“الشاوش”: يجب تنظيم الأجهزة الأمنية قبل أن يتحول العنف إلى واقع دائم

قال الناشط الحقوقي محمود الشاوش، إن اقتحام مؤسسة الإصلاح والتأهيل خلال الاشتباكات الأخيرة لم يكن مجرد حادث أمني عابر، بل يمثل مؤشراً خطيراً على حجم التهديد الذي يطال المؤسسات العدلية وسيادة القانون، محذراً من أن استمرار غياب المحاسبة والتحقيقات الجادة سيؤدي إلى تحول الاشتباكات المسلحة إلى نمط متكرر يعتاد عليه المجتمع، مع ما يحمله ذلك من تداعيات خطيرة على الأمن والاستقرار.
وأضاف الشاوش، خلال لقائه مع قناة الوسط، أن ما جرى لا يعكس ضعفاً في الأجهزة المكلفة بحماية السجون أو المؤسسات القضائية، موضحاً أن أداء مؤسسات الإصلاح والتأهيل شهد تحسناً ملحوظاً خلال الفترة الأخيرة مقارنة بالسنوات السابقة، سواء من حيث احترام الإجراءات القانونية أو أوضاع النزلاء داخل السجون.
وأوضح أن الانتهاكات التي كانت تُسجل سابقاً داخل بعض المؤسسات الإصلاحية، مثل عدم عرض النزلاء على النيابات أو التأخر في إحالتهم إلى الجهات القضائية، تراجعت بصورة كبيرة، مشيراً إلى أن زيارات ميدانية أجريت لعدد من السجون، من بينها مؤسسة الإصلاح والتأهيل في السواني وغيرها، أظهرت وجود تنظيم أفضل، ومعاملة إنسانية للنزلاء، إضافة إلى توفير أماكن للعبادة وبرامج لتعليم الحرف والمهن، وهو ما اعتبره تطوراً إيجابياً في أداء هذه المؤسسات.
وأضاف أن الاشتباكات الأخيرة وفرت فرصة استغلتها مجموعات مسلحة لاقتحام السجن، موضحاً أن عناصر الحماية الموجودة لم تتمكن من التصدي للمهاجمين خشية الانخراط في مواجهة مباشرة وسط الاشتباكات العنيفة التي كانت تدور في محيط المؤسسة، لافتاً إلى أن أفراد الشرطة العاملين في السجون سبق أن تعرضوا في مناسبات سابقة للاعتداء وسرقة أسلحتهم والتعدي عليهم، وهو ما يعكس حجم التحديات الأمنية التي تواجهها هذه المؤسسات.
وأشار إلى أن انتشار السلاح ووجود العصابات الإجرامية المنظمة شكلا البيئة التي سمحت بحدوث عملية اقتحام السجن وتهريب عدد من النزلاء، مؤكداً أن الاشتباكات التي صاحبت الواقعة كانت عنيفة للغاية وشهدت استخدام مختلف أنواع الأسلحة، بما في ذلك الطائرات المسيّرة، الأمر الذي جعل رجال الأمن يركزون على أداء واجبهم دون توقع تعرض المؤسسة لعملية اقتحام في ذلك التوقيت.
وأوضح أن المجموعات المسلحة استغلت حالة الفوضى التي سادت المنطقة، فاقتحمت المؤسسة وفتحت عنابر الإيواء الواحد تلو الآخر، وهو ما تسبب في حالة ارتباك داخل السجن، إضافة إلى سرقة بعض تجهيزات وممتلكات الشرطة، مؤكداً أن أحداً لم يتمكن من الوصول إلى رجال الأمن أو تقديم الدعم اللازم لهم للحفاظ على النزلاء في ظل شدة المواجهات.
ولفت إلى أن خطورة الواقعة لا تكمن فقط في عملية الاقتحام، وإنما في طبيعة السجناء الذين تمكنوا من الفرار، موضحاً أن من بينهم محكومين بالإعدام وآخرين متهمين أو مدانين في قضايا جنائية خطيرة، وهو ما يشكل تهديداً مباشراً للأمن، خاصة في ظل انتشار السلاح والعصابات الإجرامية في المنطقة الغربية.
وأضاف أن السلطات أعلنت حتى الآن عن عودة نحو ستين نزيلاً من أصل ما يقارب ألفاً ومئتي شخص فروا أثناء الأحداث، موضحاً أن معظم الذين عادوا كانت قضاياهم بسيطة أو مرتبطة بمخالفات وجنح، بينما لا يتوقع أن يبادر أصحاب القضايا الجنائية الخطيرة إلى تسليم أنفسهم بسهولة، مؤكداً أن ملاحقتهم ستتطلب جهوداً أمنية واسعة ومستمرة.
وأكد أن الأجهزة الأمنية مطالبة بالعمل على إعادة القبض على جميع السجناء الفارين، لأن استمرار وجودهم خارج السجون قد يشكل خطراً على المجتمع، مشيراً إلى أن إجراءات إدارة السجن قبل الاقتحام كانت قانونية ولم تشهد تجاوزات، وأن مثل هذه الحوادث قد تقع حتى في دول أخرى عندما تتعرض المؤسسات الأمنية لهجمات مسلحة.
وفي سياق آخر، شدد الشاوش، على أن مدينة الزاوية تشهد منذ فترة طويلة سلسلة متكررة من الاشتباكات المسلحة، بعضها لا يصل حتى إلى وسائل الإعلام، إذ تندلع مواجهات ليلية داخل عدد من الأحياء والمربعات الأمنية، الأمر الذي يجعل الأزمة تتفاقم من دون حلول حقيقية.
ودعا إلى فتح تحقيقات عاجلة وشفافة في جميع الأحداث التي شهدتها المدينة، مؤكداً أنه لم يلحظ حتى الآن أي خطوات جدية لجبر الضرر أو تعويض المواطنين الذين فقدوا منازلهم أو محالهم التجارية أو سياراتهم ومصادر رزقهم نتيجة الاشتباكات، كما أشار إلى غياب أي مبادرات لتعويض المتضررين أو دعمهم.
وأضاف أن أسر الضحايا المدنيين الذين سقطوا داخل منازلهم جراء القصف العشوائي لم تتلق، ما تستحقه من اهتمام أو مواساة رسمية، معتبراً أن تأجيل معالجة هذه الملفات قد يدفع المدينة إلى أوضاع أكثر سوءاً في المستقبل.
وأكد أن محاسبة المسؤولين عن اندلاع الاشتباكات ضرورة لا يمكن تجاوزها، سواء من تسبب في إشعال المواجهات أو ارتكب الجرائم المصاحبة لها، مشيراً إلى أنه لا يعتقد أن ما حدث سيكون آخر الاشتباكات في الزاوية أو صرمان أو في المنطقة الغربية عموماً إذا استمرت الأوضاع على حالها.
كما تساءل عن دور المجتمع الدولي والبعثة الأممية في حماية المدنيين، مستحضراً قرار حماية المدنيين الصادر عام 2011، ومشيراً إلى أن سكان الزاوية وصرمان هم أيضاً مواطنون ليبيون يستحقون الحماية، تماماً كما يحدث في العاصمة طرابلس عندما تُتخذ إجراءات لمنع الاشتباكات داخلها.
وطالب باتخاذ إجراءات قانونية صارمة بحق المجموعات المسلحة، داعياً وزير الداخلية إلى إصدار قرارات حازمة تعيد فرض سلطة الدولة، كما ثمّن تدخل المنطقة العسكرية بالساحل الغربي وبعض الكتائب التي عملت على احتواء المواجهات وفض النزاع، رغم أن الاشتباكات لم تتوقف فوراً واستمرت لفترة من الزمن.
وأكد أن الأولوية يجب أن تكون للمحاسبة واتخاذ قرارات رادعة تمنع تكرار مثل هذه الأحداث، حتى لا يبقى المواطن ضحية لصراعات لا يعرف أسبابها، مشيراً إلى أن يومين من الاشتباكات كانا كفيلين بزرع الرعب بين السكان، في ظل سقوط القذائف بشكل عشوائي على الأحياء السكنية.
وأوضح أن الواقع الذي عاشه سكان المنطقة كان أشد قسوة مما نقلته المقاطع المصورة، إذ ساد الخوف نتيجة أصوات المدافع والأسلحة الثقيلة والقذائف التي كانت تتساقط على المنازل، ما أدى إلى سقوط ضحايا مدنيين، بينهم رجل مسن يبلغ من العمر نحو سبعين عاماً توفي متأثراً بإصابته، إلى جانب إصابة حفيده وآخرين من عائلات مختلفة، فضلاً عن احتراق منازل ومحال تجارية تقدر قيمتها بملايين الدنانير، الأمر الذي حرم كثيراً من المواطنين من مصادر رزقهم.
وحمّل الشاوش، البعثة الأممية مسؤولية أخلاقية وسياسية تجاه ما يحدث، معتبراً أنها مطالبة بالقيام بدور أكثر فاعلية في حماية المدنيين، كما دعا في الوقت ذاته السلطات الليبية إلى تحمل مسؤولياتها الكاملة في حماية المواطنين وإنهاء حالة الانفلات الأمني.
وأشار إلى أن النشطاء الحقوقيين تعرضوا خلال الفترة الماضية لتهديدات ومنع من توثيق بعض الوقائع أو الوصول إلى أماكن الأحداث، معتبراً أن ذلك يعرقل كشف الحقائق ويحد من جهود توثيق الانتهاكات.
واختتم الشاوش تصريحاته بالتأكيد على ضرورة فتح تحقيقات شاملة ومحاسبة جميع المتورطين في تدمير الممتلكات وإزهاق الأرواح وترويع المدنيين، إلى جانب إعادة هيكلة الأجهزة الأمنية والعسكرية في المنطقة الغربية، واستبعاد غير المنضبطين، وفتح المجال أمام الراغبين في الانضمام إلى المؤسسات النظامية وفق القوانين والضوابط، مع تكثيف جهود الأجهزة الأمنية لإعادة القبض على السجناء الفارين، حفاظاً على أمن المجتمع ومنع تفاقم الجريمة خلال المرحلة المقبلة.









