اخبار مميزةليبيا

الترهوني: إنهاء التشكيلات المسلحة الطريق الوحيد لوقف نزيف الدم في الزاوية وصرمان

أكد الخبير في الشؤون الأمنية والاستراتيجية محمد الترهوني أن الاشتباكات المتكررة في مدينتي الزاوية وصرمان ليست حدثًا جديدًا، وإنما تمثل امتدادًا لحالة مستمرة من الانفلات الأمني، مشيرًا إلى أن مشاهد الاقتتال والتصفية والاغتيالات باتت تتكرر بصورة مألوفة، حيث تنتهي جولات الاشتباكات لتعود مجددًا بعد ساعات قليلة، في ظل استمرار سقوط الضحايا بين المدنيين.

وقال الترهوني لقناة “المسار” في مداخلة رصدتها الساعة24 إن حالة الصمت والجمود التي تعقب هذه الأحداث من قبل حكومة الوحدة الوطنية والجهات الأمنية والعسكرية التابعة لها تعكس، بحسب رأيه، غياب الدور الحقيقي للدولة في حماية المواطنين، معتبرًا أن المؤسسات التنفيذية، بما فيها وزارتا الدفاع والداخلية، لا تمارس الأدوار التي تعكس مسمياتها، وهو ما أسهم في استمرار تدهور الأوضاع الأمنية في الزاوية وصرمان، بل وفي العاصمة طرابلس أيضًا، التي تشهد بين الحين والآخر مواجهات بين تشكيلات مسلحة تستهدف مقرات ومواقع مختلفة.

وأوضح أن الوضع الأمني بات هشًا وخطيرًا إلى درجة لم يعد يهدد حياة المدنيين فحسب، بل امتد تأثيره إلى الخدمات الأساسية، وعلى رأسها الكهرباء، إضافة إلى مختلف جوانب الحياة اليومية التي أصبحت، وفق تعبيره، رهينة للتشكيلات المسلحة الخارجة عن القانون. وأضاف أن البيانات الصادرة عن الجهات التي تحمل مسميات وزارة الدفاع أو القوات التابعة لها لا تصدر إلا بعد انتهاء الاشتباكات وسقوط الضحايا، بينما يظل المدنيون هم الخاسر الأكبر.

ورأى الترهوني أن الحل لا يكمن في إصدار بيانات الإدانة، وإنما في إنهاء وجود التشكيلات المسلحة الخارجة عن القانون، مؤكدًا أنها تقف، بحسب قوله، وراء الانفلات الأمني، إضافة إلى تورطها في تهريب الوقود وتهريب البشر وترويج المخدرات داخل الزاوية وصرمان ومناطق أخرى، الأمر الذي يجعلها، وفق رأيه، خطرًا مباشرًا على حياة المواطنين.

وأضاف أن استمرار هذه التشكيلات يعني استمرار نزيف الأرواح، وبقاء المدنيين عالقين بين مطرقة الميليشيات وسندان القذائف والأسلحة الثقيلة.

وأشار إلى أن استمرار هذه التشكيلات سيؤدي إلى تكرار الاشتباكات مستقبلًا، مع سعي كل طرف إلى تعزيز نفوذه واستعادة مقراته ومواقعه، مؤكدًا أن الأزمة لن تنتهي ما لم يتم القضاء على هذه الظاهرة بصورة نهائية، وإنشاء مؤسسة عسكرية وطنية تمتلك عقيدة عسكرية قائمة على حماية المواطن وصون أمنه، وهي المقومات التي قال إن التشكيلات المسلحة تفتقر إليها.

وتساءل الترهوني عن الأسباب التي حالت دون قيام رئاسة أركان المنطقة الغربية بتفعيل غرفة عمليات مشتركة للتعامل مع التطورات الأمنية، لافتًا إلى أن حتى بعض أعضاء المجلس الأعلى للدولة انتقدوا طريقة إدارة الأزمة، معتبرين أن استحداث أجهزة أمنية جديدة لا يختلف عن الأجهزة السابقة التي أُنشئت للغرض ذاته دون تحقيق نتائج ملموسة.

وأضاف أن تعدد المسميات الأمنية، مثل أجهزة حماية الساحة وغيرها، لم يسهم في إنهاء الفوضى، لأنها، بحسب رأيه، لا تختلف كثيرًا عن التشكيلات المسلحة الخارجة عن القانون وتفتقر إلى مفهوم المؤسسة الأمنية الحقيقية.

كما اعتبر أن ما يسمى بوزارة الدفاع وبعض التشكيلات التابعة لها لا تمتلك، بحسب رأيه، المقومات اللازمة لتشكيل مؤسسة عسكرية نظامية، بل تعمل وفق الآليات نفسها التي تعمل بها الجماعات المسلحة، وهو ما يحول دون بناء منظومة أمنية مستقرة.

وأوضح أن جوهر الأزمة يتمثل في غياب المؤسسة العسكرية النظامية عن المنطقة الغربية، مستشهدًا بمناطق أخرى كانت تعاني سابقًا من التنظيمات المتطرفة، لكنها تمكنت لاحقًا من إعادة بناء مؤسسات أمنية وعسكرية تضم أجهزة شرطة ومديريات أمن وجيشًا نظاميًا، الأمر الذي حدّ من مظاهر الفوضى والاقتتال.

وأكد أن المنطقة الغربية تفتقر اليوم إلى مؤسسة عسكرية فعلية، موضحًا أن الموجود على الأرض هو تشكيلات مسلحة ذات انتماءات ديموغرافية وجغرافية وسياسية مختلفة، يرتبط بعضها بتيارات معينة ويتلقى الدعم منها، فيما يمنح ولاءه لحكومة الوحدة الوطنية، التي قال إنها تعمل، بحسب رأيه، على تقوية طرف على حساب آخر بهدف فرض السيطرة على الشريط الساحلي، معتبرًا أن هذه السياسات أسهمت في استمرار دوامة الفوضى.

واستحضر الترهوني تصريحات سابقة لرئيس حكومة الوحدة الوطنية منتهية الولاية عبد الحميد الدبيبة عقب مقتل عبد الغني الككلي “غنيوة”، والتي أعلن خلالها تنفيذ عملية أمنية تستهدف التشكيلات المسلحة، متحدثًا حينها عن عودة الحياة واستبدال أصوات الرصاص بأصوات الأفراح.

إلا أن الترهوني تساءل عن نتائج تلك الوعود، مشيرًا إلى أن التشكيلات التي تتقاتل اليوم ما زالت، بحسب قوله، تتلقى التمويل من خزينة الحكومة، كما تساءل عن نتائج العملية الأمنية التي أعلنت عنها الحكومة، مذكرًا بأنها استخدمت الطيران المسيّر ضد بعض تلك التشكيلات.

واعتبر أن مقتل عبد الغني الككلي لا يمكن اعتباره، وفق تقديره، إنهاءً لظاهرة الميليشيات، بل جاء، بحسب رأيه، في إطار إزاحة خصوم سياسيين كانوا يعارضون مشروع رئيس حكومة الوحدة منتهية الولاية للسيطرة على المؤسسات والمقار في العاصمة، مؤكدًا أن الدبيبة لا يمتلك، وفق تقديره، القدرة على مواجهة هذه التشكيلات إلا من خلال موازنة العلاقات بينها وتقوية طرف على حساب آخر.

وأضاف أن اللقاءات التي جمعت الدبيبة ببعض قادة تلك التشكيلات تعكس، بحسب رأيه، طبيعة العلاقة القائمة بينهم، مشيرًا إلى ما وصفه بطلب الدبيبة من أحد قادة المجموعات المسلحة تولي حمايته الشخصية، معتبرًا أن ذلك يعكس حجم النفوذ الذي باتت تتمتع به تلك التشكيلات.

وانتقد الترهوني استمرار انتشار التشكيلات المسلحة، محملًا حكومة الوحدة الوطنية منتهية الولاية مسؤولية تدهور الأوضاع الأمنية في طرابلس والزاوية وصبراتة وصرمان والجبل الغربي، معتبرًا أن الحكومة تعتمد، بحسب رأيه، على هذه التشكيلات لضمان بقائها في السلطة، حتى وإن كان ذلك على حساب أمن المواطنين.

وقال الترهوني إن المعلومات المتداولة تشير إلى انسحاب الأطراف التي أشعلت الاشتباكات من عدد من المقار، وربما من معظمها، إلا أن الصورة لا تزال غير واضحة بسبب تضارب المعلومات، متسائلًا عن الضمانات التي تحول دون عودتها مجددًا، خاصة مع تكرار سيناريو تسليم المقار بين التشكيلات المختلفة بناءً على تعليمات تصدر من رئاسة أركان المنطقة الغربية.

وفيما يتعلق بالانعكاسات السياسية، رأى الترهوني أن الاشتباكات قد تؤثر في المشاورات الجارية بين ممثلي القيادة العامة وممثلي حكومة الدبيبة ضمن لجنة “4+4″، إضافة إلى المبادرات الدولية المطروحة، معتبرًا أن الحكومة تحاول، بحسب وصفه، توظيف الأحداث للتأثير على الجهود الرامية إلى إنهاء الانقسام السياسي.

وأضاف أن رئيس الدبيبة يشعر، وفق رأيه، بالقلق من تزايد التوافق الدولي حول توحيد مؤسسات الدولة وإنهاء الانقسام، معتبرًا أن ما يحدث في الزاوية يأتي في إطار خلق أزمات جديدة تعرقل تلك المبادرات، سواء اجتماعات لجنة “4+4” أو المبادرات الدولية، ومنها ما وصفه بمبادرة السلام الأمريكية.

كما انتقد سرعة استجابة حكومة الدبيبة لإرسال قوة لتأمين مجمع مليتة، معتبرًا أن ذلك جاء، بحسب رأيه، استجابة لمطالب إيطاليا، في حين لم تُظهر السرعة نفسها في حماية المدنيين والتعامل مع الاشتباكات التي شهدتها مدينة الزاوية.

واختتم الترهوني بالتأكيد على أن تحقيق الأمن والاستقرار يتطلب تبني إجراءات أمنية وعسكرية شاملة تستند إلى استراتيجية متكاملة لملاحقة العناصر المتورطة في إشعال الاشتباكات، وإنهاء نفوذ التشكيلات المسلحة الخارجة عن القانون، وبناء مؤسسات أمنية وعسكرية نظامية قادرة على فرض سيادة القانون وحماية المواطنين.

كما دعا إلى اعتبار المرحلة الحالية فرصة حقيقية لإنهاء ظاهرة السلاح خارج إطار الدولة، محذرًا من أن استمرارها سيؤدي إلى مزيد من سفك الدماء في الزاوية وصرمان وطرابلس والجبل الغربي وغيرها من المناطق، معربًا عن أمله في أن تتوقف هذه المواجهات وتتجه البلاد نحو الاستقرار وإنهاء الأزمة.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى