المرداس: ما يحدث في مصفاة الزاوية يضع حكومة الدبيبة أمام المسؤولية

قال الدبلوماسي والسفير السابق محمد المرداس إن التصعيدات المتتالية التي تشهدها المنطقة الغربية ومناطق أخرى في ليبيا خلال الفترة الأخيرة كانت متوقعة في ظل الانقسامات السياسية والخصومات بين حاملي السلاح ورفاق السلاح الذين أصبحوا اليوم في مواجهة بعضهم بعضاً بحثاً عن المصالح والأدوار والعلاقات الخارجية والتأثير في المشهد السياسي الدولي، معتبراً أن هذه التصعيدات تأتي نتيجة تحركات مجموعات منفلتة.
وأوضح المرداس في تصريحات على قناة “ليبيا الحدث”، ورصدتها “الساعة 24” أن ما يحدث في مصفاة الزاوية يضع الحكومة والأجهزة الأمنية أمام مسؤوليات مباشرة، منتقداً عدم تحمل أي جهة المسؤولية عن حماية المنشأة رغم تعرضها للاستهداف بالطائرات المسيرة على مدى ستة أو سبعة أيام، ومؤكداً أن طبيعة الطائرات المستخدمة، بحسب المعلومات التي لديه، تسمح بتتبع مصدرها وتحديد اتجاهها والمربع الأمني الذي تتبعه الجهة المنفذة.
وقال إن الطائرات المسيرة التي تم رصدها من نوع «كوادكوبتر» أو الطائرات التي تعمل بواسطة سلك فايبر، وهي طائرات لا يتجاوز مداها، بحسب تقديره، نحو 15 إلى 20 كيلومتراً، موضحاً أن السلك المرتبط بها يتيح إمكانية تتبعها وصولاً إلى مصدر الإطلاق، وبالتالي معرفة الاتجاه والمنطقة التي جاءت منها والجهة الأمنية التي يتبع لها المصدر، مشدداً على أن هذا النوع من الطائرات يختلف بصورة جوهرية عن طائرات مسيرة أخرى أو طائرات شراعية قادرة على قطع آلاف الكيلومترات.
وأضاف أن الطائرات الصغيرة التي تعمل عبر الألياف البصرية لا تستطيع التحرك لمسافات طويلة، بينما توجد طائرات أخرى، مثل «شاهد 36» وغيرها، قادرة على قطع مسافات تصل إلى نحو ألفي كيلومتر، لافتاً إلى أن بعض الطائرات التي اخترقت أجواء دول أوروبية، وفق ما ذكر، قطعت مسافات طويلة، وأن المقارنة بين هذه الطائرات والطائرات المرتبطة بسلك فايبر يجب أن تراعي اختلاف طبيعتها وإمكاناتها ومدى تحركها.
وانتقد المرداس غياب بيانات واضحة من وزارة الدفاع أو أجهزة المخابرات أو الأمن الداخلي بشأن مصدر الطائرات والجهة التي تقف وراء الهجمات، معتبراً أن ما يصدر عن الجهات الرسمية يتركز على محاولة تهدئة الوضع وإطفاء النار، من دون تقديم معلومات للرأي العام بشأن الجهة التي نفذت العمليات أو الإجراءات التي اتخذت لحماية خزانات الوقود.
وتساءل المرداس عن سبب عدم إصدار أوامر واضحة إلى الكتائب والوحدات العسكرية والأمنية الموجودة في المنطقة للانتشار أمام الخزانات وحمايتها ومنع استهدافها، مؤكداً أن حماية هذه المنشآت الحيوية تقع ضمن المسؤوليات الأساسية للحكومة ووزارة الدفاع والأجهزة الأمنية المختصة.
وفي تعليقه على حديث وزارة الدفاع عن وجود عمل عدائي ممنهج تقف وراءه أطراف مدعومة ومحرضة من جهات خارجية بهدف زعزعة أمن البلاد واستقرارها، تساءل المرداس عن كيفية دخول ليبيا في الصراع الدولي، مشيراً، وفق روايته، إلى أن الحكومة ووزارة الدفاع سمحتا بدخول أوكرانيين إلى ليبيا واستخدامهم في تشغيل طائرات مسيرة، كما منحتهم مواقع ومرافق عسكرية على البحر لاستخدامها في مواجهة الروس.
وقال إن من أدخل ليبيا في هذه اللعبة الدولية لا يمكنه، في الوقت نفسه، إصدار بيانات تتحدث عن وجود أيدٍ دولية وراء استهداف الخزانات، معتبراً أن حكومة الدبيبة ووزارة الدفاع تتحملان مسؤولية السماح باستخدام مرافق عسكرية ليبية في صراع دولي، وأن السعي إلى استرضاء الأوروبيين والأمريكيين لا يمكن أن يكون مبرراً لإدخال البلاد في مواجهات أكبر من قدراتها وقدرات الأطراف الدولية نفسها.
وأكد أن الطائرات التي استهدفت خزانات الوقود لم تأتِ من البحر، وإنما جاءت من اليابسة ومن جنوب الزاوية، وفق المعلومات التي حصل عليها من أشخاص في المدينة، مشيراً إلى أن الطائرات الأربع التي استخدمت تقنية «فايبر»، بحسب ما لديه من معلومات وصور، جاءت من جنوب المدينة، وأن طبيعة هذه الطائرات ومدى تحليقها لا يسمحان، في تقديره، بقطع مسافات بعيدة أو الوصول من البحر.
وأوضح أن اعتماد هذه الطائرات على البطاريات والألياف البصرية يحد من قدرتها على التحليق لفترات ومسافات طويلة، مشيراً إلى أن المعلومات التي جمعها والتواصل الذي أجراه مع أشخاص في الزاوية تؤكد، بحسب قوله، أن الطائرات جاءت من جنوب المدينة، وبالتالي من نطاق جغرافي يفترض أن يكون تحت سيطرة الحكومة والقوات الموجودة في المنطقة الغربية.
وأضاف أن وجود عناصر وأجانب داخل مناطق في الغرب، إلى جانب وجود مجموعات وأجانب يعملون في المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة، يمثل مشكلة أمنية تقع مسؤوليتها على عاتق السلطات، متسائلاً عن كيفية عجز الحكومة عن حماية المناطق والمنشآت الواقعة ضمن نطاق نفوذها، ومؤكداً أن القضية لا ينبغي أن تعالج ببيانات عامة تتحدث عن طرف خارجي من دون تحديد مصدر الطائرات.
وشدد المرداس على أن الحكومة لم تحدد حتى الآن مصدر الطائرات التي نفذت الهجمات، ولم توضح ما إذا كانت انطلقت من مزرعة أو منشأة أو طريق عبور أو معسكر أو منطقة محددة، كما لم تحدد الجهة التي أطلقتها أو تتحكم بها، متسائلاً عن أسباب عدم الكشف عن هذه المعلومات رغم مرور عدة أيام على الهجمات.
وانتقد كذلك عدم اتخاذ إجراءات أمنية وتقنية كافية لحماية خزانات الوقود، مشيراً إلى أنه تحدث مع أشخاص في المنطقة بشأن توفير سيارة تشويش، ولم تكن متاحة خلال الهجمات الأولى، كما لم تكن هناك، بحسب ما نقل عنه، وسائل اتصال لاسلكية أو تجهيزات كافية للتعامل مع الطائرات المسيرة.
وأوضح المرداس أن الطائرات التي تعمل عبر «فايبر» يصعب التشويش عليها بالوسائل التقليدية، لأنها مرتبطة مباشرة بالمرسل عن طريق السلك، إلا أنه أشار إلى وجود وسائل وإجراءات تقنية أخرى يمكن استخدامها للتعامل معها، متسائلاً عن أسباب عدم توفير هذه الوسائل لحماية المنشآت.
وأشار إلى أن الهجمات لم تقتصر على خزانات الوقود، وإنما شملت أيضاً محاولة استهداف الشركة الأمريكية الموجودة في الزاوية، موضحاً أن المحاولة، بحسب ما ذكر، تكررت، قبل أن تعلن الحكومة بعد سبعة أيام أنها كانت محاولة رابية، معتبراً أن تأخر الإعلان الرسمي وعدم تقديم معلومات واضحة لا يتناسبان مع خطورة الوضع.
وأكد المرداس أن تحميل عبد الحميد الدبيبة مسؤولية تفجير خزانات الوقود لا يعني بالضرورة أنه هو من نفذ الهجوم، لكنه اعتبر أن الحكومة تتحمل مسؤولية أمنية وسياسية عن عدم حماية المنشآت الحيوية، وعن عدم الكشف عن الجهات التي تقف وراء العمليات، مشدداً على أن وصف الهجوم بأنه عمل خارجي أو عمل عدائي ممنهج لا يكفي من دون تحديد الجهة المسؤولة وتقديم معلومات للرأي العام.
وفي رده على بيان وزارة الدفاع الذي دعا القبائل والمكونات الاجتماعية في مدينة الزاوية وعموم ليبيا إلى رفع الغطاء الاجتماعي والقبلي عن كل من يثبت تورطه في استهداف مصفاة الزاوية، استبعد المرداس أن يكون استهداف المصفاة بالمسيرات الانتحارية مقدمة مباشرة لعمل عسكري، معتبراً أن الأمر يرتبط بسياق أوسع من العمليات والصراعات التي تشهدها المنطقة الغربية.
وتساءل عن أسباب عدم دخول حكومة الوحدة المؤقتة إلى الزاوية في وقت سابق لفرض سيطرتها، متوقفاً عند العمليات العسكرية التي خاضتها الحكومة ضد مجموعات مسلحة في المنطقة الغربية، ومنها عمليات استهدفت مجموعات مختلفة، مشيراً إلى أن الحكومة سبق أن حركت أرتالاً ونفذت عمليات واستخدمت الطيران ضد مجموعات مسلحة، ومع ذلك استمرت حالة الفوضى وعدم الاستقرار.
وقال إن رئيس حكومة الوحدة المؤقتة عبد الحميد الدبيبة استفاد، بحسب تقديره، من الحروب التي وقعت في المنطقة الغربية، لأنها أضعفت خصومه وأدخلتهم في حروب استنزاف، وأظهرت في الوقت نفسه عدم جاهزية الملف الليبي للذهاب إلى مفاوضات وتسوية دولية.
وأضاف أن الدبيبة ظل خلال السنوات الماضية يتعامل مع عمليات عسكرية وأمنية متكررة في مناطق مختلفة من الغرب الليبي، من طرابلس إلى ترهونة وغريان والعجيلات وغيرها، معتبراً أن هذا المسار استمر نحو ست سنوات، وأن كل عملية تنتهي في منطقة تفتح الباب أمام مشكلة جديدة في منطقة أخرى، بدلاً من الوصول إلى معالجة جذرية للمنظومة الأمنية.
وأشار إلى أن ما يثير استغرابه هو قدرة الحكومة، من الناحية العملية، على تنفيذ عملية عسكرية في الزاوية متى قررت ذلك، موضحاً أن لديها رئيس أركان ينحدر من الزاوية ويتبع لها، ومع ذلك تتكرر العمليات العسكرية داخل المدينة وفي محيطها.
وتساءل المرداس عن طبيعة التوقعات من الدبيبة في ظل خلفيته السياسية وعدم امتلاكه، بحسب وصفه، خلفية عسكرية تقليدية أو مساراً في الكليات العسكرية، مضيفاً أن الدبيبة جاء إلى السلطة في ظل حالة من الفوضى وانتشار السلاح وتدفق الأموال، واستمر هذا الوضع طوال السنوات الست الماضية من دون معالجة جذرية.
وأوضح أن استمرار المشكلات في غريان والعجيلات وترهونة ومناطق أخرى، بعد العمليات التي شهدتها الزاوية، يعكس استمرار النهج نفسه، معتبراً أن الحكومة استهلكت أوراقها العسكرية والسياسية من خلال تكرار العمليات، خصوصاً في ظل وجود مبادرة المبعوث الأمريكي مسعد بولس والمساعي الدولية الرامية إلى دفع الأطراف الليبية نحو تسوية سياسية.
وقال إن الدبيبة، من خلال استمرار العمليات العسكرية، يرفع سقف المواجهة مع الطرف الآخر، بينما يتعامل مع تركيبة معقدة داخل الزاوية تضم مجموعات مسلحة متباينة ومتداخلة المصالح، مشيراً إلى أن بعض الأطراف قد تكون مستعدة للتعاون مع الحكومة أو تلقي الدعم منها، في حين توجد مجموعات أخرى ترفض ذلك.
وأضاف أن التعامل مع هذه التركيبة من خلال العمليات العسكرية قد يؤدي إلى مزيد من التعقيد بدلاً من حل المشكلة، متسائلاً عن الجهة التي تدير الطائرات المسيرة ومن أين جاءت ومن يقف خلف استخدامها، ومطالباً الحكومة ووزارة الدفاع بتحديد مصدرها والجهة التي تقف وراءها.
وأشار إلى أن الحكومة، إذا كانت تتحدث عن دور روسي، فهي، بحسب وصفه، سبق أن ورطت ليبيا في هذا الملف من خلال السماح لأطراف أجنبية بالتواجد واستخدام إمكانات ومواقع داخل البلاد، كما أنها تتعامل مع مجموعات مسلحة وتقدم لها الأموال، موضحاً أن بعض المبالغ التي تقدم لهذه التشكيلات تصل، وفق تعبيره، إلى عشرات الملايين.
وتساءل المرداس عن سبب استمرار دعم مجموعات مسلحة في الوقت الذي تخوض فيه الحكومة مواجهات مع مجموعات أخرى، داعياً وزير الدفاع ووزير الداخلية إلى تحمل مسؤولياتهما الأمنية والعسكرية، كلٌّ في نطاق اختصاصه، والعمل على تفكيك الإشكالات المرتبطة بالتشكيلات المسلحة والجهات التابعة للوزارات بدلاً من استمرار الصراع بينها وتحويل كل أزمة أمنية إلى عملية عسكرية جديدة.
وفي سياق رؤيته للتعامل مع التشكيلات المسلحة، قال المرداس إن احتواء هذه المجموعات يتطلب وضع تصنيف واضح لها، مشيراً إلى إمكانية التعامل معها باعتبارها جزءاً من أبناء المجتمع الليبي إذا ثبتت إمكانية دمجها وانخراطها في مسار منضبط.
وأوضح أن المجموعات المسلحة ينبغي تصنيفها وفق درجة خطورتها، بحيث تُعامل المجموعات المصنفة ضمن المستوى الأخطر بإجراءات مختلفة، بينما يمكن التعامل مع المجموعات الأقل خطورة من خلال برامج الاحتواء والدمج، وصولاً إلى المجموعات المنضبطة التي يمكن إدماجها بصورة مباشرة في المؤسسات الرسمية.
وأكد أن هذا النهج يمكن تطبيقه سياسياً وأمنياً وعسكرياً، بحيث يترتب على تحديد الأشخاص أو المجموعات التي تمثل خطراً واضحاً اتخاذ إجراءات مناسبة تجاهها، في حين يمكن التعامل مع المجموعات التي يمكن احتواؤها من خلال برامج منظمة للدمج والانضباط.
وفي تحليله لأبعاد استهداف مصفاة الزاوية وخزاناتها، رأى المرداس أن العملية قد تكون جزءاً من صراع أكبر من مجرد حادث أمني، معتبراً أن استمرار الفوضى قد يخدم أطرافاً تخشى التسوية السياسية أو ترى في استمرار الانقسام وسيلة للحفاظ على نفوذها ومصالحها.
وأوضح أن بعض القوى، وفق تحليله، قد تكون متمسكة بمناطق نفوذ صغيرة تحميها في ظل التغيرات الإقليمية، خصوصاً بعد تراجع نفوذ جماعات إسلامية في دول أخرى، معتبراً أن ليبيا قد تكون بالنسبة إلى هذه القوى آخر مساحة يمكنها الاحتفاظ فيها بنفوذ على ساحل البحر المتوسط.
وأضاف أن جماعات فقدت مواقعها في مصر وتونس ومناطق أخرى، وتواجه ضغوطاً في دول مختلفة، قد تسعى إلى الحفاظ على وجودها في ليبيا، محذراً من أن ذلك قد يدفعها إلى استخدام وسائل أكثر شراسة لإبقاء البلاد في حالة فوضى وعدم استقرار، ومعتبراً أن استهداف المنشآت الحيوية قد يكون جزءاً من هذا السياق.
وأشار المرداس إلى أن التحولات التي شهدتها سوريا لا تعني، من وجهة نظره، أن الجماعات الإسلامية فقدت قدرتها على العودة إلى المشهد، مستشهداً بمسارات أعقبت الثورات في ليبيا ومصر وتونس، حيث تمكنت قوى إسلامية من الوصول إلى مواقع مؤثرة بعد انهيار الأنظمة.
وأوضح أن ما جرى بعد تلك الثورات، بحسب قراءته، تمثل في انتقال قوى كانت موجودة في السجون أو خارج المشهد إلى مواقع السلطة والنفوذ، مستفيدة من حالة الانهيار التي أعقبت سقوط الأنظمة، معتبراً أن هذا المسار تكرر بأشكال مختلفة في عدد من الدول.
وقال المرداس إن استهداف خزانات الوقود قد لا يكون بالضرورة من تنفيذ عبد الحميد الدبيبة، لكنه قد يكون، في تقديره، من تنفيذ جهة تعرفها الحكومة وتخشى الإعلان عنها، لأن الكشف عنها قد يحول العملية إلى صراع داخلي مع حلفاء أو قوى مرتبطة بها، ولا سيما في ظل تعقيدات العلاقة بين أطراف المشهد السياسي والعسكري في الغرب الليبي.
وأضاف أن الأمر يتجاوز، بحسب تقديره، مجرد إطلاق طائرة مسيرة واستهداف خزان أو شركة أو مصفاة، وقد يكون جزءاً من عمل عسكري أوسع يهدف إلى السيطرة على منشآت حيوية، مؤكداً أن طبيعة العملية وتوقيتها يستدعيان التعامل معها باعتبارها قضية أكبر من حادث أمني منفرد، وأن استهداف شركة أو منشأة اقتصادية قد تكون له تداعيات أمنية وسياسية أوسع.
وشدد المرداس على أن مدينة الزاوية تتمتع بتركيبة قبلية واجتماعية قوية، وأن أبناء المدينة، مهما بلغت خلافاتهم، لن يقبلوا بأن تتحول منشآتها الحيوية إلى ساحة لتصفية الحسابات أو الصراعات الخارجية، مشيراً إلى أن البنية الاجتماعية للمدينة تمثل عاملاً مهماً في حماية المنطقة ومرافقها.
ورأى أن استهداف مصفاة الزاوية، باعتبارها منشأة ذات أهمية اقتصادية وسياسية واجتماعية في الساحل الغربي، لن يكون أمراً يمكن للقبائل والمكونات الاجتماعية في المدينة تجاهله، معتبراً أن هذه المكونات لن تسمح بتحويل المصفاة أو المدينة إلى ساحة لصراع يستهدف مصالحها ومقوماتها الحيوية.
وفي حديثه عن زيارة وزير الخارجية التركي هاكان فيدان إلى بنغازي ولقائه القائد العام، قال المرداس إن الزيارة تأتي ضمن خطوات سابقة وفي إطار تحركات تركية متسارعة لإعادة ترتيب موقفها من الملف الليبي، مشيراً إلى أن أنقرة أصبحت أكثر حماساً للتحرك في هذا الملف نتيجة إدراكها، بحسب تقديره، لحجم الفوضى التي تسبب بها دعمها السابق لحكومة الوحدة الوطنية والطرف الذي كانت تسانده في ليبيا.
وأوضح أن تركيا ربما أدركت أنها دعمت الطرف الخطأ في مرحلة سابقة، وأن التطورات الميدانية أظهرت تغير موازين النفوذ لمصلحة الجيش في المنطقة الشرقية، وهو ما دفعها إلى التحرك بطريقة مختلفة في الملف الليبي.
وأضاف أن انشغال تركيا بملفات إقليمية أكبر، ولا سيما الملفين السوري والإيراني، وما يرتبط بهما من مخاوف بشأن احتمال وجود وعود أو ترتيبات تتعلق بمشروع «كردستان الكبرى»، قد يدفع أنقرة إلى عدم التشدد في ملفات بعيدة مثل الملف الليبي، مشيراً إلى أن تركيا، بحسب تقديره، تتجه إلى ترك الملف الليبي، لكن من خلال انسحاب منظم ومدروس.
وحذر المرداس من أن الانسحاب التركي العشوائي من ليبيا قد يؤدي إلى إطالة أمد الأزمة أو يسمح لطرف معادٍ لتركيا بالوصول إلى الحكم، مؤكداً أن أي انسحاب يجب أن يتم من دون ترك خصومات أو عداوات مع الأطراف الليبية، لأن السياسة تختلف عن العمل العسكري، والأطراف السياسية تبحث في نهاية المطاف عن المصالح وإعادة ترتيب العلاقات وفق المتغيرات.
وقال إن الأطراف الليبية نفسها بدأت تبحث عن المصالح، مشيراً إلى أن صدام حفتر يبحث عن مصالح الدولة، وأن مختلف الأطراف باتت تتعامل مع السياسة بمنطق المصالح، معتبراً أن إنهاء الخصومة غير المبررة مع تركيا في ليبيا لا يمثل مشكلة، بل يمكن أن يفتح المجال أمام علاقات جديدة.
وأوضح أن تركيا تعمل على حماية مصالح شركاتها الاقتصادية مع الجيش، مشيراً إلى وجود مشاريع اقتصادية تركية في المنطقة الشرقية وبنغازي، معتبراً أن التعاون الاقتصادي يمكن أن يشكل مدخلاً لتجاوز الخصومة العسكرية وتحقيق مكاسب مشتركة بين البلدين، إلى جانب إمكانية الاستفادة من التعاون والتدريب العسكري.
وأضاف أن هذا التحول ليس وليد اللحظة، مشيراً إلى أن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان سبق أن أبدى استعداداً للتصالح مع الجيش، وأن هذا المسار جاء بعد رحلات مكوكية واجتماعات مطولة بين مختلف الأطراف، إلى جانب دخول دول أخرى على خط المشهد وتغير السياسات الداخلية في كل من ليبيا وتركيا.
وأكد المرداس أن التقارب بين الأطراف الليبية وتركيا يمكن أن يخدم مصالح الجميع، متسائلاً عن أسباب عدم دعم هذا المسار إذا كان يؤدي إلى تجاوز الخلافات السابقة والانتقال من الخصومة العسكرية إلى التعاون السياسي والاقتصادي.









