الفنيش: تعديلات الدبيبة الوزارية محاولة لشراء الوقت لاستمرار حكومته

أكد المحلل السياسي حسام الفنيش أن التشكيل الجديد لحكومة الدبيبة يحمل بعدًا مزدوجًا، سياسيًا وإداريًا، حيث يتفوق البعد السياسي على الإداري، مشيرًا إلى أن الحكومة غالبًا ما ترفع شعارات تحسين الخدمات وملء الوظائف الشاغرة، إلا أن الهدف الفعلي لهذا التشكيل يظل سياسيًا بامتياز.
وأوضح الفنيش في حديث لتلفزيون “المسار”، رصدته صحيفة “الساعة 24″، أن بعض هذه الوظائف أصبحت شاغرة نتيجة خروج وزراء سابقين خاضعين لتحقيقات جنائية ومالية مع النائب العام، ما جعل الحكومة تركز على تعديل شامل للوزارات والحقائب، في خطوة يرى أنها ذات أبعاد سياسية أكثر منها إدارية.
وأضاف الفنيش أن هذه الخطوة قد تثير تساؤلات حول قانونيتها ومدى توافقها مع الاتفاق السياسي، خصوصًا أن التعديل شمل عددًا كبيرًا من الوزراء والوزارات، وكان هناك خلاف سابق مع رئيس المجلس الرئاسي محمد المنفي، قبل أن يتراجع الأخير عن قراره ويحضر اجتماع الحكومة ليعلن موافقته.
ولفت إلى أن هذه التعديلات رافقتها إجراءات أخرى، أبرزها لقاءات الدبيبة مع قادة المجموعات المسلحة في غرب ليبيا على موائد الإفطار، وهو ما يعكس سعي الحكومة لتوسيع قاعدة قبولها وإعادة ترتيب المعادلة الأمنية في العاصمة لتعزيز موقفها وتوازناتها، مؤكدًا أن الخطوة الأمنية تبدو أكثر أهمية من التعديل الوزاري نفسه.
وحول موقف البعثة الأممية من هذه التعديلات، أشار الفنيش إلى أن الرأي العام كان ينتظر تصريحًا رسميًا، إلا أن البعثة لم تصدر أي تعليق، في ظل تقارير صحفية، تشير إلى ترتيبات لجنة للحوار بين الشرق والغرب، بهدف الوصول إلى حكومة موحدة في المرحلة المقبلة، بينما لم تكن الحكومة ضمن أولويات البعثة، حسب قوله.
وأوضح الفنيش أن هذه التحركات تحمل دلالات سياسية مهمة، حيث تسعى الحكومة لتعزيز نفوذها في الغرب الليبي وإعادة ترتيب مراكز القوى داخل السلطة التنفيذية، خصوصًا مع توقعات بضغط دولي، لا سيما من الولايات المتحدة، لتثبيت توازن القوى بما يضمن حضورها في المشهد السياسي القادم. كما تهدف هذه الخطوات إلى الحد من أي محاولات للبعثة الأممية لتشكيل حكومة جديدة، بحسب تحليله.
وأشار المحلل السياسي إلى أن هذه الإجراءات تأتي في وقت تتزايد فيه المخاوف الاقتصادية، في ظل تقارير عن اختلالات في الدخل وسعر صرف الدولار، حيث يعاني المواطنون في رمضان من ارتفاع الأسعار في طرابلس وبقية المدن الليبية.
واعتبر الفنيش أن التعديلات الوزارية الحالية تستهدف أيضًا دغدغة عواطف الجمهور، من خلال إيهام المواطنين بأن هناك إصلاحات منتظرة، وأن الحكومة الجديدة جاءت كخيار شعبي وليس مفروضًا من مجلس النواب، رغم أنه لا يتوقع أن تكون الشخصيات الجديدة أو المنظومة الحكومية قادرة على مواجهة التحديات الاقتصادية المقبلة.
وشدد الفنيش على أن المرحلة القادمة ستشهد تحديات صعبة، وأن النجاح يتطلب وجود حكومة واحدة موحدة، مؤهلة بأفراد من أصجاب الكفاءة، والرؤية الاقتصادية والسياسية الواضحة، مضيفًا أن التعديلات الحالية تبقى محاولة لشراء الوقت، لضمان استمرار الحكومة القائمة دون تحقيق إصلاح حقيقي أو معالجة أزمات الاقتصاد وسعر الصرف.
ورأى الفنيش إن التعديلات الحكومية لا تبشر بالخير، مؤكدًا أن هذه الخطوة لا تمثل إجراءً جوهريًا لمواجهة التحديات الراهنة، بل هي بمثابة مناورة سياسية أكثر من كونها إصلاحًا إداريًا. وأوضح أن الهدف الأساسي من هذا الإجراء لم يكن معالجة ا
لمشكلات القائمة، وإنما تعزيز النفوذ السياسي للحكومة في المرحلة المقبلة، وهو ما يفسر طبيعة التعديلات الواسعة في عدد الوزراء والوزارات.
وأشار الفنيش إلى أن اعتراض محمد المنفي على التعديلات كان واضحًا في البداية، حيث أظهرت المذكرة مخالفة هذا التعديل للاتفاق السياسي، إلا أن المنفي تراجع لاحقًا.
وأكد الفنيش أن السبب وراء هذا التراجع يعود إلى عدم حصول المنفي على إشارات دعم لموقفه سواء من البعثة الأممية أو المجتمع الدولي، وحتى بعد مبادرة رئيس الحكومة الليبية أسامة حماد للرجوع لاجتماعات القاهرة المتعلقة باللقاء الثلاثي بين مجلس النواب والحكومة والمجلس الرئاسي، لم يجد أي تجاوب دولي أو إقليمي، ما دفع المنفي للعودة إلى الاصطفاف مع عبد الحميد الدبيبة ومحمد تكالة ليكون جزءًا من المعادلة السياسية القادمة.
وأكد الفنيش أن هذا المسار يعكس حالة من الانقسام، لكنه في الوقت ذاته جزء من ترتيب المشهد السياسي المستقبلي، خاصة مع التحركات المقررة في أبريل المقبل عبر ترتيبات “فلينتلوك” العسكرية، وتحركات الإدارة الأمريكية عبر مسعد بولس بشكل مباشر، وهو ما يعكس اهتمام واشنطن الخاص بالملف الليبي. مبيناً أن حضور مسعد بولس لمجلس الأمن مؤخراً كان رسالة واضحة بأن الولايات المتحدة تتابع الملف الليبي عن كثب، وأن هذه التحركات تأتي في سياق سعي جميع الأطراف لتعزيز نفوذها في المرحلة القادمة.
وأشار الفنيش إلى أن ملف الجنوب الليبي يشكل نقطة حساسة، خاصة مع تكليف شخصيات من الجنوب في حكومة الدبيبة، ودعم بعض المجموعات المحلية، ما يهدد استقرار المنطقة ويعكس المنافسة السياسية المحتدمة بين الأطراف. مشيراً إلى أن هذه الخطوة تمثل جزءًا من سعي عبد الحميد الدبيبة لتعزيز موقفه التفاوضي ودوره في المشهد السياسي القادم، في ظل توقع تعرضه لضغوط سياسية متزايدة خلال المرحلة المقبلة.
ولفت المحلل السياسي إلى أن الإدارة الأمريكية لا تبدو جادة بشكل كامل في مسألة توحيد الحكومتين الليبيتين، مشيرًا إلى أن واشنطن ليست معنية بشكل كبير بالتعديل الوزاري الأخير الذي أجراه الدبيبة، معتبرًا أن التركيز الأمريكي ينصب على الوزارات السيادية فقط، خاصة بعد حل ملف الميزانية بين الشرق والغرب الليبي.
وبين الفنيش أن المشكلات الجوهرية تكمن في الإنفاق التنموي وليس في النفقات الأساسية مثل التعليم والصحة، والتي تظل ضمن اختصاص حكومة الدبيبة، ما يجعل هذا الجانب أقل تأثيرًا على التوازنات السياسية القادمة. واعتبر أن خطوة التعديل الوزاري جاءت لتعزيز تموضع الدبيبة في معادلة سياسية جديدة قبل الوصول إلى حكومة موحدة مستقبلية، مشيرًا إلى أن الدبيبة يسعى عبر هذه التعديلات إلى إرسال رسائل واضحة بأنه يرفض الفساد في الحكومة القادمة، ويريد محاربة أي مظاهر فساد كانت موجودة في السابق نتيجة فرض وزراء لم يكن لهم اختيارهم، مؤكدًا أن المتابعة العملية خلال الفترة المقبلة ستكون حاسمة لمعرفة ما إذا كانت هذه التصريحات ستترجم على أرض الواقع.
ورأى الفنيش أن التعديلات الأخيرة مؤقتة بطبيعتها، مشيرًا إلى أن التراجع عن بعض الأصوات التي كانت تدعو لتشكيل لجنة للإشراف على الانتخابات، إضافة إلى الرسائل التي يبعث بها مسعد بولس من خلال مقترح “4+4″، ما يعكس عودة واشنطن للعب دور مباشر في إدارة الملف الليبي، بحيث بات مسار الحكومة يتجاوز المجلسين الليبيين فعليًا، وهو ما يعكس سيطرة الإدارة الأمريكية على المشهد السياسي.
وأشار إلى أن الملفات الثلاثة الرئيسة في ليبيا، وهي الأمن والحكومة والاقتصاد، أصبحت أمريكية بامتياز، وأن البعثة الأممية لم تعد تلعب دورًا مؤثرًا في هذه الملفات، باستثناء مسائل تشريعات الانتخابات والمفوضية، والتي لا تزال تواجه صعوبات في الحصول على تجاوب من المجلسين، بما يعكس محدودية تأثير البعثة.
وأكد الفنيش أن أمريكا لا تعطي أولوية كبيرة للمسار القانوني أو الانتخابي، بل تركز بشكل أكبر على المسار الاقتصادي والأمني العسكري، مشيرًا إلى أن توحيد المؤسسات السيادية والعسكرية والأمنية يمكن أن يتم دون توحيد الحكومتين في الوقت الراهن، وهو ما قد يشهده الواقع خلال الفترة القادمة. وأضاف أن الحكومة الحالية قد تكون مرحلة مؤقتة تهدف إلى توحيد المؤسسات الرئيسية، قبل الانتقال لاحقًا إلى التفاوض بشأن توحيد الحكومة بين الشرق والغرب الليبي.
وفيما يخص مسألة إلغاء الضريبة على بعض السلع، أكد الفنيش أن تأثير هذا القرار سيكون محدودًا على الأسواق، مشيرًا إلى أن انخفاض سعر الصرف في السوق الموازي لم يكن ملموسًا بشكل كبير بعد صدور القرار، حيث لا يزال السعر مرتفعًا. وونوه إلى أن الفارق بين السعر الرسمي والموازي مرتبط أساسًا بمدى تطبيق آلية دعم الأسر عبر بطاقات الأغراض، مؤكدًا أن دخول هذه الخدمة حيز التنفيذ قد يسهم في خفض قيمة الدولار تدريجيًا.
وأردف: أن مصرف ليبيا المركزي يواجه تحديات كبيرة في توفير الدولار بالكمية الكافية، مشيرًا إلى أن استمرار ارتفاع سعر الصرف في السوق الموازي مرتبط بعدم توافر العملة الأجنبية الكافية من خلال القنوات الرسمية، بما في ذلك بطاقات الأسر والأغراض الشخصية. وبالتالي، فإن الاستقرار المتوقع في السوق يعتمد على قدرة المصرف المركزي على ضمان العرض الكافي من الدولار، وهو ما يمثل تحديًا كبيرًا في المرحلة الحالية.









