أطلوبة: استمرار تراجع أسعار النفط يضع المركزي أمام خيارات صعبة

أكد أستاذ الاقتصاد بجامعة مصراتة، الدكتور عبد اللطيف أطلوبة، أن معالجة أزمة سعر الصرف في ليبيا لا يمكن أن تعتمد على ضخ المزيد من العملات الأجنبية فقط، وإنما تتطلب حزمة متكاملة من الإصلاحات المالية والاقتصادية بمشاركة جميع مؤسسات الدولة، مشددًا على أن مصرف ليبيا المركزي لا يستطيع تحقيق الاستقرار النقدي بمفرده، وأن نجاح السياسة النقدية يبقى مرهونًا بتكاملها مع السياسة المالية والإصلاحات الاقتصادية الشاملة.
وأوضح أطلوبة، خلال مداخلة على قناة “ليبيا الحدث”، رصدته صحيفة الساعة 24، أن مصرف ليبيا المركزي يواصل جهوده للحد من الفجوة بين سعر الصرف الرسمي وسعر السوق الموازية، إلا أن هذه المهمة تتجاوز اختصاصاته، لأن المصرف يمثل جهة تنفذ جزءًا من السياسات الاقتصادية للدولة، بينما تقع مسؤولية الإصلاح الاقتصادي الشامل على الحكومة والسلطات المختصة الأخرى.
وأضاف أن المصرف المركزي، رغم محاولاته، يجد نفسه يعمل منفردًا في ظل غياب الدور المطلوب من بقية المؤسسات، وهو ما يحد من فعالية الإجراءات التي يتخذها.
وأشار أطلوبة إلى أن أحد أبرز أسباب استمرار الضغوط على سوق النقد يتمثل في طبيعة الإنفاق الحكومي، الذي وصف معظمه بأنه إنفاق غير منتج، موضحًا أن الجزء الأكبر من الإنفاق العام يذهب إلى أربعة أبواب رئيسية.
وبيّن أن الباب الأول يتعلق بالمرتبات، معتبرًا أن جزءًا كبيرًا منها لا ينعكس على زيادة الإنتاج الحقيقي، لارتباطه بتمويل خدمات مجانية لا تضيف قيمة مباشرة إلى الناتج المحلي.
وأضاف أن الباب الثاني يتمثل في الإنفاق التسييري، الذي يذهب في معظمه إلى المشتريات الحكومية، مشيرًا إلى أن هذا النوع من الإنفاق يشوبه، بحسب تقديره، قدر من الفساد، كما أنه يركز على الاستهلاك أكثر من تركيزه على إنتاج السلع والخدمات.
كما أشار إلى أن بند الدعم يُوجه في أغلبه للاستهلاك، ولا يسهم في زيادة الإنتاج، باستثناء ما يتعلق بقطاع الكهرباء، في حين أوضح أن بند الإعمار، رغم أهميته، لا يزال الأقل من حيث حجم الإنفاق وفق البيانات المنشورة، كما أن أغلب مخصصاته تُوجه إلى إعادة تأهيل البنية التحتية من طرق وجسور ومبانٍ ومرافق عامة، وهي مشروعات خدمية لا تحقق عائدًا إنتاجيًا مباشرًا على المدى القصير.
وأكد أطلوبة أن هيكل الإنفاق الحالي يؤدي إلى زيادة الطلب على العملات الأجنبية، دون أن يقابله توسع في الإنتاج المحلي، الأمر الذي يفاقم الضغوط على سوق الصرف.
وأضاف أن الاقتصاد الليبي يعاني كذلك من ارتفاع الميل الحدي للاستهلاك، موضحًا أن معظم الدخول التي يحصل عليها المواطنون تتجه مباشرة إلى الإنفاق الاستهلاكي، وهو ما يرجعه إلى عاملين رئيسيين؛ الأول يتعلق بالعادات الاجتماعية وأنماط الاستهلاك، والثاني يتمثل في غياب فرص الاستثمار التي تسمح بتوجيه الفوائض المالية نحو الأنشطة الإنتاجية.
وأوضح أطلوبة أن ارتفاع الاستهلاك يؤدي تلقائيًا إلى زيادة الطلب على الواردات، في ظل محدودية الإنتاج المحلي، وهو ما يرفع الطلب على العملات الأجنبية بصورة مستمرة. كما أشار إلى أن ضعف البيئة الاستثمارية يدفع معظم المستثمرين إلى التوجه نحو الأنشطة التجارية والمضاربة في العملات الأجنبية، بدلاً من الاستثمار في مشاريع إنتاجية، وهو ما يزيد الفجوة بين سعر الصرف الرسمي وسعر السوق الموازية.
وحول إعلان مصرف ليبيا المركزي عن مبيعات جديدة من النقد الأجنبي، قال أطلوبة إن هذه الخطوة تعكس استمرار المصرف في النهج نفسه الذي يتبعه منذ تولي الإدارة الحالية مهامها قبل نحو عامين، والمتمثل في التركيز على تقليص الفجوة بين السعر الرسمي وسعر السوق الموازية.
وأوضح أن هذا الهدف يبدو الأكثر حضورًا في سياسات المصرف المركزي خلال الفترة الأخيرة، حيث عمل على زيادة ضخ العملات الأجنبية في محاولة للضغط على سعر الدولار في السوق الموازية ودفعه نحو مستويات أقرب إلى السعر الرسمي.
وأضاف أن ارتفاع أسعار النفط خلال الفترة الماضية، والذي جاء بالتزامن مع التطورات الإقليمية، وفر هامشًا أكبر أمام المصرف المركزي لمواصلة هذه السياسة، إلا أن عودة أسعار النفط إلى الانخفاض قد تفرض تحديات جديدة أمام استمرار ضخ النقد الأجنبي بالمعدلات الحالية، الأمر الذي يستدعي، بحسب قوله، الاعتماد على إصلاحات مالية واقتصادية متوازية، بدلاً من الاكتفاء بأدوات السياسة النقدية وحدها.
وقال أطلوبة إن الحكم على نجاح أو فشل سياسة مصرف ليبيا المركزي في ضخ الدولار يجب أن يستند إلى مدى قدرتها على تقليص الفجوة بين سعر الصرف الرسمي وسعر السوق الموازية، معتبرًا أن استمرار هذه الفجوة عند مستويات مرتفعة يشير إلى أن النتائج ما تزال دون المستوى المستهدف.
وأوضح أن توفير العملة الأجنبية للمواطنين يحقق لهم مكاسب مالية مباشرة نتيجة الفارق بين السعر الرسمي وسعر السوق الموازية، وهو ما يؤدي، بحسب تقديره، إلى زيادة القدرة الشرائية ومن ثم ارتفاع الطلب على السلع المستوردة.
وأضاف أن هذه الزيادة في الإنفاق الاستهلاكي تنعكس في النهاية على ارتفاع الطلب مجددًا على العملات الأجنبية، باعتبار أن معظم السلع المتداولة في السوق الليبية مستوردة، وهو ما يجعل سياسة ضخ الدولار تعيد، بصورة غير مباشرة، تغذية الطلب على النقد الأجنبي.
وأشار أطلوبة إلى أن استمرار هذا النمط من الاستهلاك يفسر عدم تراجع سعر الدولار في السوق الموازية رغم زيادة المعروض من العملة الأجنبية، مؤكدًا أن معالجة المشكلة تتطلب إجراءات اقتصادية موازية تحد من الطلب، وليس فقط زيادة العرض.
كما اعتبر أن غياب البيانات والوضوح في الرسائل الصادرة عن مصرف ليبيا المركزي يسهم في تعزيز حالة عدم اليقين لدى المتعاملين في السوق، ويدفع كثيرين إلى التحوط بشراء الدولار أو الذهب، خوفًا من أي خفض محتمل في قيمة الدينار الليبي، الأمر الذي يزيد الضغوط على سوق الصرف.
وتطرق أطلوبة إلى سياسة الودائع وشهادات الإيداع التي يطرحها المصرف المركزي، معتبرًا أنها لا توفر حافزًا كافيًا لأصحاب رؤوس الأموال، في ظل ارتفاع العوائد التي يحققها النشاط التجاري في السوق الليبية.
وأوضح أن المستثمر الذي يستطيع تحقيق أرباح مرتفعة خلال فترة قصيرة من التجارة أو المضاربة لن يجد مبررًا لتجميد أمواله في ودائع مصرفية بعائد سنوي محدود، مشيرًا إلى أن البيئة التجارية الحالية توفر فرصًا استثمارية ذات عوائد أعلى بكثير من الأدوات التي يعرضها المصرف المركزي.
وأضاف أن سهولة الاستيراد، وانخفاض القيود الجمركية، وتوفر السلع المستوردة في الأسواق، إلى جانب استمرار القدرة الشرائية لشريحة واسعة من المواطنين، تجعل النشاط التجاري أكثر جاذبية مقارنة بالاستثمار في الودائع أو حتى في القطاعات الإنتاجية.
ولفت إلى أن ليبيا تشهد ضعفًا واضحًا في الاستثمارات الإنتاجية، سواء في القطاع الزراعي أو الصناعي، في مقابل توسع الأنشطة التجارية والاستهلاكية، وهو ما يعمق الاعتماد على الواردات ويرفع الطلب على العملات الأجنبية.
وأكد أطلوبة أن المعيار الأساسي لتقييم سياسة ضخ الدولار يتمثل في تقلص الفارق بين سعر الصرف الرسمي وسعر السوق الموازية، موضحًا أن هذا الفارق لا يزال كبيرًا، حيث يبلغ نحو دينارين للدولار الواحد، وهو ما يعني أن الهدف الرئيسي للمصرف المركزي لم يتحقق حتى الآن.
وفي تقييمه لأداء مصرف ليبيا المركزي، قال أطلوبة إن المصرف يواجه ظروفًا استثنائية ويعمل ضمن بيئة تفتقر إلى التكامل بين المؤسسات الاقتصادية، مشيرًا إلى أن نجاح السياسة النقدية يتطلب تعاونًا بين السلطات النقدية والمالية والتشريعية.
وأضاف أن المصرف المركزي لا يستطيع، بمفرده، معالجة الاختلالات الاقتصادية في ظل غياب التنسيق مع بقية مؤسسات الدولة، معتبرًا أن أداءه يمكن وصفه بأنه نجاح نسبي إذا ما قورن بحجم القيود التي يعمل في ظلها، لكنه لا يرقى إلى مستوى النجاح الكامل بالنظر إلى استمرار الاختلالات الاقتصادية واتساع الفجوة بين السعر الرسمي وسعر السوق الموازية.
وحذر أطلوبة من أن استمرار انخفاض أسعار النفط العالمية سيضع مصرف ليبيا المركزي أمام خيارات صعبة فيما يتعلق بسياسة ضخ الدولار، مؤكدًا أن تراجع الإيرادات النفطية ستكون له انعكاسات مباشرة على استقرار سوق الصرف والاقتصاد الليبي.
وأوضح أن استمرار هبوط أسعار النفط سيجعل مصرف ليبيا المركزي أمام أحد خيارين؛ أولهما تقليص أو إيقاف سياسة ضخ الدولار بالمعدلات الحالية، وهو ما يعني التراجع عن النهج الذي اتبعه خلال الفترة الماضية، وقد يؤدي إلى عودة ارتفاع أسعار الدولار في السوق الموازية.
وأضاف أن الخيار الثاني يتمثل في اللجوء إلى السحب من الاحتياطيات الأجنبية للمحافظة على استمرار ضخ النقد الأجنبي، محذرًا من أن هذا الخيار قد يؤدي إلى استنزاف الاحتياطيات التي تمثل خط الدفاع الأساسي لمواجهة الأزمات الاقتصادية والمالية المستقبلية.
وأكد أن كلا الخيارين يحمل تحديات كبيرة، سواء من ناحية استقرار سوق الصرف أو من حيث الحفاظ على متانة المركز المالي للدولة، مشيرًا إلى أن استمرار الاعتماد على الاحتياطيات ليس خيارًا مستدامًا على المدى الطويل.
وفي رده على سؤال بشأن تأثير استمرار انخفاض أسعار النفط على الدينار الليبي، شدد أطلوبة على أن تراجع أسعار الخام سيزيد بلا شك الضغوط على العملة الوطنية، لكون النفط يمثل المصدر الرئيسي للإيرادات العامة والنقد الأجنبي في ليبيا.
وأوضح أن الاقتصاد الليبي يعتمد بصورة شبه كاملة على العائدات النفطية، الأمر الذي يجعل قيمة الدينار الليبي ومستوى النشاط الاقتصادي مرتبطين بشكل مباشر بأداء أسواق النفط العالمية، مؤكدًا أن استمرار انخفاض الأسعار سيزيد من التحديات التي تواجه السياسة النقدية والمالية في البلاد.
واختتم أطلوبة حديثه بالتأكيد على أن مصرف ليبيا المركزي يمثل جزءًا من منظومة اقتصادية متكاملة، وأن نجاحه يبقى مرتبطًا بمدى قيام بقية المؤسسات بأدوارها في تنفيذ الإصلاحات المالية والاقتصادية، مشبهًا الوضع الحالي بسيارة تتحرك بعجلة واحدة بينما بقية العجلات معطلة، الأمر الذي يجعل الوصول إلى النتائج المرجوة أمرًا بالغ الصعوبة.









