اخبار مميزةليبيا

الفضيل: وجود الدعم من حيث المبدأ يمثل تشوهاً اقتصادياً

أكد أستاذ علم الاقتصاد بجامعة مصراتة، عبد الحميد الفضيل، أن استبدال دعم المحروقات في ليبيا يمثل ضرورة اقتصادية، لكنه شدد على أن تنفيذه بصورة مفاجئة سيكون بمثابة «صدمة اقتصادية» يصعب على المواطنين والاقتصاد الليبي امتصاص آثارها، داعياً إلى اعتماد الرفع التدريجي للدعم، بالتوازي مع إصلاح مؤسسات الدولة ومعالجة منظومة الجباية والتهريب.

وقال الفضيل في حديث لقناة “ليبيا الحدث” إن وجود الدعم، من حيث المبدأ، يمثل تشوهاً اقتصادياً، وإن الأصل أن يوجه الدعم إلى الفئات الأكثر احتياجاً، لكنه أوضح أن المشكلة في ليبيا لا تكمن فقط في وجود الدعم، وإنما في الطريقة التي يُدار بها النظام الحالي، وما يرتبط به من تهريب وفساد وضعف في مؤسسات الدولة.

وأوضح أن الحديث عن استبدال الدعم يجب ألا يبدأ من السؤال عن السعر الجديد للوقود فقط، وإنما من سؤال أكثر أهمية، وهو: هل تمتلك الدولة المؤسسات القادرة على إدارة عملية الاستبدال وضمان وصول الوفر المالي إلى مستحقيه؟

وأشار إلى أن الرفع التدريجي يمكن أن يبدأ بزيادة محدودة في سعر لتر الوقود، مثل الانتقال من 150 درهماً إلى 300 درهم، ثم تقييم النتائج قبل اتخاذ قرار بشأن الزيادة التالية. واعتبر أن الزيادة التدريجية تسمح بامتصاص الصدمة ومراقبة تأثيراتها على الأسعار والدخل ومستوى المعيشة.

ولفت الفضيل إلى أن أي عملية رفع للدعم يجب أن تكون مشروطة بمجموعة من الإجراءات، في مقدمتها إصلاح منظومة الجباية، ووقف التعاقدات أو المناقصات التي تحيط بها شبهات، وتحديد الاحتياجات الفعلية للمؤسسات العامة من المحروقات، إضافة إلى مكافحة التهريب بصورة جدية.

واستند الفضيل إلى بيانات وردت في تقارير ديوان المحاسبة، موضحاً أن نحو 50% من المحروقات، وفق بيانات عام 2024، تذهب إلى المؤسسات العامة، بما فيها الكهرباء والجيش والشرطة ومصانع الإسمنت وغيرها، بينما تذهب النسبة الأخرى إلى شركات التوزيع والسوق المحلي.

وقال إن هذه النسبة تمثل تحدياً رئيسياً أمام فكرة استبدال الدعم، لأن رفع سعر الوقود سيؤدي، في حال بقاء المؤسسات العامة على معدلات استهلاكها الحالية، إلى زيادة كبيرة في موازناتها ونفقاتها التشغيلية.

وأضاف: «إذا كانت وزارة الدفاع، على سبيل المثال، تضع موازنة محددة للمحروقات على أساس السعر المدعوم، فإن رفع السعر سيعني ارتفاع فاتورتها بشكل كبير، والأمر نفسه ينطبق على الكهرباء ومصانع الإسمنت وغيرها من المؤسسات العامة».

وشدد على أن استبدال الدعم لن يؤدي بالضرورة، في ظل الوضع المؤسسي الحالي، إلى تحقيق الوفر المالي المتوقع، لأن جزءاً كبيراً من تكلفة المحروقات يتحول ببساطة من دعم مباشر إلى إنفاق حكومي أعلى.

ولفت الفضيل إلى الارتفاع الكبير في قيمة واردات المحروقات خلال السنوات الأخيرة، مشيراً إلى أن تكلفة الواردات ارتفعت، وفق الأرقام التي أوردها، من نحو 3 مليارات دولار في المتوسط عام 2020 إلى نحو 9.2 مليار دولار عام 2024، قبل أن تنخفض إلى نحو 7.9 أو 8 مليارات دولار خلال عام 2025.

وقال إن هذا الارتفاع، خصوصاً منذ بدء ما وصفه بـ«المقايضة» في عام 2021، يستوجب تحقيقاً دقيقاً لتحديد أسباب تضخم فاتورة المحروقات، ومعرفة مدى ارتباط ذلك بالاحتياجات الفعلية للاستهلاك أو بوجود مخالفات وشبهات فساد.

وأكد أن معالجة ملف المحروقات لا يمكن أن تقتصر على قرار رفع السعر، بل يجب أن تبدأ من مراجعة آليات الاستيراد وتحديد الكميات الحقيقية المطلوبة للسوق الليبية، ووقف أي ممارسات تؤدي إلى تضخيم فاتورة الاستيراد.

وتطرق الفضيل إلى ملف الجباية، مستشهداً بتقارير ديوان المحاسبة التي أشار فيها إلى أن نسبة تحصيل الإيرادات المستهدفة من مبيعات المحروقات لا تتجاوز نحو 22%.

وأوضح أن القيمة المستهدفة كانت في حدود 1.6 مليار دينار، بينما لم يتجاوز ما وصل فعلياً إلى الخزانة العامة نحو 360 مليون دينار، وفق الأرقام التي استشهد بها.

وقال إن هذه النسبة تطرح سؤالاً أساسياً: «إذا كانت الدولة غير قادرة على تحصيل الإيرادات المستحقة عند بيع الوقود بالسعر المدعوم، فكيف ستتمكن من ضمان تحصيل الإيرادات بعد رفع السعر إلى خمسة أو ستة دنانير للتر؟».

وأضاف أن إصلاح الجباية لا يمكن أن يحدث بين ليلة وضحاها، لكنه يجب أن يبدأ بخطوات واضحة وقابلة للقياس، بحيث تتم مراجعة النتائج في كل مرحلة قبل الانتقال إلى المرحلة التالية.

وأكد الفضيل أن التهريب يمثل أحد أبرز عناصر الخلل في منظومة المحروقات، لكنه شدد على ضرورة النظر إلى التهريب باعتباره مشكلة متعددة المستويات، لا تقتصر على المواطنين أو العصابات التي تنقل الوقود عبر الحدود.

وأشار إلى ما ورد في تقارير دولية وتقارير لجان خبراء بشأن وجود تهريب في عرض البحر، بل وحدوث عمليات قبل وصول شحنات المحروقات إلى الأراضي الليبية، بحسب ما نُقل عن تلك التقارير.

كما أشار إلى تصريحات لمسؤولين في الدولة تحدثوا عن تهريب الوقود قبل تفريغه في مستودعات شركة البريقة، معتبراً أن ذلك يؤكد أن المشكلة لا تتعلق فقط بمرحلة التوزيع أو بمحطات الوقود.

وقال إن مكافحة التهريب تتطلب معالجة «منابع التهريب» نفسها، وتحديد الجهات المستفيدة منه، وتطبيق القانون على الجميع، مشدداً على أن أي إصلاح لمنظومة الدعم لن يحقق أهدافه إذا استمرت عمليات التهريب.

وأشار الفضيل إلى أن مشكلة المحروقات في ليبيا لا تتعلق بالبنزين فقط، بل إن الديزل يمثل تحدياً أكبر، مستشهداً ببيانات عام 2024 التي قال إنها تظهر ارتفاع نسبة استهلاك الديزل الموجه إلى المؤسسات العامة.

وأوضح أن نحو 78% من الديزل المستورد أو المنتج محلياً يذهب إلى جهات ومؤسسات عامة، مثل شركة الكهرباء والجيش والشرطة ومصانع الإسمنت وغيرها، بينما يمثل البنزين حالة مختلفة، إذ تذهب النسبة الأكبر منه إلى شركات التوزيع والسوق المحلي، فيما تذهب نسبة أقل إلى المؤسسات العامة.

وأكد أن هذه الأرقام تعني أن أي قرار باستبدال الدعم يجب أن يأخذ في الاعتبار طبيعة الاستهلاك الحكومي، وليس فقط استهلاك المواطنين.

ورفض الفضيل حصر المستفيدين من دعم المحروقات في أصحاب السيارات أو ذوي الدخول المرتفعة، موضحاً أن الفئات الفقيرة تستفيد من الدعم بصورة غير مباشرة أيضاً.

وقال إن المواطن الذي لا يمتلك سيارة يستفيد من انخفاض تكلفة النقل، وبالتالي من انخفاض تكلفة نقل السلع والخدمات بين المدن، كما أن ارتفاع أسعار الوقود سينعكس على أسعار النقل والغذاء والخدمات والكهرباء، بما يؤثر بصورة أكبر على أصحاب الدخول المحدودة.

وأوضح أن الأسرة الفقيرة قد تضطر أيضاً إلى تحمل تكاليف إضافية بسبب أزمة الكهرباء، مثل شراء مولد كهربائي أو الوقود اللازم لتشغيله، ما يجعل ارتفاع أسعار المحروقات عبئاً إضافياً عليها.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى