الفيتوري: ضخ 9 مليارات دولار لن يعالج أزمة سعر الصرف دون إصلاحات مالية شاملة

أكد أستاذ الاقتصاد بجامعة بنغازي، الدكتور عطية الفيتوري، أن ضخ نحو 9 مليارات دولار في السوق من قبل مصرف ليبيا المركزي لن يكون كافيًا لإعادة التوازن إلى سوق الصرف أو تحقيق استقرار دائم في قيمة الدينار الليبي، ما لم تترافق هذه الخطوة مع إصلاحات مالية واقتصادية أوسع، وفي مقدمتها ضبط الإنفاق العام، وإقرار ميزانية واضحة، ومكافحة الفساد، والحد من المضاربة على العملة الأجنبية، مشددًا على أن استقرار سوق الصرف مسؤولية مشتركة لا يمكن أن يتحملها مصرف ليبيا المركزي وحده.
وأوضح الفيتوري، خلال مداخلة على قناة “ليبيا الحدث”، رصدتها صحيفة “الساعة 24″، أن مصرف ليبيا المركزي يعمل حاليًا على استخدام عدة أدوات لتحقيق الاستقرار في سوق الصرف، من بينها ضخ العملة الأجنبية في السوق، إلى جانب إجراءات تستهدف امتصاص فائض السيولة وتقليل حجم النقد المتداول.
وأشار إلى أن أولى هذه الأدوات تتمثل في توفير الدولار النقدي داخل السوق، فيما تعتمد الأداة الثانية على تقييد جزء من الأموال السائلة عبر تحويل الحسابات الجارية إلى ودائع لأجل، مع منح أصحابها عوائد مالية، وإمكانية حصولهم على جزء من مستحقاتهم بالدولار عند انتهاء مدة الإيداع، بما يسهم في تقليص السيولة المتاحة للتداول.
وأضاف أن الأداة الثالثة تتمثل في إصدار شهادات إيداع من قبل مصرف ليبيا المركزي تُباع للمصارف التجارية ومن خلالها للجمهور، بهدف سحب جزء من السيولة الفائضة من السوق، مؤكدًا أن هذه الأدوات تُستخدم في العديد من الدول وليست حكرًا على ليبيا.
وبيّن الفيتوري أن الهدف النهائي لهذه الإجراءات هو تحقيق استقرار قيمة الدينار الليبي، بما يؤدي إلى تقليص الفجوة بين سعر الصرف الرسمي وسعر السوق الموازية، إلا أنه رأى أن الظروف الحالية تجعل من الصعب تحقيق هذا الهدف مهما بلغ حجم الدولارات التي يضخها المصرف المركزي، سواء كانت 9 مليارات دولار أو أكثر.
وأوضح أن استقرار سعر الصرف يعني أن يتمكن أي مواطن أو مستورد من الحصول على احتياجاته من العملة الأجنبية بالسعر الرسمي عبر المصارف التجارية، دون قيود على المبالغ المطلوبة، سواء كانت ألفي دولار أو عشرة آلاف دولار أو أكثر، وهو ما لا يتحقق في الوضع الراهن.
ورأى أن مصرف ليبيا المركزي يتخذ إجراءات صحيحة من الناحية الفنية، لكنها تبقى غير كافية بسبب وجود عوامل أخرى تُفقد هذه التدخلات فعاليتها، مشبهًا الأمر بضخ المياه في وعاء مثقوب، إذ تتبدد آثار الضخ سريعًا نتيجة استمرار الاختلالات الاقتصادية.
ولخص الفيتوري أبرز هذه الاختلالات في ثلاثة عوامل رئيسية، يأتي في مقدمتها الإنفاق العام غير المنضبط، موضحًا أن ليبيا لا تمتلك حتى الآن ميزانية عامة معتمدة تحدد بشكل واضح حجم الإنفاق وأبوابه المختلفة، الأمر الذي يجعل الإنفاق مفتوحًا وغير خاضع لضوابط تشريعية، ويحد من قدرة المصرف المركزي على تنفيذ سياسة نقدية فعالة، لأن السياسة النقدية لا يمكن أن تحقق أهدافها في ظل سياسة مالية غير منضبطة.
وأضاف أن العامل الثاني يتمثل في انتشار الفساد، سواء في المشتريات الحكومية أو في الاعتمادات المستندية، مشيرًا إلى أن لائحة العقود الإدارية تنص على ضرورة طرح المشروعات في مناقصات عامة وفق مواصفات محددة، بما يضمن المنافسة والشفافية واختيار أفضل العروض، إلا أن الواقع يشهد، بحسب وصفه، اعتماد أسلوب التكليف المباشر في كثير من العقود، وهو ما يعد مخالفة للإجراءات القانونية ويفتح الباب أمام هدر المال العام.
وأوضح أن الفساد في الاعتمادات المستندية يظهر من خلال المبالغة في أسعار السلع المستوردة أو عدم توريد الكميات المتفق عليها بالكامل، إلى جانب وجود شركات خارجية مملوكة لبعض التجار تقدم عروضًا بأسعار مبالغ فيها، وهو ما يؤدي إلى زيادة الطلب على الدولار واستنزاف الاحتياطيات.
وأشار الفيتوري إلى أن العامل الثالث يتمثل في المضاربة على العملة الأجنبية، موضحًا أن حائزي السيولة بالدينار الليبي يسارعون إلى شراء الدولار خشية خفض قيمة العملة الوطنية في المستقبل، نتيجة اتساع الفجوة بين السعر الرسمي وسعر السوق الموازية، وهو ما يرفع الطلب على النقد الأجنبي بصورة مستمرة.
ورأى أن الطلب المرتفع على الدولار لا يرتبط فقط بالاحتياجات التجارية، وإنما تغذيه أيضًا عوامل الفساد والمضاربة والإنفاق العام غير المنضبط، الأمر الذي يزيد الضغوط على السياسة النقدية، مؤكدًا أن معالجة هذه التحديات لا تقع على عاتق مصرف ليبيا المركزي وحده، وإنما تتطلب تنسيقًا كاملاً بين المصرف المركزي والحكومة، من خلال ضبط الإنفاق العام، واعتماد ميزانية واضحة، وتعزيز الرقابة على المشتريات الحكومية والاعتمادات المستندية، بما يهيئ البيئة المناسبة لاستقرار سعر الصرف واستعادة الثقة في الدينار الليبي.
وأكد الفيتوري أن استمرار ارتفاع سعر الدولار في السوق الموازية، رغم ضخ مليارات الدولارات عبر المصارف، يعود إلى أن الطلب على العملة الأجنبية لا يزال يفوق حجم المعروض، نتيجة عوامل هيكلية تتجاوز قدرة مصرف ليبيا المركزي على معالجتها بمفرده.
وأوضح أن التوقعات عند بدء المصرف المركزي في ضخ الدولار كانت تشير إلى أن زيادة المعروض ستؤدي تدريجيًا إلى انخفاض سعر الدولار في السوق الموازية وتقليص الفجوة بين السعر الرسمي وسعر السوق، إلا أن النتائج جاءت مغايرة للتوقعات، لأن الطلب على الدولار ينمو بوتيرة أكبر من زيادة المعروض، بفعل الفساد والإنفاق العام غير المنضبط والمضاربة، مشيرًا إلى أن بقاء سعر الدولار في السوق الموازية عند مستويات تقترب من ثمانية دنانير ونصف للدولار الواحد لا يعود إلى ضعف ضخ العملة الأجنبية، وإنما إلى أن حجم الطلب لا يزال أكبر من حجم المعروض الذي يقدمه المصرف المركزي.
وشدد على أن معالجة الأزمة تتطلب خفض الطلب على الدولار، وليس الاكتفاء بزيادة المعروض، وذلك من خلال مكافحة الفساد، والحد من الإنفاق الحكومي غير المنضبط، واعتماد ميزانية عامة واضحة تحدد أبواب الإنفاق وقيمها بشكل دقيق.
وردًا على سؤال بشأن ما إذا كانت خطة مصرف ليبيا المركزي قد فشلت، قال الفيتوري إن الإجراءات الحالية قد تسهم في تخفيف الضغوط مؤقتًا، لكنها لن تحقق الاستقرار المطلوب إذا استمرت بمعزل عن إصلاحات مالية واقتصادية أوسع، مؤكدًا أن “يدًا واحدة لا تصفق”، وأن المصرف المركزي لا يستطيع بمفرده معالجة الأزمة الاقتصادية.
وأوضح أن نجاح السياسة النقدية يتطلب شراكة حقيقية مع الحكومة، وخاصة وزارة المالية باعتبارها الجهة المسؤولة عن إدارة الإنفاق العام، إلى جانب دور وزارة الاقتصاد في ضبط الأسواق.
كما جدد الفيتوري تأكيده أن سياسات المصرف المركزي الحالية تبقى حلولًا مؤقتة، مشيرًا إلى أن المصرف لا يزال يفتقر إلى بعض الأدوات والإجراءات المكملة، كما أن طريقة تواصله مع الرأي العام تحتاج إلى تطوير، منتقدًا تركيزه على الإعلان المستمر عن حجم العجز والمخاطر الاقتصادية، معتبرًا أن هذا الخطاب قد يثير مخاوف المواطنين ويغذي المضاربة على الدولار بدلًا من تعزيز الثقة في السياسة النقدية.
ودعا المصرف المركزي إلى التواصل المباشر مع رجال الأعمال والقطاع الخاص، وتقديم رسائل تطمينية بشأن استقرار سعر الصرف، وتشجيع أصحاب السيولة المحتفظ بها خارج الجهاز المصرفي على إعادة أموالهم إلى المصارف بما يسهم في معالجة أزمة السيولة.
وفيما يتعلق بسياسة الودائع المقيدة التي أطلقها المصرف المركزي لسحب السيولة من السوق، قال الفيتوري إنه لا يمكن تقييم نتائجها في ظل غياب البيانات الرسمية، مشيرًا إلى أن المصرف لم يعلن حتى الآن حجم الأموال التي تم تحويلها من الحسابات الجارية إلى الودائع الزمنية، أو مدى استجابة المواطنين والمصارف لهذه المبادرة.
وأضاف أن غياب النشرات الاقتصادية الدورية التي اعتاد المصرف المركزي إصدارها يزيد من صعوبة تقييم فعالية السياسات النقدية، موضحًا أن هذه النشرات كانت توفر بيانات مهمة عن الجهاز المصرفي والسيولة والإجراءات المتخذة، إلا أنها لم تصدر خلال الفترة الأخيرة، الأمر الذي يحرم الباحثين والمختصين من المعلومات اللازمة لتقييم الأداء الاقتصادي بصورة دقيقة.
وشدد على أن نجاح أي سياسة نقدية يتطلب قدرًا أكبر من الشفافية والإفصاح، إلى جانب تنسيق فعّال بين المصرف المركزي والسلطات المالية.
وحذر الفيتوري من أن استمرار تراجع أسعار النفط العالمية قد ينعكس سلبًا على قدرة مصرف ليبيا المركزي في مواصلة سياسة ضخ الدولار داخل السوق، مؤكدًا أن انخفاض الإيرادات النفطية، بالتزامن مع استمرار الإنفاق العام بالمستويات الحالية، قد يدفع الدولة إلى السحب من الاحتياطيات النقدية لتغطية احتياجاتها.
وأوضح أن استقرار سعر الصرف يمثل المدخل الأساسي لتحقيق الاستقرار الاقتصادي والتنمية، وأن معالجة أزمة سعر الصرف لا تعتمد فقط على تدخلات مصرف ليبيا المركزي، وإنما تتطلب الحد من الفساد، والإنفاق العام غير المنضبط، والمضاربة على العملة الأجنبية، مؤكدًا أن المطلوب ليس القضاء الكامل على هذه الظواهر، وإنما تقليصها بصورة ملموسة بما يهيئ الظروف لاستقرار قيمة الدينار.
وأوضح أن أسعار النفط شهدت خلال الفترة الأخيرة تراجعًا كبيرًا بعد أن كانت تقارب 110 دولارات للبرميل، قبل أن تهبط إلى نحو 72 أو 73 دولارًا، مرجحًا استمرار الضغوط على سوق النفط العالمية مع زيادة الإنتاج وارتفاع المعروض، وهو ما ستكون له انعكاسات مباشرة على الاقتصاد الليبي الذي يعتمد بصورة كبيرة على الإيرادات النفطية.
وأضاف أن استمرار الإنفاق الحكومي بالمعدلات الحالية، مع تراجع الإيرادات النفطية، سيؤدي إلى اتساع العجز المالي، وقد يفرض اللجوء إلى السحب من الاحتياطيات النقدية أو إعادة النظر في السياسات المالية والنقدية، محذرًا من أن استمرار تراجع أسعار النفط في ظل غياب إصلاحات مالية وضبط للإنفاق العام سيزيد الضغوط على سعر صرف الدينار الليبي ويجعل الحفاظ على استقرار سوق النقد الأجنبي أكثر صعوبة.
ودعا الفيتوري إلى اتخاذ إجراءات مالية عاجلة للتقليل من آثار تقلبات أسعار النفط على الاقتصاد الليبي، مؤكدًا أن المسؤولية تقع على عاتق جميع المؤسسات التنفيذية في شرق البلاد وغربها، من أجل التعامل مع التحديات الاقتصادية الراهنة قبل تفاقمها.
وأوضح أن الأولوية تتمثل في إدراك صناع القرار لحجم المخاطر، مشيرًا إلى ما أُعلن بشأن التوافق على توحيد الميزانية العامة، ومتسائلًا عن قيمتها الفعلية ومدى الالتزام بتنفيذها، معتبرًا أن وضوح حجم الإنفاق وآليات تنفيذه يمثل خطوة أساسية في إدارة المالية العامة.
كما دعا إلى عدم التوسع في الإنفاق، وضبط مخصصات أبواب الميزانية، وتنظيم الإنفاق في البابين الثاني والثالث، مع تحديد واضح للمخصصات الموجهة للمنطقتين الشرقية والغربية، لافتًا إلى أن ملف الدعم، شأنه شأن العقود الحكومية والاعتمادات المستندية، لا يزال يشهد مظاهر فساد تستوجب رقابة أكبر وإصلاحات جادة.
واختتم الفيتوري حديثه بالتأكيد على أن المسؤولين في الحكومتين، وكذلك في مصرف ليبيا المركزي، يدركون حجم هذه التحديات، وأن المرحلة الحالية تتطلب ترجمة هذه المعرفة إلى إجراءات عملية تعزز الانضباط المالي وتحافظ على استقرار الاقتصاد الليبي في ظل المتغيرات التي تشهدها أسواق النفط العالمية.









