سعدون: غياب الدولة وتغول الميليشيات يفاقمان أزمة الهجرة غير النظامية
قال الخبير القانوني في شؤون الهجرة أحمد سعدون إن ملف الهجرة غير النظامية يرتبط بغياب الدولة الفاعلة، مشيراً إلى وجود ما وصفه بـ«اللا دولة» وعدم وجود حكومة حقيقية، في ظل نشاط ميليشيات تستغل الوضع على سواحل البحر الأبيض المتوسط.
وأوضح سعدون في تصريحات على قناة «المشهد»، رصدتها «الساعة 24» أن هذه الميليشيات تحقق ملايين الدولارات سنوياً من تجارة تهريب المهاجرين، مشيراً إلى أن بعض المهاجرين يتعرضون، على الأرض، للاستغلال والعمل القسري دون أجور، ولا سيما القادمين من دول أفريقية.
وأضاف أن هذا الواقع يستدعي تدخلاً من الأمم المتحدة ودول مثل فرنسا وإيطاليا، باعتبارها معنية بهذا الملف، معتبراً أن تدخلها لا يزال خجولاً وضعيفاً، في حين تستمر عمليات التهريب بالتعاون مع بعض المسؤولين عن أمن السواحل والمناطق الساحلية، الذين وصف أدوارهم بأنها غير إنسانية.
ورأى سعدون أن الخلل الأساسي يكمن في إدارة أمن الدولة ووزارة الداخلية والجهات المسؤولة عن أمن السواحل، مشدداً على أهمية هذه المسألة، خصوصاً أن هناك أشخاصاً أبرياء تدفعهم ظروف قاهرة إلى مغادرة بلدانهم. وأوضح أن غالبية المهاجرين يغادرون بلدانهم بسبب أوضاع اقتصادية وظروف قاهرة، تشمل دولاً أفريقية، إضافة إلى ليبيا ومصر وتونس والجزائر، مشيراً إلى أن هذه الظروف تدفعهم إلى المخاطرة بحياتهم ومستقبلهم بحثاً عن وضع اقتصادي أفضل.
وأشار إلى وجود فجوة أمنية كبيرة في متابعة مافيا التهريب، فضلاً عن وجود ميليشيات تحقق مئات الآلاف من الدولارات نتيجة هذه الأنشطة، معتبراً أن الأمر يحتاج إلى تدخل كبير من الدول المحيطة بليبيا، ومن بينها مالطا وإيطاليا.
وقال سعدون إن المهاجر، سواء كان عربياً أو أفريقياً، يعيش ظروفاً أكبر مما يمكن تصوره، ويواجه وضعاً اقتصادياً صعباً يدفعه إلى المجازفة بحياته، إلا أن وصوله إلى أوروبا لا يعني بالضرورة تحقيق أهدافه، موضحاً أن دولاً عدة لا تمنح اللجوء أو الإقامة لمن يبحث فقط عن العمل أو تحسين وضعه الاقتصادي.
وأضاف أن بريطانيا، على سبيل المثال، لا تتعامل مع هذا النوع من الهجرة باعتباره مسألة خيرية، وأن الشخص الليبي أو التونسي أو المغربي الذي يحاول تحسين وضعه الاقتصادي لا يمكنه القيام بذلك على حساب الاقتصاد البريطاني أو نظام الضرائب، في ظل وجود شروط وإثباتات يجب أن يقتنع بها محقق وموظف الهجرة قبل منح حق الإقامة.
وأشار سعدون إلى أن غالبية الذين يصلون إلى أوروبا لا يمتلكون المستوى العلمي أو الثقافي أو الدراسي الذي يمكنهم من معرفة كيفية التعامل مع دوائر الهجرة والإجراءات القانونية، ولذلك يكون كثير منهم عرضة للتغرير من قبل مافيا التهريب.
وأوضح أن الشخص الذي يدفع بين ألفين وثلاثة آلاف يورو لشبكات التهريب يتوقع الوصول إلى ما يريده، إلا أن هذا الأمر غالباً لا يتحقق، بسبب التعقيدات والشروط الصارمة التي تفرضها دوائر الهجرة في فرنسا وألمانيا ودول الاتحاد الأوروبي، وكذلك بريطانيا، مشيراً إلى أن هذه الإجراءات تشددت خلال السنوات الأخيرة بهدف منع وردع وصول طالبي اللجوء.
وأكد سعدون أن الهجرة غير النظامية ليست ظاهرة جديدة، وأن الحد منها يتطلب محاربة شبكات التهريب قبل انطلاق المهاجرين، بدلاً من التركيز على الأشخاص وهم في عرض البحر، خصوصاً أن منع سفن الإنقاذ والمنظمات الإنسانية من إنقاذهم قد يؤدي إلى مزيد من الوفيات.
وأوضح أن معالجة الظاهرة من جذورها تتطلب توفير الأمن والاستقرار ومحاربة الفساد المالي والإداري والبطالة في الدول التي ينطلق منها المهاجرون، مشيراً إلى أن تحقق هذه الظروف قد يحد من دوافع الهجرة، لكنه اعتبر الوصول إلى هذه المرحلة أمراً يحتاج إلى سنوات، داعياً إلى التعامل مع الواقع القائم والبحث عن إجراءات عملية للحد من الظاهرة.
وأشار سعدون إلى أن دول الاتحاد الأوروبي تتبادل المسؤولية بشأن ملف الهجرة، قائلاً إن بعض الدول باتت ترفض استقبال طالبي اللجوء، وإن فرنسا وبلجيكا وهولندا تتخذ إجراءات أكثر تشدداً في هذا المجال.
وأضاف أن بريطانيا بدأت، في الفترة الأخيرة، إعادة بعض الأشخاص الذين يصلون إليها وتوجد لهم بصمات سابقة في فرنسا، وفق إجراءات قانونية، موضحاً أن هذا الأمر لم يكن معمولاً به سابقاً، لكنه تغير مع تغير رئيس الوزراء ووزير الداخلية وصدور قوانين وإجراءات أكثر صرامة للحد من ظاهرة اللجوء.
وشدد سعدون في ختام تصريحاته على أن معالجة ملف الهجرة غير النظامية والحد من تدفق المهاجرين يتطلبان تعاوناً دولياً واسعاً، إلى جانب مواجهة شبكات التهريب وتحسين الأوضاع الأمنية والاقتصادية في دول المصدر.









