية وتوحيد مؤسسات الدولة، مع استمرار النقاش حول الشكل الذي ستتخذه السلطة التنفيذية الجديدة.
وأكد أن ما يتم تداوله بشأن تشكيل مجلس رئاسي جديد أو حكومة جديدة لا يمثل، حتى الآن، صيغة نهائية محسومة، وأن طبيعة السلطة التنفيذية المقبلة ستتحدد من خلال التفاهمات السياسية والإجراءات التي يجري العمل عليها.
وأشار إلى أن الهدف الأساسي من هذه الترتيبات، بحسب رؤيته، يتمثل في الوصول إلى مؤسسات موحدة وقاعدة دستورية وقانونية واضحة، بما يهيئ البلاد لإجراء الانتخابات وإنهاء حالة الانقسام المؤسسي.
وأكد أن المرحلة المقبلة ستتطلب تعاوناً بين مجلسي النواب والدولة وبقية الأطراف المعنية، إلى جانب استمرار الدعم الدولي، من أجل تنفيذ الإجراءات القانونية والدستورية التي تمهد للانتقال إلى الاستحقاق الانتخابي.









