اخبار مميزةليبيا

التويجر: المبادرة الأمريكية تمثل فرصة لتوحيد مؤسسات الدولة الليبية

أكد أستاذ القانون، رمضان التويجر، أن التصريحات الصادرة من المبعوث الأمريكي مسعد بولس، حسمت الجدل بشأن المبادرة السياسية الخاصة بليبيا، موضحًا أنها تأتي برعاية مباشرة من الولايات المتحدة الأمريكية وبدعم من رئيسها، وهو ما يضع حدًا للتفسيرات التي شككت خلال الفترة الماضية في الجهة الراعية لهذه المبادرة.

وقال التويجر، في حديث لتلفزيون “المسار”، رصدته صحيفة “الساعة 24″، إن أي مبادرة تستهدف بشكل مباشر توحيد مؤسسات الدولة الليبية، وترسيخ الاستقرار، وإبعاد البلاد عن شبح الحرب، تستحق الترحيب والدعم، مشيرًا إلى أن التحدي الحقيقي لا يكمن في إطلاق المبادرات، وإنما في آليات تنفيذها، ومدى توافق الأطراف الدولية المنخرطة في الملف الليبي عليها، إلى جانب قدرة الأطراف الليبية على الوصول إلى توافق وطني يضمن نجاحها.

وأوضح أن الانقسام السياسي المستمر، وانعدام الثقة بين القوى الليبية، إضافة إلى تعدد التدخلات الخارجية، كانت جميعها عوامل أسهمت في تعقيد الأزمة، معتبرًا أن تبني الولايات المتحدة، بوصفها إحدى أكبر القوى الدولية، لمبادرة تهدف إلى تقريب وجهات النظر بين الليبيين يمثل عاملًا مهمًا قد يدفع العملية السياسية إلى الأمام، ويمهد الطريق نحو انتخابات عامة يتم من خلالها التداول السلمي على السلطة عبر صناديق الاقتراع، بعد استكمال توحيد المؤسسات الأمنية والعسكرية والسلطة التنفيذية.

وأضاف أن نجاح أي مبادرة يظل مرهونًا أولًا بوجود إرادة ليبية حقيقية وصادقة تقوم على الثقة المتبادلة بين الأطراف ذات الثقل السياسي والعسكري، إلى جانب امتلاك رؤية دقيقة للمشهدين المحلي والدولي.

وأكد أنه إذا تمكن الليبيون من تقديم مبادرة وطنية متوافق عليها، فإنها ستفرض نفسها على المجتمع الدولي، بما في ذلك مجلس الأمن، ولن تقتصر آثارها على إحراج الولايات المتحدة أو أي دولة أخرى، بل ستصبح الأساس الذي يلتف حوله الجميع.

وأشار التويجر إلى أن قرارات مجلس الأمن تؤكد في جوهرها أن مهمة بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا تقتصر على مساندة الليبيين في الوصول إلى توافق سياسي، وليس فرض حلول عليهم، مؤكدًا أن أي اتفاق وطني حقيقي سيكون خطوة بالغة الأهمية نحو إنهاء الأزمة.

وشدد على أن الأولوية يجب أن تتركز على توحيد المؤسستين العسكرية والأمنية، باعتبارهما الأداتين اللتين تمكّنان الدولة من احتكار استخدام القوة وإنفاذ القانون، إلى جانب تشكيل سلطة تنفيذية موحدة، مؤكدًا أن هذه الخطوات تمثل الأساس الحقيقي لبناء دولة مستقرة.

وفي السياق ذاته، أوضح التويجر أنه لا يتفق مع النظام السياسي الذي نشأ عقب اتفاق الصخيرات عام 2015، معتبرًا أن نموذج تقاسم السلطة الذي بدأ بالمجلس الرئاسي الأول، ثم تطور إلى الفصل بين المجلس الرئاسي والحكومة، أثبت فشله بصورة واضحة طوال السنوات الماضية، ولم يحقق الاستقرار المنشود.

وأضاف أن نجاح أي مبادرة لا ينبغي أن يُقاس بالأشخاص أو الجهات الراعية لها، وإنما بقدرتها على تحقيق المصلحة الوطنية، مؤكدًا أن الدول المتدخلة في الشأن الليبي، بما فيها الولايات المتحدة، تتحرك انطلاقًا من مصالحها، وهو أمر طبيعي في العلاقات الدولية، لكن في المقابل فإن لليبيين أيضًا مصالحهم الوطنية التي يجب أن تكون في مقدمتها استعادة السيادة، وتوحيد المؤسسات العسكرية والأمنية، وتشكيل سلطة تنفيذية موحدة تمهد لمرحلة جديدة من الاستقرار والتنمية.

وأكد أن الدور الأساسي لبعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا يتمثل في مساعدة الليبيين على الوصول إلى حل سياسي، مشيرًا إلى أن أي مبادرة، سواء كانت هذه المبادرة أو غيرها، إذا نجحت في إخراج البلاد من أزمتها، فإن الأمم المتحدة ستدعمها وستساند تنفيذها.

وأقر التويجر بأن نجاح أي مبادرة لا يمكن ضمانه مسبقًا، إلا أنه يرى أن المبادرة الحالية تمتلك فرصًا كبيرة لتحقيق تقدم، خاصة أنها تحظى بتفاعل ومشاركة عدد من الأطراف الفاعلة في المشهد الليبي.

وأشار إلى أن الأزمة تعمقت بصورة أكبر منذ عام 2014، عقب حكم الدائرة الدستورية بالمحكمة العليا بشأن شرعية انتخاب مجلس النواب، وما أعقب ذلك من اندلاع الحرب والانقسام السياسي والمؤسسي الذي ما زالت البلاد تعاني منه حتى اليوم.

وأوضح أن الأطراف الدولية تدخلت في الشأن الليبي بصورة مباشرة وغير مباشرة، رغم قرارات مجلس الأمن الدولي التي تحظر تزويد الأطراف الليبية بالسلاح، مؤكدًا أن الواقع الميداني كان مغايرًا لذلك، الأمر الذي أدى إلى استمرار الصراع نتيجة تقاطع المصالح الدولية داخل ليبيا.

وأضاف أن أي مبادرة سياسية جديدة ستواجه محاولات لإفشالها من بعض الأطراف الدولية التي تتعارض مصالحها، إلا أنه يرى أن التطورات الإقليمية، ولا سيما حالة التوتر في منطقة الخليج العربي والصراع بين الجمهورية الإسلامية الإيرانية والولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل، تمثل فرصة حقيقية لليبيا.

وأشار إلى أن حالة عدم الاستقرار في منطقة الخليج وانعكاساتها على أسواق الطاقة العالمية دفعت الدول الكبرى إلى البحث عن بدائل آمنة لإمدادات النفط والغاز، الأمر الذي يجعل ليبيا في مقدمة الدول المرشحة للقيام بهذا الدور، إلى جانب الجزائر ونيجيريا وفنزويلا، وهو ما قد يخلق توافقًا دوليًا أكبر لدعم استقرار ليبيا.

ودعا التويجر الليبيين إلى استثمار هذه الفرصة بالتوحد والاتفاق على تشكيل سلطة تنفيذية جديدة تقود البلاد نحو انتخابات عامة، بعيدًا عن النظام السياسي القائم الذي أفرزه الاتفاق السياسي بالصخيرات عقب حرب عام 2014.

وأكد أن النظام الحالي يمثل نموذجًا هجينًا غير مسبوق، إذ وزع السلطة التنفيذية أفقيًا بين المجلس الرئاسي والحكومة، كما قسم السلطة التشريعية بين مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة، معتبرًا أن هذا النموذج أثبت فشله بغض النظر عن الأشخاص الذين يتولون إدارة هذه المؤسسات.

وأوضح أن المبادرة السياسية المطروحة حاليًا تختلف عن سابقاتها لأنها تركز بصورة مباشرة على توحيد المؤسسات العسكرية والأمنية، لافتًا إلى أن احتكار الدولة للسلاح وممارسة العنف المشروع عبر مؤسساتها الأمنية والعسكرية يعد أساس قيام أي دولة مستقرة، وهو ما افتقدته ليبيا طوال السنوات الماضية.

وأضاف أن توحيد المؤسسات يمثل المدخل الحقيقي لإنجاز الاستحقاق الانتخابي، مؤكدًا أن ليبيا لا تمتلك اليوم مؤسسات دولة موحدة، بل تعيش حالة انقسام في مختلف مؤسساتها، الأمر الذي يعرقل أي عملية انتخابية أو دستورية.
وفي السياق ذاته، شدد التويجر على أهمية استكمال المسار الدستوري، مشيرًا إلى أن هيئة صياغة مشروع الدستور أنهت أعمالها منذ عام 2017، وأنه أصبح من الضروري العودة إلى الاستفتاء على مشروع الدستور، خاصة بعد تعثر الاستفتاء والانتخابات التي كانت مقررة عام 2021 نتيجة ما وصفته المفوضية الوطنية العليا للانتخابات بحالة القوة القاهرة.

وأشار إلى أن التجربة الليبية خلال السنوات الماضية أثبتت عدم التزام الأطراف السياسية بالجداول الزمنية، موضحًا أن الاتفاق السياسي منح مجلسي النواب والدولة مدة 18 شهرًا، إلا أن هذه المرحلة امتدت لما يقارب عشر سنوات دون تحقيق أهدافها.

ورغم ذلك، رأى التويجر أن تركيز المبادرة الجديدة على توحيد المؤسسات الأمنية والعسكرية يمنحها فرصة أكبر للنجاح والالتزام بالمواعيد الزمنية الخاصة باستكمال المسار الدستوري والوصول إلى الانتخابات، إذا نجحت السلطة التنفيذية الجديدة في تنفيذ ما يتم الاتفاق عليه.

وحول أبرز التحديات التي تواجه المبادرة، أكد التويجر أن التحدي الأول يتمثل في ضرورة تعديل نظام الحكم الحالي، وعدم الاكتفاء بتغيير الأشخاص، مشددًا على أن الأزمة تكمن في طبيعة النظام السياسي نفسه، الذي وصفه بأنه فاشل بامتياز، داعيًا إلى تبني نموذج أكثر انسجامًا مع التجارب الدستورية والإدارية المعمول بها في دول العالم.

وأضاف أن التحدي الثاني يتمثل في تهيئة بيئة عمل مؤسسية طبيعية، من خلال توحيد مقار السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية، إضافة إلى مصرف ليبيا المركزي، بحيث تعمل جميعها من مكان واحد داخل الدولة، بما يحقق مبدأ الفصل بين السلطات والتكامل والتنسيق بينها، وينهي حالة الانقسام الجغرافي والإداري التي عطلت مؤسسات الدولة.
وأشار إلى أن استمرار وجود المجلس الرئاسي والحكومة ومجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة في مدن مختلفة يكرس حالة التنازع في إصدار القرارات ويعيد البلاد إلى دائرة الانقسام.

وأضاف أن التحدي الثالث يتمثل في إدارة تقاطع المصالح الدولية، من خلال بناء علاقات متوازنة مع مختلف القوى الدولية تقوم على احترام سيادة ليبيا وتحقيق المصالح المشتركة، مؤكدًا أن انحياز أي سلطة تنفيذية مستقبلية لمحور دولي على حساب آخر سيكون أحد أسباب فشلها، كما حدث خلال السنوات الماضية.

أما التحدي الرابع، فيتمثل في إنجاز مشروع المصالحة الوطنية والعدالة الانتقالية، باعتباره المدخل الحقيقي لتوحيد الليبيين وبناء دولة مستقرة، داعيًا إلى أن تكون السلطة المقبلة سلطة لجميع الليبيين دون استثناء، تعمل على رأب الصدع الوطني وترسيخ مبادئ العدالة والمصالحة، مع الاستفادة من التجارب الدولية والوطنية في هذا المجال.

واختتم التويجر مداخلته بالتأكيد على أن الأولوية الوطنية تتمثل في تشكيل سلطة تنفيذية موحدة، يليها إصلاح نظام الحكم، ثم استكمال المسار الدستوري والانتخابي، بما يضمن بناء دولة مستقرة وقادرة على استعادة مؤسساتها وتحقيق تطلعات الليبيين.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى