الشريف: أزمة الوقود في ليبيا ترتبط بالفساد وتحتاج إلى حلول جذرية

قال أستاذ الاقتصاد بجامعة بنغازي، علي الشريف، إن ليبيا بحاجة إلى التحول سريعًا من الدعم العيني إلى الدعم النقدي، إلا أن الظروف الحالية في البلاد، وفي مقدمتها عدم الاستقرار السياسي وعدم وجود حكومات موحدة، لا تبدو مواتية لتنفيذ برنامج بهذا الحجم والأهمية.
وأوضح الشريف في تصريحات على “شبكة صفر” رصدتها صحيفة الساعة 24، أن أي برنامج لإعادة هيكلة الدعم يجب أن يستهدف الطبقات الهشة، وأن يضمن توزيع الدعم بصورة عادلة، مشيرًا إلى وجود تفاوت في الاستفادة من الدعم العيني، إذ قد يمتلك الغني خمسة مبانٍ وخمس سيارات، بينما لا يملك الفقير حتى منزلًا أو سيارة واحدة، ما يعكس، بحسب قوله، عدم عدالة توزيع الدعم العيني.
وأضاف أن رفع الدعم واستبداله بالدعم النقدي في الظروف الحالية قد يؤدي إلى عدم قدرة المواطن البسيط على الحصول على التعويض المالي الكافي بما يمكنه من توفير احتياجاته بنفسه، مشيرًا في الوقت ذاته إلى أن إلغاء الدعم قد يؤدي إلى مستويات من التضخم.
وبيّن أن رفع الدعم عن الديزل، على وجه الخصوص، ستكون له انعكاسات واسعة على الاقتصاد، موضحًا أن قطاع الطاقة يعد قطاعًا محوريًا ويدخل في كثير من القطاعات، وبالتالي فإن أي تحرك في سعر الديزل سينعكس على مختلف الأسعار في الاقتصاد، ما قد يؤدي إلى مستويات تضخم تؤثر مباشرة على المواطن.
ورأى الشريف أن المطلوب هو إجراء دراسة شاملة في ظل دولة مستقرة، تأخذ في الاعتبار جميع هذه العوامل، إلى جانب توفير بنية تحتية جيدة للمواصلات والنقل العام، موضحًا أن القطاع الخاص غير قادر على استيعاب قطاع النقل العام بالشكل المطلوب.
وأشار إلى أن توفير هذه المتطلبات والعوامل مجتمعة قد يساعد على تنفيذ عملية إعادة هيكلة الدعم بصورة أفضل، لافتًا إلى أن استمرار الوضع الحالي يؤدي إلى تفاقم مشكلة كبيرة في الوقود وغيرها من القطاعات.
وفيما يتعلق بأزمة الوقود، قال الشريف إن المشكلة في ليبيا مركبة، مشيرًا إلى أن عملية إدارة المؤسسة منذ البداية تمثل مشكلة كبيرة، خاصة بعد التغييرات التي طرأت على آلية الاستيراد والتوزيع.
وأوضح أن المؤسسة تتولى حاليًا استيراد الوقود، بينما تُترك عملية توزيعه لشركة البريقة وبعض الشركات الأخرى، معتبرًا أن كثرة الموزعين أدت إلى هشاشة في إدارة عملية التوزيع بصورة جيدة.
وأشار إلى وجود عدد كبير من المحطات التي لا تعمل، رغم أنها تستلم حصصها من الوقود نظريًا، موضحًا أن السيارات المحملة بالوقود قد تتجه إلى جهات أخرى أو إلى عمليات التهريب.
وأضاف أن هذه المشكلة تتزامن مع ورود كميات كبيرة من الوقود، مستشهدًا بفاتورة الوقود التي وصلت إلى المركز خلال الشهر الماضي وبلغت مليارًا و400 مليون، متسائلًا عن أسباب وجود شح في الوقود رغم هذه الكميات.
وأكد الشريف أن ليبيا، باعتبارها دولة نفطية وليست حبيسة وتقع على البحر المتوسط، يفترض ألا تعاني من أي مشكلة في توفير الوقود، وأن يكون متاحًا بصورة كبيرة، خاصة أن عدد سكانها لا يمثل ضغطًا كبيرًا مقارنة بالوضع الطبيعي.
ورأى أن المشكلة في ليبيا ترتبط بالإدارة والفساد، فضلًا عن دعم الوقود بصورة عينية، وهو ما خلق، بحسب قوله، تشوهًا أدى إلى تهريب الوقود إلى دول أخرى بكميات كبيرة، الأمر الذي تسبب في شح داخل السوق المحلية، رغم وجود كميات كبيرة من الوقود.
وأوضح أن وصول كميات كبيرة من الوقود إلى السوق يؤدي فقط إلى تهدئة الشارع لفترة معينة، قبل أن تعود المشكلة من جديد، في ظل عدم انتظام عملية العرض والطلب بصورة صحيحة.
وأشار إلى أن ناقلات الوقود تصل بصورة مستمرة إلى موانئ طبرق وبنغازي ومصراتة وطرابلس، مؤكدًا أن السفن المحملة بالوقود لا تتوقف عن الوصول، إلا أن المشكلة تكمن في وجود عجز داخل السوق وسوء التوزيع.
وشدد الشريف على أن المشكلة لا تقتصر على سوء التوزيع فقط، وإنما تتمثل في وجود فجوة كبيرة في وصول الوقود إلى المحطات التي تبيع الوقود فعليًا.
وأضاف أن جانبًا آخر من الأزمة يرتبط بقطاع الكهرباء، الذي يعتمد بدوره على الوقود والغاز، موضحًا أن نقص الكهرباء يؤدي إلى إغلاق عدد كبير من محطات الوقود، وعندما تُغلق المحطات بسبب انقطاع الكهرباء يحدث الازدحام، وتنتشر شائعة نقص الوقود، وتستمر هذه الشائعة لفترة إلى أن تصدر منشورات من الشركة تؤكد توفر الوقود في السوق.
وبيّن أن تأكيد توفر الوقود يؤدي تدريجيًا إلى استقرار الناس في التعامل مع الوضع، قبل أن تبدأ الازدحامات الكبيرة من جديد، مؤكدًا أن المشكلة كبيرة ويعاني منها الشرق والغرب والجنوب.
وأشار إلى أن الجنوب يعاني منذ فترة من مشكلة خاصة في الدعم، موضحًا أن مناطق الجنوب لا تحصل منه على شيء، ولا سيما جنوب طرابلس بالكامل.
وأكد الشريف أن أزمة الوقود لا تحتاج إلى حلول آنية، على غرار الحلول الآنية التي يجري تنفيذها في أزمة الكهرباء، وإنما تحتاج إلى حلول جذرية وكبيرة لمختلف المشكلات الاقتصادية، وليس لمشكلة توزيع الوقود فقط.
وفيما يتعلق بارتفاع تكلفة توريد الوقود، قال الشريف إن الإيرادات الليبية تعتمد بصورة أساسية على النفط، مشيرًا إلى أن ارتفاع أسعار النفط يفترض أن ينعكس إيجابًا على الإيرادات، إلا أن فاتورة الوقود ارتفعت في المقابل، وهو ما أدى إلى زيادة كبيرة في النفقات مقارنة بالإيرادات.
وأوضح أن ارتفاع فاتورة الوقود من الناحية النظرية أمر متوقع، لكن كان يفترض أن يكون ذلك بمعدلات أقل بكثير من معدلات نمو الإيرادات النفطية، بحيث تكون النتيجة في صالح الإيرادات وليس لصالح النفقات.
وأضاف أن المؤسسة المعنية عزت هذا الارتفاع، بحسب ما أُعلن، إلى زيادة هامش الديزل، موضحًا أن هامش الديزل الذي كان يقترب من 20 دولارًا ارتفع إلى نحو 100 دولار، وأصبح هامش الديزل أكبر من تكلفة البرميل من المصدر نفسه عندما يصل إلى 100 دولار.
وأشار إلى أن هذا الأمر لا يفسر وحده النمو الكبير في فاتورة الوقود، مؤكدًا أن ارتفاعها بهذا الشكل أدى إلى انخفاض قيمة الحصيلة التي تصل إلى مصرف ليبيا المركزي بصورة كبيرة، وهو ما يؤثر بدوره على حجم الواردات التي يستخدمها المصرف المركزي لتمويل بنود الموازنة العامة ومحاولة كبح سعر الدولار في السوق الموازية.
وقال الشريف إن المصرف المركزي أصبح، بحسب تعبيره، «مكتوف الأيدي» أمام هذه النفقات الكبرى، التي لا تتناسب مع حجم الإيرادات التي يفترض أن تكون أكبر منها، مشيرًا إلى أنه عندما تصل إلى المصرف المركزي إيرادات بقيمة مليار دولار في شهر يوليو، بينما تبلغ فاتورة الوقود مليارًا و400 مليون، فإن ذلك يمثل علامة استفهام كبيرة جدًا.
وأوضح أن هذه التطورات شهدت، بحسب قوله، علامة استفهام كبيرة من جانب المحافظ، نتيجة الضغوط وعدم القدرة على تغطية احتياجات الموازنة العامة، بالتزامن مع خروج السوق الموازية عن السيطرة، مشيرًا إلى أن المحافظ الصديق الكبير أعلن استقالته بسبب هذه المشكلات.
وأضاف أن هناك تضخمًا في النفقات العامة، إلى جانب عجز كبير في الإيرادات، مؤكدًا أن أي زيادة في النفقات التي تمثل الباب الرابع ستكون لها، بكل تأكيد، تأثيرات سلبية على الاقتصاد بشكل عام وعلى الموازنة بشكل خاص.
وبيّن أن الموازنة الليبية تعتمد على السلع المستوردة من الخارج، وهي سلع مرتبطة بالدولار، مشيرًا إلى أن سعر الدولار في السوق الموازية تجاوز حاليًا 9.5 دينار، بعدما كان مستقرًا عند نحو 8.5 دينار خلال الأشهر الماضية.
وأكد الشريف أن المشكلة الاقتصادية في ليبيا «مركبة ومتشابكة»، وتتطلب معالجة جميع هذه المشكلات في الوقت نفسه، للوصول إلى نتائج هادفة تحقق التوازن الاقتصادي، وتحافظ في الوقت ذاته على توازن أوضاع الأفراد من ناحية مستوى المعيشة.









