اخبار مميزةليبيا

الجديدي: لا أحد يريد أن يتحمل فاتورة انهيار الدينار

اعتبر المحلل الاقتصادي والسياسي عبد الكريم الجديدي أن التوافق النادر الذي ظهر أخيراً بين مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة والمجلس الرئاسي بشأن رفض استقالة محافظ مصرف ليبيا المركزي ناجي عيسى، هو في جوهره «توافق تكتيكي» فرضته مخاوف مشتركة من تداعيات شغور منصب المحافظ وانعكاساته المباشرة على سعر الصرف والمرتبات والاعتمادات والاستقرار الاقتصادي في البلاد.

وقال الجديدي، في لقاء متلفز، رصدته صحيفة الساعة 24، إن الأطراف الثلاثة تدرك أن استقالة المحافظ في الظرف الراهن قد تؤدي إلى اضطراب كبير في سعر الصرف، وتعطّل المرتبات، وارتباك منظومة الاعتمادات، فضلاً عن تداعيات أوسع على الوضع الاقتصادي والمعيشي، مشيراً إلى أن أياً من هذه الأطراف «لا يريد تحمل المسؤولية السياسية أمام المواطنين عن انهيار محتمل في منظومة المصرف المركزي أو تدهور سعر صرف الدينار».

وأوضح أن ندرة هذا التوافق لا تعني بالضرورة وجود رؤية سياسية واقتصادية مشتركة بين الأطراف، بقدر ما تعكس حجم الخشية من تبعات القرار، قائلاً إن «الخوف من قرار استقالة المحافظ هو الذي دفع إلى تأجيل الأزمة، وليس بالضرورة الوصول إلى حل جذري لها».

وأضاف أن هذا الموقف يمكن قراءته من زاويتين؛ الأولى أن المجالس السياسية تحاول حماية مصالحها وتجنب تحمل كلفة الانهيار الاقتصادي أمام الرأي العام، والثانية أن هناك، ولو بصورة جزئية، إدراكاً لحجم المخاطر التي قد تترتب على استمرار حالة عدم الاستقرار النقدي والمالي.

وأكد الجديدي أن من الصعب الجزم بأن هذا التوافق جاء انطلاقاً من تغليب المصلحة العامة، مشيراً إلى أن الأزمات السياسية والاقتصادية السابقة أظهرت أن التوافقات بين المؤسسات غالباً ما تكون مرتبطة بالظرف الآني أكثر من ارتباطها بمعالجة جذور الأزمة.

وقال إن «المطلوب ألا تتحول الأزمة إلى محاولة للبحث عن كبش فداء»، معتبراً أن محافظ المصرف المركزي وُضع في «زاوية ضيقة جداً» نتيجة الضغوط السياسية والاقتصادية المتراكمة، وأن المسؤولية عن معالجة الاختلالات لا يمكن تحميلها لشخص واحد في ظل استمرار الانقسام المؤسسي والتدخلات السياسية.

وبشأن الوعود التي أُطلقت لدعم المحافظ ومساعدته على تجاوز الضغوط، إلى جانب الحديث عن تشكيل لجنة فنية مشتركة بين مجلسي النواب والدولة، بالتنسيق مع مصرف ليبيا المركزي والجهات المعنية، بهدف إعداد حزمة من الإصلاحات، رأى الجديدي أن هذه الخطوات لن تكون كافية ما لم تتحول إلى قرارات ملزمة وحاسمة.

وأوضح أن التجارب السابقة تثبت أن الوعود السياسية وحدها لم تكن كافية، مشيراً إلى أن عدم الالتزام الفعلي بما تم الاتفاق عليه بشأن الميزانية كان أحد العوامل التي زادت الضغوط على إدارة المصرف المركزي.

وقال إن المحافظ يحتاج في المرحلة الحالية إلى «ضمانات سياسية واقتصادية حقيقية»، وليس مجرد بيانات أو مواقف داعمة، مؤكداً أن أي خطة اقتصادية لا يمكن أن تنجح ما لم تحظَ بدعم سياسي واضح وقرارات ملزمة من مختلف الأطراف.

وأشار إلى أن الاستقالة الفعلية للمحافظ تختلف عن التلويح السابق بالاستقالة أو التعبير عن الاستياء من التدخلات، موضحاً أن تقديم الاستقالة فعلياً أحدث صدمة سياسية واقتصادية وأعاد إلى الواجهة حجم المخاطر المرتبطة باستمرار حالة عدم الاستقرار.

وشدد الجديدي على أن الإجراءات الحاسمة التي يمكن أن تعطي المحافظ مؤشراً واضحاً على وجود دعم حقيقي تتمثل، في مقدمتها، في إنهاء التدخلات السياسية في عمل المصرف المركزي والسياسة النقدية.

وقال إن «التدخلات السياسية في السياسات النقدية لا يمكن أن تسمح لأي مصرف مركزي بالاستمرار في أداء عمله بصورة طبيعية أو تنفيذ خطة اقتصادية مستقرة»، مؤكداً أن الأولوية في المرحلة المقبلة يجب أن تكون لتوحيد الميزانية العامة، على أن يكون ذلك من خلال قرارات سياسية واضحة وملزمة تمنع التدخل في اختصاصات المصرف المركزي.

وأضاف أن وجود إطار قانوني ومؤسسي واضح يمنع التدخل السياسي في السياسة النقدية ويضمن تطبيق سياسات المصرف المركزي بصورة دقيقة يمثل خطوة أساسية لاستعادة الاستقرار والثقة.

وأشار المحلل الاقتصادي والسياسي إلى أن توحيد الميزانية يجب أن يتزامن مع العمل على الوصول إلى سعر صرف موحد وواقعي، إلى جانب مكافحة السوق الموازية من خلال أدوات قانونية واقتصادية فعالة.

وأكد أن المصرف المركزي يحتاج إلى بيئة مؤسسية تسمح له بقيادة السياسة النقدية دون ضغوط أو تدخلات، معتبراً أن الحد من اتساع الفجوة بين السعر الرسمي وسعر السوق الموازية يمثل عاملاً أساسياً في استقرار الاقتصاد الليبي.

كما دعا الجديدي إلى ترشيد الإنفاق العام، وإعادة النظر في منظومة الدعم، ولا سيما دعم الوقود، باعتبار ذلك من الملفات الأساسية التي ينبغي معالجتها خلال المرحلة المقبلة لتخفيف الضغوط على المالية العامة وتعزيز الاستقرار المالي.

وشدد كذلك على ضرورة مراجعة منظومة الاعتمادات وربطها بالإنتاج والنشاط الاقتصادي الحقيقي، والابتعاد عن المحسوبية في منح الاعتمادات والامتيازات، معتبراً أن إصلاح هذه المنظومة يمثل جزءاً مهماً من معالجة الاختلالات التي يعاني منها الاقتصاد.

ووضع الجديدي إعادة هيكلة الدين العام ضمن أبرز الملفات التي تحتاج إلى معالجة عاجلة، محذراً من أن استمرار تراكم الدين يمثل عبئاً كبيراً على السياسة النقدية وعلى قدرة السلطات المالية والنقدية على اتخاذ قرارات مستقرة بشأن الموازنات المقبلة.

وأكد أن معالجة ملف الدين العام يجب أن تكون جزءاً من حزمة إصلاحات شاملة، لا إجراءً منفرداً، بحيث تتكامل مع توحيد الميزانية، وترشيد الإنفاق، وإصلاح منظومة الدعم والاعتمادات، وتعزيز استقلالية السياسة النقدية.

وخلص الجديدي، إلى أن استمرار التوافق السياسي الراهن حول دعم محافظ مصرف ليبيا المركزي لا ينبغي أن يقتصر على منع الاستقالة أو تأجيل الأزمة، بل يجب أن يتحول إلى فرصة لاتخاذ قرارات مؤسسية واضحة تعالج أسباب الاختلال الاقتصادي، وتمنح المصرف المركزي مساحة كافية لممارسة مهامه بعيداً عن التجاذبات السياسية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى